بالتأكيد، إنه أسوأ موسم في تاريخ المهرجانات لناحية البرمجة الموسيقية الكلاسيكية الغربية (ومن ضمنها الأوبرا أو الغناء الأوبرالي). طبعاً، هذا الكلام لا يُقصد به تقصيرٌ أصاب «مهرجانات الأرز» أو «مهرجانات زحلة» أو مهرجانَي جونيه أو «البترون»… إذا أردنا تقييم مستوى البرمجة في هذا المجال، تتجه أنظارنا بطبيعة الحال إلى (بالترتيب بحسب الأهمية استناداً إلى الدورات السابقة): «مهرجانات بعلبك الدولية»، «مهرجانات بيت الدين الدولية»، «مهرجانات بيبلوس الدولية» وكذلك «مهرجانات ذوق مكايل الدولية».

الجهات الثلاث الأخيرة غابت عنها الموسيقى الكلاسيكية كلياً، وهذه ليست المرة الأولى التي يحصل فيها هذا الفراغ. المهرجان الوحيد الذي أدرج أمسية كلاسيكية في دورته هو «بعلبك» وليته لم يفعل! فالحدث العريق الذي دُوِّنت في لوائحه أسماء هربرت فون كارايان، ومستيسلاف روستروبوفيتش، وسفياتوسلاف ريختر، وفيلهلم كامبف، و«برلين الفلهارمونية»، وبيار فورنييه والرباعيات الثلاث الأهم في التاريخ «أماديوس» و«بورودين» و«ألبن برغ» وإليزابيت شفارتسكوبف… والذي غاب عنه أي شكل من أشكال الكلاسيك في الدورتَين الماضيتَين، أراد «التعويض» عن الغياب المتتالي و«الثأر» لتاريخه ولائحته الآنفة، بأمسية سريالية. نعم، تخطى المنظمون أنفسهم. تخطوا «العدم» الكلاسيكي الذي حلّ في الموسمين الماضيين، فأدرجوا على البرنامج عملاً إنشادياً دينياً من الفئة الخاصة بزمن الآلام، ومن النوع المتاح مجاناً خلال السنة وفي أكثر من مناسبة (مهرجان «بيروت ترنّم»، أمسيات تقام في الجامعات الخاصة، أمسيات «الجامعة الأنطونية»…). أولاً، يقول الإعلان إن مناسبة تقديم العمل (ليلة 27 تموز) هي لإحياء الذكرى الـ150 على رحيل المؤلف الإيطالي الشهير روسّيني.

إحياء الذكرى الـ150 على رحيل المؤلف الإيطالي الشهير روسّيني في بعلبك

هذا جيّد، لكن أيُعقل اختيار عمل ديني يستعيد لوعة مريم العذراء على ابنها المصلوب في عزّ موسم المهرجانات الصيفية السياحية الترفيهية، بدلاً من إنتاج أحد الأعمال الأوبرالية الفكاهية الكثيرة للمؤلف الإيطالي؟ ثانياً، ما الذي يستوجب دفع بدل حضور هكذا أمسية (بين 50 و150 دولاراً أميركياً)، في الوقت الذي يمكن حضور هذا النوع تماماً من الأمسيات خلال السنة (أو ضمن «بيروت ترنّم») مع القائد ذاته، الأب توفيق معتوق الذي نحترمه ونقدّر جهوده الكبيرة في مجال إنعاش الذائقة في لبنان (والنقد هنا لا يطاله، ولو أنه يتحمل جزءاً من المسؤولية في اقتراح الأمسية أو في قبول الدعوة، سيّان)؟
كل المآخذ لا تلغي جمال العمل، والأداء المفترض أن يكون جيداً

أما الأوركسترا (راديو بوخارست لموسيقى الحُجرة) والمغنون المشاركون، فهم محترمون لا شك، وبالأخص السوبرانو اللبنانية الموهوبة جويس الخوري، لكن أيضاً وأيضاً، هذا لا يغطي الاعوجاج الجوهري في مبدأ الأمسية. كل ذلك لا يلغي جمال العمل، والأداء المفترض أن يكون جيداً، لكن، فعلاً، نتمنى ألاّ يؤثر الجو العام الذي يحيط بالأمسية على قابلية الجمهور تجاه الـ«ستابات ماتر» الذي تركه أحد أشهر مؤلفي القرن التاسع عشر في أوروبا، روسّيني (1792 — 1868).