في دورتها الماضية، وجّهت «مهرجانات بعلبك الدولية» تحية فنية راقية لأم كلثوم بتوقيع هشام جبر (1972) بمشاركة مروى ناجي ومي فاروق. هذه السنة، يتجدّد التعاون بين المايسترو المصري والقائمين على هذا الحدث الثقافي العريق. في 20 تموز (يوليو) المقبل، سيقف جبر في أحضان معبد باخوس في «مدينة الشمس» ليقود أوركسترا فلهارمونية رومانية ضخمة مؤلفة من 70 عازفاً بالتعاون مع «الأوركسترا الوطنية اللبنانية للموسيقى الشرق عربية»، ليأخذ الحاضرين في رحلة عابقة بالحنين إلى زمن عبد الحليم حافظ. بعد حيرة مطوّلة وتصفيات مديدة، وقع الاختيار على مجموعة كبيرة وغنية من أعمال «العندليب الأسمر» التي يعشقها الملايين («جبّار»، «لست قلبي»، «بلاش عتاب»، «نعم يا حبيب»، و«حبّك نار»...)، ليصدح بها صوت النجم الفلسطيني محمد عسّاف (1989)، على أن ترافقه المطربة المصرية نهى حافظ في أداء أغنيتَيْ دويتو قدّمهما «حليم» مع شادية، هما: «حاجة غريبة» (كلمات فتحي قورة، وألحان منير مراد) من فيلم «معبودة الجماهير» (1967 ــ إخراج حلمي رفلة)، و«تعالي أقلّك» (كلمات حسين السيّد، ألحان منير مراد) من فيلم «لحن الوفاء» (1955 ــ إخراج إبراهيم عمارة). هذا ما أكدّه هشام جبر في حديث سابق مع «الأخبار»، موضحاً أنّ استعادة أرشيف حافظ ستأخذ شكل حفلة سينمائية ــ موسيقية (ciné-concert) بعنوان «ليلة مع عبد الحليم». إلى جانب قيادة الأوركسترا و«هندسة» البرنامج، ألقيت على عاتق جبر مهمّة توزيع الأغنيات، في الوقت الذي اهتم فيه المخرج المصري أمير رمسيس بتوليف الفيديوات المرافقة للأغنيات الحيّة وإعداد المفهوم البصري العام. مع العلم بأنّ ثنائية جبر ـــ رمسيس ثبتت نجاحها في الدورة الماضية من «مهرجان الجونة السينمائي» (يشغل رمسيس منصب مديره الفني) عبر ciné-concert استعاد الموسيقى التصويرية لأفلام السينمائي المصري يوسف شاهين (1926 ــ 2008) ضمن برنامج تكريمه في الذكرى العاشرة لغيابه.

أما محمد عسّاف، فقد عبّر في إطلالات إعلامية عدّة عن حماسته الكبيرة لخوض هذه التجربة، لا سيّما أنّه متأثّر جداً بتجربة عبد الحليم حافظ، بالإضافة إلى شوقه للقاء الجمهور اللبناني، من دون أن يخفي شعوره بالرهبة من الوقوف على مسرح سبقته إليه نخبة من الأسماء الكبيرة عربياً وعالمياً، والمسؤولية المترتّبة عن أداء أعمال قامة فنية بحجم صاحب أغنية «صافيني مرّة». اختيار «محبوب العرب» لم يكن عبثياً، بل يبدو «مناسباً» لأسباب عدّة، يختصرها هشام جبر بـ «صوته الجميل، وحبّه لعبد الحليم ومعرفته الجيّدة بأرشيفه، وشعبيته الواسعة بين الشباب، ناهيك عن الشبه بين محمد وحليم». خلال الاشتغال على الموعد المرتقب، كان جبر مسكوناً بهاجس أساسي هو تقديم التراث بنَفَس جديد وتفادي الانزلاق إلى فخّ التغريب الذي يُفقد الناس القدرة على التماهي والارتباط بالمادة التي يتلقونها. المدير الفني لـ «مركز التحرير الثقافي» في «الجامعة الأميركية في القاهرة»، عاشق للبنان ولجمهوره الذي يجعل الأنشطة الفنية «هنا» مختلفة ومتميّزة. لهذا، يتطلّع إلى ليلة ملؤها الطرب والنوستالجيا والحب وذكريات الأسود والأبيض يوم كان لكل شيء «طعم آخر»...