قبل أشهر، عُرض على روحانا تقديم حفل تكريمي لسيد درويش ضمن مهرجان بيبلوس هذا العام، وهو بالطبع عرض لا يسع أي فنان من طراز وخطّ روحانا الفني رفضه، خصوصاً وأنه بحسب ما أكّده لنا خلال اتصال: «حفظنا كلنا أغنيات سيد درويش منذ كنا صغاراً. والى جانب ذلك، عملت شخصياً على أسطوانة موشحات مخصصة للفنان. لدي تعلّق كبير به وبفنه. على صعيد آخر، وفي نظري، قبل أن يأتي سيد درويش، كانت الموسيقى في مكان ما وكذلك مضمون الكلام الشعري، وبعده بات هذا المضمون الشعري والموسيقى في مكان آخر. من هنا أتت تسمية فنان الشعب. فهو تحدّث في أغنياته عن قضايا العمال والفقراء. واستخدم لغة لم تكن قد استعملت قبل ذلك، بالطبع من دون أن ننسى الشاعر بديع خيري الذي كان هو من يكتب الكلمات. ولكن سواء تعلّق الموضوع بالكلام أو بالموسيقى، فهناك روح جديدة ونفس متجددة في أعماله».

شربل روحانا الحائز دبلوماً في العود من «جامعة الروح القدس»، هو في الوقت عينه فنان صاحب خطّ فني جاد ومتجدد سواء في العزف أو في التأليف الموسيقي والغناء. وهو معدّ منهج آلة العود اعتُمد في المعهد الوطني العالي للموسيقى. لا داعي التذكير بمسيرته الحافلة بالأغنيات التي أكسبته على مدى سنوات طويلة بصمة فنية خاصة في عالم الموسيقى، منذ بداياته مع مارسيل خليفة في فرق الميادين حتى انطلاقته المنفردة التي أثمرت إنتاجاً موسيقياً لقي استحسان النقاد والجماهير معاً. حتى عندما يستعيد أعمالاً معروفة، لا يسع شربل روحانا الامتناع عن التجديد والبحث الدائم عن الاكتشاف في عالم الموسيقى. وهي على أي حال ليست المرة الأولى التي نراه في حفل من هذا النوع. المؤلف وعازف العود المتمرس يحرص في كل مرة يقدّم فيها عملاً أو حفلاً ما عن الابتكار وعدم تكرار التجارب الماضية كما هي من دون إضافات. في هذا الصدد يقول: «أهمية سيد درويش تكمن في أننا لا نزال حتى اليوم، في القرن الحادي والعشرين، نعثر على أمور جديدة في فنه. أُعدّ لهذا الحفل منذ أكثر من شهرين، وفي كلّ جملة أرى وحياً وآفاقاً جديدة، تساعدني وتعطيني الكثير كموسيقي. فهناك دائماً ما هو جديد اكتشفه فيه». فضلاً عن ذلك، عمل روحانا على توزيع جديد لكل قطعة اختارها للبرنامج. وينبع ذلك كما يقرّ من حاجة شخصية وفنية خاصة: «يمكن للمرء أن يؤدي الأغنيات كما هي ولكن بما أنني قررت الغوص في سيد درويش، أحببت أن أفعل ذلك بالطريقة التي أحبها، وبالطريقة التي أراه فيها».
ولد سيد درويش عام 1892 في الاسكندرية وتوفي فيها عام 1923. لطالما اعتُبر أشبه بأب للموسيقى المصرية الشعبية. أراد والده أن يصبح شيخاً، لذا جعله يتعلّم مبادئ القراءة والكتابة ويحفظ جزءاً من القرآن. لم يتبع إلا القليل من التعليم الموسيقي الأكاديمي، وكل الباقي اكتسبه لدى إصغائه إلى فنانين وقارئين، ومن الموسيقيين القدماء في الاسكندرية وبيروت وحلب والقاهرة ومن قراءاته في كتب الموسيقى العربية القديمة. في سن المراهقة تقريباً، اكتشف نفسه قادراً على تأليف الألحان، لذا راح يضع الموسيقى لنصوص بالفصحى وبالعامية، أثارت اهتمامه لما فيها من مواضيع جديدة ومختلفة عما كان سائداً. وبفضل المناخ الذي ترعرع فيه والبيئة التي يأتي منها، فكان من الطبيعي أن تتجه أعماله الى أغنيات وطنية واجتماعية، تعكس معاناة الطبقات الفقيرة وتنادي بحقوقها. وكان جريئاً على صعيد آخر في الخروج من أسلوب الأغنيات الشرقية السائدة آنذاك والتفلت من قيودها، ليأتي بنفس متجددة الى هذه الموسيقى كما لم يفعل أحد قبله.
ليس من السهل اختصار مجمل مسيرة سيد درويش وتقديمها في حفل لا يتعدى الساعتين. لذا حاول روحانا أن يغطّي أكبر قدر من الأغنيات التي اشتهر بها الفنان الراحل خلال حياته، مشيراً الى أن «لديه نحو 200 أغنية وعشرات الاوبريت الموسيقية. ولكن ضمن الوقت الذي نملكه، كان علينا أن نختار الأغنيات المشهورة التي يعرفها الناس وبتوزيع جديد. وهناك أيضاً بعض الموشحات كما سنغني دور «انا هويت وانتهيت»، إضافة الى الأغنيات الاجتماعية والسياسية والعاطفية التي عُرف بها سيد درويش. هو برنامج متنوع اختير من مجمل ما أنجزه. وأعددت لختام الأمسية أغنية كتبتها ولحّنتها خصيصاً للموسيقي. عشت معه ما لا يقلّ عن الشهرين، وهذا دفعني الى أن أكرّمه بأغنية».
يرافق روحانا على المسرح نحو 25 موسيقياً ومغنياً، و3 مؤدين منفردين، هم رفقا فارس وجيلبير رحباني وعيسى غندور، كما أن الفرقة الموسيقية تضمّ عازفين على آلات شرقية وغربية معاً.