«وما كان فيي أوصلّا أسرع من مارادونا.. أسرع..أسرع من مارادونا» كانت هذه الأغنية اللبنانية تصدحُ على راديو منزلنا الوحيد، بصوتٍ مرتفع، إلى أن أمر والدي بتحويلها كي يسمع نشرة الأخبار. كان والدي قد عاد للتو من الأسر إثر صفقة تبادلٍ مع العدو الصهيوني. أحضرت له أمّي «بيجاما» على عادة ما يحضر للعائدين من الأسر؛ لربما لإشعاره بالراحة أكثر وحنو البيت عليه: كان دييغو مارادونا بصورته الشهيرة راكضاً ملوحاً بقبضته -بعد هدفٍ سجله في كأس العالم العام 1982- تزين تلك البيجاما الرمادية. لم يستسغ والدي -والذي كان تقليدياً فيما يرتدي- الصورة في البداية، لكنه حالما عرفه ابتسم؛ لقد كان يعرفه. كان الجميع يعرفه.

كان دييغو مارادونا؛ نحنُ. بجميع أطيافنا، مهما فرّقتنا المسافات، والصفات، والعادات والتقاليد وكلُّ ذلك. كان دييغو مارادونا، كل هذا وأكثر. يعتبره البعض لاعب كرة قدم، مدرباً، شخصيةً عالمية، مؤثراً اجتماعياً، كل ذلك، لكننا -نحنُ جيلٌ ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي- اعتبرناه رمزنا أكثر من أي شيءٍ آخر. لقد جمعنا الطفل الذهبي IL PIBE DEL ORO كلنا على اختلاف مشاربنا السياسية والثقافية والاجتماعية، في مكانٍ واحد: محبته. لم يكن دييغو أرماندو مارادونا الأرجنتيني مجرّد لاعب كرة قدمٍ، أو أسطورةً لها، بل كان قبل كل هذا إنساناً يشبهنا: بكسوره وجروحه ومتاعبه ومصاعبه. شابهنا عند الخسارات، وشابهنا عند الفوز: يرفع إصبعه الوسطى بوجه الكون حين يغضب، يدخّن بشراهة، يفسد في الشوارع، يصاب بأمراضٍ كثيرةٍ جراء تعب قلبه، يشتم ويصرخ وينفعل بشكلٍ شديد، لا يهتم بوجود الصحافة أو بالتصرّفات «المنمّقة» و«المنمّطة». كان دييغو يشبهنا نحنُ العاديون، نحن الذين نعيش اليوم بيومه.
مارس حياته في العلن كحياته في الخاص: كان واضحاً وصريحاً. كان طائشاً كما معظمنا في بداياته، أضاع الطريق غير مرة، لكنه عاد إليه. كلما كانوا يقولون أنّه قد انتهى عاد بقوّة أكبر. حاربوه لأنه غير معتاد: لا يطأطأ رأسه عند أي «تحد» كما لا يهون. «هذه اليد عاقبت الإنكليز على جرائمهم في فولكلاند». هكذا قال يوم سجل هدفه الشهير «يد الله» ضد المنتخب الإنكليزي وأخرجهم من كأس العالم في العام 1986. من في كرة القدم، قبل دييغو-أوبعده- حكى سياسةً بهذه الطريقة؟ من؟ في ذات المباراة أثبت أنّه لاعبٌ من طينة أخرى: سجّل هدفاً سيصار إلى تصنيفه لاحقاً كأفضل هدف في كأس العالم: أن تمزج العبقرية بالمواقف الوطنية، ذاك هو دييغو مارادونا. في يومٍ ما، ذهب على عادة الصهاينة في دفع نجوم من مختلف الاتجاهات والمشارب على تلميع صورة «كيان الإحتلال» فبكى عند حائط المبكى، وارتدى طاقية الصهاينة التقليدية. هذا سرعان ما تنصّل منه، فهو في النهاية يعرف بوصلته الحقيقية. نضج الطفلُ الذهبي بعدها سريعاً: إذ فهم أن الإمبريالية تأخذُ أشكالاً متعددة: ومن حاربهم شعبه في الفولكلاند هم ذاتهم من يحتلون فلسطين، وإن تغيّرت ألوان الأعلام. صار ال سانتو أو القديس، صديقاً لفيديل كاسترو وهوغو تشافيز وسواهم من زعماء أميركا الجنوبية/الشمالية والمعادين الظاهرين للسياسات الأميركية. أراد أن يترك جزءاً من جسده للفكرة: فترك وشماً للثائر الأممي الأبرز في عصرنا «تشي غيفارا» على جسده.
رغم كل هذا: لم يكن مارادونا قديساً، كان كما شخصيات المبدع الفلسطيني غسّان كنفاني: «مليئاً بالتناقضات والكسور، لربما هذا ما يجعله إنساناً»، كما كان يقول كنفاني؛ «لربما هذا ما يجعله بطلاً»؛ عاقر الخمور، والمواد المخدّرة، وفسد أيما فساد، لكنه لم يضر أحداً غير نفسه. دفع ثمن أخطائه غير مرة: صوته المرتفع، وغضبه على الإتحاد الدولي ومواقفه «غير اللائقة» مع الدول الضعيفة –سياسياً- جعله يخسر غير مرةٍ مكانته في نواديه التي لعب لها، أو منتخبه الأرجنتين الذي حرم من إكمال كأس العالم معه في العام 1994. جرب التدريب نجح وفشل، وصوّرت شركة نتفليكس وثائقياً بحلقات تحت مسمّى «مارادونا في المكسيك» حول رحلته التدريبية في المكسيك حينما درّب فريق «دورادوس سينالوا» وهو فريق من الدرجة الثانية هناك. يعرف من شاهد هذه السلسلة تماماً كيف هو دييغو: يشتم الحكّام، يغضب كأي شخصٍ عادي، ينفعل، يرقص مع اللاعبين حال الفرح، يصرخ مشجعاً بأعلى صوته. ينسى أنّه ذلك «النجم» الكبير، و«المراقب باستمرار» و«الملاحق من قبل الجماهير والصحافة» يصبح شخصاً عادياً، عادياً يشبه كل من حوله. كل هذا تنبه إليه صنّاع العمل؛ فكان عنوان الحلقة الثانية منه: «واحدٌ منا» لأن مارادونا كان واحداً منا. منا كلنا.
كان مارادونا مثلنا الجميل في أن يكون أينا في مواجهة كل الدنيا ويقدر على الانتصار، في لعبة الفقراء: كرة القدم، لعبتنا. هل من ورثة؟ قد يعتقد كثيرون بأن هناك كثرة: كلا لايوجد؛ فدييغو، بعيدٌ للغاية عن «خبث» ميسي، و«آلية» كريستيانو رونالدو، و«مادية» نيمار. دييغو بقي حتى آخر أيامه شبيهاً ببيئته، وبأناسه: فيما يسعى هم ليكونوا أكثر شبهاً بذات الرجل الأبيض الذي يستعمرهم، ولا يزال.