أحرج السيناريست سامر رضوان زملاءه عندما أطلق قبل أيام تصريحاته النارية في نشرة أخبار قناة «الجديد». يومها، أخذ موضوع مسلسله «دقيقة صمت» (إخراج شوقي الماجري ــ بطولة: عابد فهد، وفادي صبيح، وخالد القيش، وستيفاني صليبا) إلى تحدٍّ شخصي مع السلطة، مشيراً إلى أنّ العمل «عبارة عن رسالة تخاصمية مع السلطة السياسية. النظام قال لنفسه كونه لم يخسر شارعه رغم السلاح وقوة المجتمع الدولي، فماذا سيفعل عمل درامي؟ لذا جعله يمرّ... النظام تعلّم الدرس بألا يخاصم الكتّاب لأنّ القلم ربما ينتصر على الدبابة». فحوى هذا الكلام، دفع بشركتي الإنتاج «إيبلا» السورية و«صبّاح إخوان» اللبنانية إلى التبرّؤ منه، والتلويح في بيان مشترك نُشر على المواقع والصفحات الإلكترونية بإجراءات بحقّ الكاتب! وشدد البيان على أنّ الشركتين وطاقم العمل ينأون بأنفسهم عما ورد على لسان رضوان، فيما شدّدت «إيبلا» و«صبّاح إخوان» على أنّ إطار المسلسل «دراميّ بحت وتوظيفه سياسياً لا يُعبّر عن موقفهما بأيّ شكل من الأشكال... المسلسل ليس عملاً وثائقياً وقد تمّ تصويره في سوريا وساهمت الجهات الرسميّة في تسهيل التصوير والدخول إلى مراكز التوقيف والسجون لإعطاء العمل بُعده الدراميّ الموضوعيّ المطلوب. حصل هذا العمل كسائر الأعمال الدراميّة على التصريحات اللازمة من الجهات الفنيّة المسؤولة في سوريا. بالتالي فإنّ مُحاولة إستخدام نجاح المُسلسل من أجل تسجيل موقف هنا أو هناك مُستهجن وغير مُبرّر».

كذلك، أطل مغنّي شارة هذا المسلسل اللبناني معين شريف في فيديو مقتضب ليقول إنّ ما جاء على لسان كاتب «الولادة من الخاصرة» لا يمثّل أحد سواه. التصريحات التي تندرج في إطار المراهقة السياسية الواضحة، والانفعالية الزائدة، والتضخيم من هدف مسلسل تلفزيوني شوّش على نجاحه، وخرّب متعة ما يحصده نجومه من ردود أفعال إيجابية! لكنّ الأسوأ من هذا كانت الشتائم والتخوين. هنذا، أصدرت وزارة الإعلام السورية بياناً هزيلاً، تضمّن كلاماً رسمياً بمثابة صكّ براءة لها من العمل، كونه أخذ موافقات رقابية، وصوّر في سوريا. ومما جاء في هذا البيان: «لجنة القراءة غير مسؤولة عن كل ما يمكن ترميزه أو إسقاطه لاحقاً خلال تنفيذ هذا العمل، كما أنّها تُحمّل أصحاب العمل والقائمين عليه مسؤولية إظهار تصرّفات المسؤولين الفاسدين الذين تحدّث عنهم النص بوصفه سلوكاً فردياً وشخصياً لا يمثّلون فيه مهمة المؤسسات التي ينتمون إليها، وإنّما تشكّل هذه التصرفات وهؤلاء الأفراد عدواً للدولة الوطنية ومؤسساتها كافة». وأضاف البيان: «بناءً عليه، كان لزاماً على الشركة أن تلتزم بالموافقة المشروطة، وهو ما لم تلتزم به في سياق المسلسل، وبما تحتم الإجراءات المعمول بها في الجمهورية العربية السورية بإعادة الشركة المنتجة العمل المصور لـ «الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون» من أجل عرضه على لجان المشاهدة للتأكد من الالتزام بالملاحظات التي وضعت عندما تم الحصول على موافقة النص المبدئية. وعندها تُمنح الشركة المنتجة موافقة العرض والتصدير، أي أنّ الموافقة الأولية لا تعني شيئاً قبل أن يتم الحصول على الموافقة بعد المشاهدة، وهذا ما لم تحصل عليه أصلاً لأنها لم تقم بتقديم العمل إلى لجان المشاهدة لرقابته ومنحه بالتالي موافقة العرض والتصدير، بل إن الشركة قامت بتهريب المادة المنتجة من سوريا وعرضها على قنوات عربية، الأمر الذي يُعتبر سرقة واحتيالاً موصوفين وخرقاً للأنظمة».
الفكرة التي اعتمد عليها من صاغ البيان، كان بالإمكان تمريرها ضمن رد أكثر عمقاً ومهنية ومؤسساتية، من خلال تجيير الموضوع لصالح الجهات الرقابية في سوريا أصلاً، واعتبار الموافقة أمراً يؤكد على رفع السقوف الرقابية، والتعاطي المرن مع صنّاع الدراما والوسط الفني، والرغبة في تكريس حالة الاشتباك مع الفساد على جبهات القطاعات كافة، وفضحه إعلامياً بوسائل عدّة أوّلها الدراما، ثم التذكير بمجموعة كبيرة من الأعمال التي تحوّلت لاحقاً إلى كلاسيكيات رغم مقارعتها الفساد وانتقادها السلطة على أعلى مستوياتها، ومنها مسرحيات محمد الماغوط التي قدّمها دريد لحّام، إلى جانب مشاريع تلفزيونية عدّة، من بينها «مرايا» ياسر العظمة، و«بقعة ضوء» (مجموعة كتّاب ومخرجين)، و«غزلان في غابة الذئاب» (فؤاد حميرة ورشا شربتجي)، وغيرها. حتى أعمال سامر رضوان نفسه في «لعنة الطين» (أحمد إبراهيم أحمد) و«الولادة من الخاصرة 1/2» (اللذين صوّرا في سوريا وأخرجتهما رشا شربتجي).
لكن الرؤية الحكومية راحت نحو خيار التنصّل من أي مسؤولية رغم أنّ العمل سيصب في نهايته لصالح رجل الشرطة الوطني!؟ أفضل ما يمكن قوله في حضرة مثل هذه البيانات إنّ الصمت يساوي الذهب! وقبل ساعات، لجأ سامر رضوان إلى حسابه الشخصي على فايسبوك لـ «التوضيح» حول التطوّرات التي أعقبت تصريحاته. وأشار إلى أنّ الكلام الذي أثار حفيظة بعضهم وشركتي الإنتاج لم يكن بهدف التعميم أو «إثارة بطولات شخصية» بل كان في إطار حوار «مدّته 40 دقيقة، عرضت منه ثلاث دقائق فقط»، مشدداً في الوقت نفسه على أنّ السنوات الثماني الماضية أثبتت أنّ «الفساد ليس حكراً على فريق واحد... وأنا ضد الفساد أينما كان». وخلص إلى أنّ هناك مجموعة كبيرة من السوريين ــ و«من بينهم أنا» ــ مصرّون على تجاوز «الخلافات والتعالي عن جروحنا الشخصية في سبيل خلق حالة من الأمل ببلد يمكن أن نعيش فيه جميعاً».