بدون أدنى شك، يمكن وصف المخرج السوري الشاب سدير مسعود بأنه الأميز بين مجايليه من المخرجين الشباب الذين تعلّموا أصول المهنة في أكاديميات عربية وأجنبية وأخذوا مطارحهم على خارطة الدراما السورية كلّ حسب اختصاصه وقدراته وحظوظه. لكن نجل الممثل العالمي غسّان مسعود بدأ يكرّس نفسه في حقل الإعلان التجاري على مستوى عمله الإخراجي، بعيداً عن شغله كممثلّ تلفزيوني حقق حضوراً لا بأس به طبعاً لن يقلل ذلك من شأنه شيئاً خاصة أن مخرجين ونجوماً مكرّسين أنجزوا إعلانات تجارية. بعد تخرّجه من دراسة السينما والتلفزيون لمدة ثلاث سنوات في «الجامعة اللبنانية الدولية» (liu) طرح نفسه على المستوى الجماهيري، بإعلان لماركة بن شهيرة، أدى فيه البطولة النجم أيمن زيدان. بدا الإعلان حينها، كأنه جردة حساب ترويجية لنجمه، أكثر مما هو دعاية قهوة. أخيراً، جرّب الشاب إخراج مسلسل تلفزيوني ثلاثيني، بعدما قدّمت له شركة «إيمار الشام» فرصة ذهبية لتولّي دفة مسلسل «بورتريه» (كتابة تليد الخطيب) فكانت الخواتيم بالنسبة له أسرع حتى من دوران الكاميرا لبدء تصوير المشروع، وبطريقة هجومية على مديرة الشركة الكاتبة والإعلامية ديانا جبّور. أقصي عن العمل وأسند لباسم السلكا الذي انتهى من التصوير قبل أيّام. هكذا، عاد سدير أدراجه نحو الإعلان التجاري، وقد عرضت المحطّات السورية في رمضان الماضي إعلاناً من إخراجه لماركة «شيبس» أدى الأدوار التمثيلية فيه فايز قزق وعبد المنعم عمايري ومصطفى المصطفى. وقد أثارت الدعاية جدلاً بين متفق ومختلف حولها، رغم أن نتيجتها كانت واضحة، إذ لم تحفظ الغالبية من الجمهور اسم المنتج التجاري، وانحسر الخلاف حول مشاركة ثلاثة أجيال مسرحية متعاقبة في مادة إعلانية لبضاعة استهلاكية كمالية، وربما غير صحية! وسرعان ما أدار مسعود كاميرته مجدداً في ميدان الدعاية، وهذه المرّة اختار أن يكون التمهيد بشكل تشويقي من خلال لوحات طرقية أمعنت في استفزاز المواطن السوري الذي يعيش على أعتاب مجاعة كبرى عندما قال له الإعلان «مرجوعك لعندها». طبعاً هذا ترويج لمياه غازية، ولكم أن تتخيّلوا لو كان إعلان قسم شرطة مثلاً؟!

الأمر لم يكن سوى إحماء للإعلان المرئي الذي لعب بطولته الممثل الشاب رامي أحمر، وسجّل مخرجه تعليقاً صوتياً بنفسه، ليحاول إيضاح الفكرة التائهة بين مجموعة مشاهد صنع بعضها المخرج الشاب وفق آلية وتكنيك «القص لصق» من أفلام عالمية، مع التعريج على إعلان قديم لـ «ميلودي»، مراهناً حسب اعتقاده ربمّا على ذاكرة المشاهد المحلّي القصيرة، وعلى براعته الذاتية في إعداد الكولاج بمهارة تشهد له. الإعلان ينطلق من فكرة مباشرة يعبّر عنها بطريقة بسيطة تجّرب القول بأن الأصيل لا يتخلى عن وليفه. حتى شريكة العمر يمكن أن تدير ظهرها لنصفها الآخر، لكن المشروب المفضّل لن يتنكّر، لذا سيكون «مرجوعنا لعنده». كلّ ذلك سيجري على خلفية مشاهد «تايوانية» تقلّد لقطات من السينما العالمية، أو المحلّية بحرفيتها في بعض الأحيان، وربما التلاعب الساذج في جوهرها في محّلات أخرى، من دون التنازل عن التقليد الكلّي في «اللوكيشن» وحركة الكاميرا، وأسلوبية صناعة اللقطة، ولون السيارة مثلاً. يبدأ الإعلان باقتباس واضح في مشهد البار وطلب المياه الغازية، ثم الرقصة، من فيلم كوينتن تارنتينو PULP FICTION يليه تقليد مموّه في مشهد السيارة لمشهد من death proof (تارنتينو) و Thelma And Louise (لريديلي سكوت) فيما تقلّد لقطة البانيو مشهداً من فيلم محلّي هو «رجل وثلاثة أيّام» (لجود سعيد). يقول هذا الأخير لنا بأن تصوير هذا المشهد من الإعلان جرى في نفس اللوكيشن الذي صوّر فيه فيلمه الروائي الطويل!
المؤكد بأن الحرفة في التجميع ليست سهلة، وإن دّلت فإنها تشير إلى ذاكرة موسوعية للمخرج الناشئ الذي صنع إعلاناً ملأت لوحاته الطرقية شوارع سوريا، ثم سوّق لمنتج تجاري على طريقة تقليد كبار المخرجين العالميين، وما الضير في ذلك؟! هو على الأقل جعلنا نعيد مشاهدة بضعة أفلام لمخرجين لا يشق لهما غبار. ربما تكون المشكلة الوحيدة بأن يطلّ مستهلك سوري ليقول على صفحته الفايسبوكية بأن المنتج التجاري رديء الطعم والمذاق! فيرد عليه مستهلك آخر أكثر حكمة: لكّنها صناعة وطنية سعرها رخيص، قياساً بالمياه الغازية المستوردة، لذا وفقاً لظروف الغلاء والتهاوي الاقتصادي سيكون فعلاً «مرجوعك لعندها»!