كما كل سنة، تقدّم «مهرجانات بيت الدين» موعداً راقصاً، إذ لطالما اتسعت برمجة المهرجان اللبناني لتجارب متنوّعة من الباليه مع «بيجار باليه لوزان»، وقبلها «باليه مارسيليا الوطنية»، بالإضافة إلى فرق الرقص الشعبية العالمية مثل الفلامنكو مع فرقة الإسبانية ماريا باغيس التي زارتنا قبل أعوام.

تقدم الفرقة «عرس الدم» وFlamenco Suite في 19 تمّوز في بيت الدين

هذه السنة يفسح المنظّمون مجالاً للفلامنكو بتوقيع إحدى أهم فرقه «أنطونيو غاديس» التي تقدّم عرضيها «عرس الدم» وFlamenco Suite في أمسية واحدة ليلة 19 تمّوز (يوليو). تشكّل الفرقة وعروضها رمزيّة لحقبات متعدّدة من التاريخ الإسباني الفني وإرثه الشعبي الموسيقي متمثلاً بالفلامنكو وأجواء الأندلس من جهة، ومن التاريخ السياسي القاتم خلال حكم فرانكو. إذ تحمل الفرقة اسم الراقص والمصمّم الإسباني أنطونيو غاديس (1936 ـ 2004) الذي رمى به الفقر والحرب الأهلية الإسبانية، بعد مشاركة أبيه فيها، إلى الرقص. لاحقاً، سيصبح واحداً من أشهر فناني إسبانيا ممن أبعدتهم الديكتاتورية عن البلاد. تنقّل بين فرنسا وإيطاليا وكوبا التي أعادته إلى الرقص بعد انقطاع عامين. هناك أوصى أن ينثر رماد جثته، وفيها تزوّج بحضور فيدل كاسترو، وأعلن استعداده لمقايضة الخشبة والرقص بالسفر والدفاع عن كوبا ضد أي اعتداء.
في شوارع مدريد، كان غاديس يرقص لاستمالة الفتيات. لم يكن الفلامنكو ذلك الزائر الذي يتطلّب جهداً كبيراً. يكفي الراقص الذهاب مع دفق المشاعر القصوى التي اختصر بها غاديس معنى الفلامنكو. بعدها، قرّر التفرّغ لها مع الراقصة والمصممة الإسبانية بيلار لوبيز التي تعلّم عندها تقنيّات رقص الباليه أيضاً لحوالى تسع سنوات. مزيج سيلجأ إليه في عروضه مع فرقته التي أسّسها في الستينيات بعد انفصاله عن لوبيز. قدّمت الفلامنكو ضمن إطار أدائي شامل، يحتفي بجمالية وتقنيات الرقصة الفولكلورية، بالاستناد إلى الإضاءة والموسيقى والأزياء والحضور المسرحي التعبيري للراقصين على الخشبة. غاديس الشيوعي الذي اضطرّ لترك إسبانيا لفترة طويلة، أحدث ما أطلق عليه النقّاد حينها ثورة في رقصة الفلامنكو التقليدية، أوّلاً مع باليه «الحب، الساحر» (1971) للمؤلف الإسباني مانويل دي فايا، ثم مع «عرس الدم» (1974) التي ستعرض في بيت الدين. يأخذ العرض اسمه من عنوان مسرحية فدريكو غارثيا لوركا الشعرية الشهيرة التي كتبها عام 1933، قبل مقتله بثلاث سنوات. صقل غاديس رقصاته دائماً بمراجع من الأدب الإسباني والشعر والموسيقى والسينما. أخرج أعمالاً مستوحاة من Fuenteovejuna للكاتب الإسباني لوبي دي فيغا (1562 ــ 1635)، و«كارمن» للفرنسي بروسبير ميريميه التي تحوّلت إلى فيلم لكارلوس ساورا. فيلم «كارمن» (1983) هو حلقة من ثلاثية تعاون فيها غاديس والمخرج الإسباني، كما نقل رقصة «عرس الدم» (1981) إلى الشاشة الكبيرة في فيلم بالعنوان نفسه، ثم «الحب، الساحر» (1986) الذي صمّم غاديس رقصته.
عروضها مرآة للتاريخ الإسباني الفني والسياسي


