ليكتمل المشهد السوري المخزي على الأصعدة كافة، كان لا بد لنا من حفلة فنية لهاني شاكر! نقيب الموسيقيين المصريين يتوافق بالمعنى الدقيق للكلمة مع أسلوب المنع الذي تتبعه النقابة في سوريا. فقد كانت لشاكر تجربته واسعة في منع مغنّي المهرجانات قبل أن يتقدم أخيراً باستقالته! البداية المبشرة كانت بالمؤتمر الصحافي المهيب الذي عقده نقيب الفنانين السوريين محسن غازي ومدير «دار الأوبرا» أندريه معلولي. وكان قد حدد موعده وأكد، ثم أجّل مرتين متتاليتين، إلى أن تمّ في مقر النقابة غير المجهّز بقاعة مؤتمرات! هكذا، أطلّ النقيب وبجانبه المدير يجلسان في بهو مبنى النقابة، فيما يتركان الصحافيين وقوفاً في حالة بدت تهكمية، زادت طينها بلةً الطريقة الاستعلائية في تصريحاته وحواراته مع الصحافين! أحد الأسئلة كان جوهرياً بصيغة مثالية عندما سألت صاحبته لماذا في الأوبرا وليس في قلعة دمشق مثلاً؟! قاطعها النقيب من دون أن يترك لها فرصة الشرح بأن ما قصدته هو القدرة الاستيعابية، ثم جاءها الرد النموذجي: «لماذا؟ لا نعرف لماذا؟! وإذا أردنا أن نطرح هذا السؤال سنبقى لبعد غدٍ نعيده من دون إجابة! «دار الأوبرا» هي المكان الرسمي وهو يرغب بأن تكون حفلته في هذا المكان، هل أقول له لا.. أريد أن آخذك على «الدحاديل» (حي شعبي في منطقة الميدان بدمشق)». لا نعرف إن غيّر نقيب الفنانين رأيه صباح اليوم بعدما افتتحت نافذة البيع الوحيدة في «دار الأوبرا»، فتحوّلت إلى فوضى عارمة ساد فيها الضرب واللكم والشتائم وحالات الإغماء والعويل من أجل الوصول إلى النافذة بينما تلاعب موظفو الدار بالناس عندما كانوا يوهمونهم بالذهاب إلى نافذة جديدة ليخف الضغط! تدخلّت إثر ذلك الشرطة المدنية وحاولت التهدئة، لكن العراك بين الناس استمرّ حتى بعد الإعلان عن حفلة ثانية ونفاد بطاقاتها في دقائق! طبعاً سبق أن أكّد لنا مدير الدار في اتصالات متكررة بأنه سيدعو الإعلام لمراقبة عملية البيع كون ثمن البطاقة 5 آلاف ليرة سورية (تقريباً ما يعادل دولاراً أميركياً واحداً) ولن يسمح ببيع أكثر من بطاقتين لكلّ شخص وسيعمل على إقناع صاحب أغنية «عيد ميلاد جرحي أنا» بإقامة حفلة أخرى. طبعاً لدى معاودة الاتصال بالمايسترو معلولي مرات عديدة لتوخي الدقة في ما يخص دعوة الإعلام لمراقبة بيع البطاقات، كان علينا أن نبذل جهوداً حثيثة لمحاولة تذكيره بنا وبمنبرنا، فيما كانت إجابته حول إمكانية رصد عملية بيع البطاقات بجملة قالها بنبرة باردة: «يعني أهلاً وسهلاً» والنتيجة حلبة مصارعة يمكن أن تشي بكلّ شيء سوى التمهيد لحفلة فنية!

الأكيد بأن المئات التي تجمهرت منذ الصباح الباكر لم تعتد في غالبيتها الالتزام بالدور، وهذا تقليد غائب عن البلاد منذ خمسين عاماً، لذا كان يفترض بوزارة الثقافة أن تبعد الإزدحام عن «دار الأوبرا» وهو ربما المبنى الفني الوحيد الذي لم يتهالك كلياً حتى الآن، وربما كان على النقابة ومعها وزارة الثقافة أو دار الأوبرا تحديداً أن تفكّرا.. فقط تفكّرا بأخذ أسئلة الصحافيين على محمل الجدّ، وأن تكون الحفلة عندما تكون البطاقات بهذا السعر الرمزي في قلعة دمشق مثلاً كما طالبت الصحافية، فاستهزأ بها السيد النقيب وأهان منطقة شعبية، أو أن تكون في أحد ملاعب كرة القدم بالتنسيق مع الاتحاد الرياضي العام، على الأقل يمكن للمشاهد أن يستفيد من الملعب ويتابع حفلة فنية طالما أننا نفتقر في البلاد لكرة قدم، ولو بحدودها الدنيا الاحترافية. أما في حال أصرت الجهتان المنظمتان على المكان، فالحل بأن تكون هناك سلسلة حفلات متلاحقة ومجموعة كبيرة لمنافذ البيع موزعة على المراكز الثقافية والنقابة بفروعها ومؤسسات وزارة الثقافة!
في كلّ الأحوال، هذا الخدّ تعوّد على اللطم، والدموع هذه المرة لن تذرف على إيقاع أغنيات مطرب العلاقات العاطفية الفاشلة فقط، بل سالت سلفاً بسبب الفوضى والعشوائية والتهالك في التنظيم. أمور تذهب جائزئها الذهبية مناصفة إلى: «نقابة الفنانين» و«دار الأوبرا». يتسّلم الجائزة الممثل والمغني محسن غازي والمايسترو أندريه معلولي!