يمكنك الحديث عن أخطاء الممثلين اللبنانيين في الدراما، هذا يمكن كتابة مجلدات عنه، لكن حالما يطل مجدي مشموشي، يصبح المقياس مختلفاً. إنه ليس مجرد ممثل يجيد حرفته فحسب، فتشعر أمام أدائه أنك أمام نحات أو رسام يمارس حرفته على طريقته الخاصة. يجيد الممثل الذي لا يشبه أي ممثل لبناني من مجايليه أو سابقيه «صنعته» بإتقان يمكن القول بأنه «خاص» للغاية في الساحة اللبنانية. هذا العام، يطل مشموشي بشخصية «سيد حلمي» في مسلسل «الكاتب» للكاتبة ريم حنا، وشقيقها المخرج رامي حنّا ويشاركه في البطولة الماهر والشيق باسل خيّاط والجميلة.

سيد حلمي وتسميته هنا «تلعب» عليها جيداً الكاتبة ريم حنا، بين لقب التقديم/ الإحترام «سيد» وبين الإسم «العلم» الشائع في مصر ولا يستخدم كثيراً في بلاد المشرق العربي؛ هو عبارة عن «شخصية» روائية اخترعها الكاتب يونس جبران في المسلسل لتكون «محققه» الفريد من نوعه الذي يحل القضايا في قصصه البوليسية. نكتشف لاحقاً بأن الشخصية حقيقية، وبأنها كانت لكاتب الرواية الأصلية «حارس القمر» التي كانت «فاتحة» شهرة يونس جبران. الأهم أنَّ هذه الشخصية الأصلية أي «سيد حلمي» لا تزال حية، وليست ميتة كما اعتقد جبران؛ هنا تبدأ الأحداث بالتعقيد حين يعرف الكاتب بأنَّ «سيد» يريد الانتقام منه بكل ما أوتي من قوّة. يظهر مشموشي كماً هائلاً من المهارة التقنية الأدائية التي يمكن القول بأنها لا تقل أبداً عن حرفة أي ممثل درامي من العيار الثقيل.
في المعتاد؛ حين يقف ممثلان أمام بعضهما في أي مشهد، يمكن لأي قارئ دراما جيد، أو متابع تلفزيوني لديه قليل من الخبرة ملاحظة أن أحدهما أقوى من الآخر. هذا يعود بالطبع إلى قوة أداء أحدهما على الآخر، أو لشدة «دخوله» في تفاصيل الشخصية، أو حتى لأنه ببساطة «موهوب» أكثر من زميله/ مواجهه. وفي مسلسل «الكاتب»، يمكن ملاحظة أن الممثل اللبناني –أي مشموشي- قادر على مجاراة الأفضل والأكثر مهاراة بسلاسة كاملة، حتى يمكن القول بأنه في لحظاتٍ ما كان أفضل من باسل خياط الذي يمكن الحديث مطولاً عن مدى قدراته وأنه «يبتلع» كل من يواجهه في المسلسل حتى ولو كانوا أكثر من شخصٍ في ذات الكادر. يمكن ملاحظة أن خياط في المشاهد التي تجمعه مع عدّة شخصيات يستخدم كل حرفته –لربما بشكل لا شعوري- في جذب الإنتباه والضوء لشخصيته: تارةً عبر اسلوب حركة يديه، أو اعادته لذات الكلمات، أو طريقة تنفسه وتنهده. كل هذا يجعل الكاميرا تفضله وبالتالي عيون المشاهدين تشخص إليه. أما في مشاهد مشموشي وخياط المشتركة، فتظهر حرفة «الظل» كما تسمى في المسرح الألماني وتحديداً المسرح البريشتي: من سيأخذ الضوء لعنده، من سيلبس ظل الشخصية التي سيؤديها لدرجة أنك ستنسى أنَّ ممثل؟ يسحب مشموشي الظل لناحيته في كل المشاهد التي يتحرّك فيها، يأخذ الضوء ناحيته، ولو كان بمواجهته باسل خياط. هنا تبدو المعركة أشبه بكرٍ وفر، يسحبها باسل شيئاً لناحيته، ليعود مجدي ويأخذها، هنا تبدو حرفة «الدراما» في أجمل حللها.
يبدع مشموشي في هذا الدور المأخوذ ولو بشكلٍ جزئي عن «الكونت دي مونت كريستو» عن «مرتفعات وذيرينغ»، عن «ذكريات الزمن القادم» (وهو مسلسل سوري من العام 2003 كتبته ريم حنا أيضاً وأدى دور البطولة فيه غسان مسعود، جمال سليمان، وسلاف فواخرجي). الشخصية التي لعبها في السابق ريتشارد تشامبرلين (في نسخة 1975) جيرارد دي بارديو (في مسلسل فرنسي قصير Miniseries) وجيم كافيزل (مؤخراً في نسخة 2002)؛ وعربياً أنور وجدي في فيلم «أمير الانتقام» لهنري بركات وكذلك فريد شوقي في «أمير الدهاء» لذات المخرج فضلاً عن نور الشريف في «دائرة الإنتقام» (للمخرج سمير سيف) وبالتأكيد لا ننس إداء جمال سليمان الخارق في «ذكريات الزمن القادم»... بدا أنَّ مشموشي قادر على السير قدماً في هذه الشخصية مع ارتداء «ثيابها» و«ظلّها» كما يريده هو، فأعطى الشخصية كما أعطته، حتى بدت كأنها له تماماً.
-------
* «الكاتب»: يومياً على lbci وldc (س: 22:30)، و«نتفليكس» (19:00)، و«أبو ظبي» (23:00)، و«art حكايات 2» (21:00)