يلهث الممثلون في عالم الدراما إلى أدوار البطولة المطلقة، وإذا حصل ونجح أحدهم في أداء شخصية ما، بقي أسيراً لها، ويعيش على أمجادها، وتمحورت حولها كل أعماله اللاحقة.

قلة من الفنانين استطاعوا كسر هذه الصورة النمطية في عالم الفن، ومنهم الراحل خالد تاجا (1939 - 2012)، الذي مرت ذكرى وفاته الثامنة يوم أمس.
هكذا تمرّد ابن حي ركن الدين الدمشقي على النمط الفني السائد، وانتزع دور البطولة في أي عمل يشارك فيه، مهما كان ترتيب ظهور اسمه في الشارة.
من الصعوبة بمكان تحديد الدور الأهم لخالد تاجا، ربما يكون «أبو منذر» في «زمن العار»، الرجل القاسي الذي يجري خلف نزواته مشرداً عائلته، ويرتكب جريمة قتل بحق زوجته (ثناء دبسي) بامتناعه عن وضع جهاز التنفس لها.
وربما يكون هذا الدور هو «كريم» الأب الحنون على بناته في «الفصول الأربعة»، وقد يكون «أبو عبدو» التاجر الجشع متعدد الزوجات في «أيام شامية»، أو دور «أبو أحمد» في «التغريبة الفلسطينية»، لعله «الحارث ابن عباد» في «الزير سالم»؟، يمكن أن نبحث في الكوميديا عن أدوار الراحل في «أيام الولدنة» و«يوميات مدير عام» و«دنيا»!.
قد لا يتسع مقال واحد لذكر جميع أعمال بطل لعنة «الطين»، ولكن القاسم المشترك بين جميع هذه الأعمال أن تاجا كان «البطل الأول» الذي يترك أثراً وجدانياً عميقاً لدى الجمهور، والذي يشكل ظهوره وصفة فعالة لنجاح أي عمل، فمن ينسى «أسرار المدينة» و«قاع المدينة»، و«غزلان في غابة الذئاب»، وعشرات الأعمال التي لا تزال راسخة في ذاكرة السوريين.
صنع خالد تاجا مجده بنفسه، بدأ الرحلة في مسارح دمشق، مع حكمت محسن، وأنور البابا وعبد اللطيف فتحي وانتقل إلى الكتابة والإخراج، وفي عام 1965 أدى البطولة في فيلم «سائق الشاحنة».
ابتعد خالد تاجا عن العمل الفني 12 عاماً بعدما أصاب السرطان إحدى رئتيه بسبب ولعه بالتدخين، ما أدى إلى استئصال الرئة.
وفي أواخر السبعينيات، عاد مجدداً إلى العمل، وحتى ‏وفاته لم ينقطع ظهوره على الشاشة، شارك خلال مسيرته الفنية في أكثر من 130 مسلسلاً، وعشرات الأفلام والمسرحيات.
حمل خالد تاجا ذو الأصول الكردية الهم العربي، وكان أول من انتقد الأنظمة العربية علانية دون خوف.
تزوّج أربع مرات انتهت جميعها بالطلاق أو الفراق، وكان زواجه الأول من المغنية السورية سحر المقلي، التي أنتهت حياتها بحادثة مروعة في فندق «سميراميس» بدمشق مطلع الثمانينيات.
تجددت معركته مع المرض بعدما تجاوز السبعين من عمره وانتهت تلك المعركة برحيله، قبل أن يكتب قصة حياته.
كان الخبر بمثابة صاعقة في سوريا، أما هو فقد كان يتهيأ لذلك اليوم، وكتب قبل سنوات من رحيله على شاهدة: «مسيرتي حلم من الجنون كومضة، كشهاب، زرعت النور في قلب مَن رآها لحظة ثم مضت» وذيّلها بعنوان: «منزل الفنان محمد خالد بن عمر تاجا»، ولا تزال العبارة شاهدة على رحيل الرقم الصعب في الفن السوري.
صنف خالد تاجا أحد أفضل خمسين ممثلاً في العالم حسب مجلة التايم الأميركية، ولقبه الشاعر الراحل محمود درويش بـ «أنطوني كوين العرب»، أما خالد تاجا كان لا يحبذ الألقاب، صاحب الكاريزما الفنية الخاصة، أثبت عبر مسيرته أنه «خالد تاجا» الفنان الذي لا يشبه أحداً.

https://youtu.be/QPyRQA3kaKc