ألهمت «عرس الدم» عدداً من الفنانين والموسيقيين والراقصين من بينهم فرق «باليه إسبانيا الوطنية» التي تولّى غاديس إدارتها لفترة قبل أن يطرد منها، و«باليه كوبا الوطنية» و«أوبرا روما». لكن يمكن تخيّل نتيجة العمل مع من كان يرى بضربات القدمين في رقصة الفلامنكو امتداداً للمشاعر أكثر منها إيقاعاً موسيقياً. كان غاديس مهجوساً بمنح الفلامنكو طابعاً حديثاً ومدّها بما قد يطيل عمرها ويصلها مع الجمهور العالمي. لم يتناقض ذلك مع مداراته لروحية الرقصة، والحفاظ على تلقائيتها كما تؤدّى في الشوارع. هذا ما جعل نقلها إلى الخشبة تحدياً بذاته. يلتزم «عرس الدم» الراقص بالحبكة الرئيسية لرائعة لوركا التي تدور في ريف أندلسي، تقررّ فيها العروس ليلة الزواج الهرب مع عشيقها السابق ليوناردو. مقابل إسقاط الكلام عن العمل، يذهب اهتمام المصمم إلى الرقص. يحتفظ بتلك الشحنة الدرامية المثقلة بمشاعر الحب والغيرة والموت والثأر، فيما يحوّل التأثيرات الأندلسية الفولكلورية في مسرحية لوركا إلى مشهديّات لرقصات فلامنكو جماعيّة، وثنائيات وفرديّة. لم يسمح بافتتاح العرض في إسبانيا بسبب حكم فرانكو الذي كان يمنع تأدية المسرحية. هكذا أطلق في روما، ومنذ ذلك الوقت لا تزال هذه الباليه تقدّم على الخشبات حتى بعد وفاة غاديس الذي كان يؤدي معظم الأدوار الرئيسية إلى جانب شريكته الراقصة كريستينا هويوس. تقسّم «عرس الدم» إلى ستة مشاهد أساسية عمل غاديس على تصميم الإضاءة والرقصة فيها، بعدما اقتبسها ألفريدو مانياس. ضربات غيتار هادئة ترافق المشهد الأوّل للأم وابنها. مشاعر متفاوتة بين الفرح والخوف. تحاول أن تسحب السكين من يده كأنها ترى مصيره وتحاول تغييره. يتبادلان العناق والقبل. يدمج غاديس رقصة التانغو التقليدية مع مفردات حركية من الباليه والرقص الكلاسيكي، محافظاً على كمية الشحن العاطفي فيها. لوحات راقصة تتكاثف فيها الحركة والموسيقى وتصلان إلى أقصاهما، فيما تبدو إيمائية ومقتضبة في بعض الأحيان. هكذا يبطئ مشهد المواجهة بين العاشق ليوناردو والزوج. تنطفئ الموسيقى، فيما يواصل الرجلان اقتتالهما على مهل في مشهد رائع ينقضي بسقوط جسديهما أمام طيف العروس. في الأمسية نفسها، تقدّم الفرقة Flamenco Suite التي أنجزها غاديس على مراحل بين عامي 1963 و1983. سنكون أمام ما يشبه عرض تعريفي وتفكيكي يقلّب رقصة الفلامنكو على أوجهها كافّة. يستكشف جمالياتها وحركيّاتها من زاويته الخاصّة ضمن ثماني لوحات راقصة. تتوالى هذه المشهديّات على الخشبة، مظهّرة راقصين منفردين وثنائيات، بالإضافة إلى رقصات جماعية على إيقاعات موسيقية مختلفة لأنطونيو سوليرا وإيميليو دي دييغو وغاديس نفسه الذي صمّم الإضاءة أيضاً.



تحية إلى بيار صادق
بعدما افتتح بداية هذه السنة في «متحف سرسق»، تستقبل «مهرجانات بيت الدين» معرض «بيار صادق يحاكي التاريخ» بين 12 تموز (يوليو) و15 آب (أغسطس). أقامت «مؤسسة بيار صادق» المعرض في الذكرى الخامسة لرحيل رسّام الكاريكاتور اللبناني، مستعيدة حوالى 300 رسمة توثّق حقبات من التاريخ اللبناني بين الخمسينيات حتى رحيله عام 2013.
يشكّل المعرض فرصة للتعرّف إلى أرشيف صادق الضخم، فيما يدعو المتفرّج، من ناحية أخرى، إلى استعادة مراحل سياسيّة عربية ومحليّة كان يتابعها ويعلّق عليها الفنان الراحل في الصحف والوسائل الإعلاميّة المحليّة.
وبعيداً عن أسلوب صادق الذي طبع معظم أعماله، من دون تجديد يذكر، فإن أهميّة المعرض تتمثّل في جانبه التأريخي الذي يحفظ قضايا وأحداثاً مثل القضيّة الفلسطينية وتحرير الجنوب، بالإضافة إلى الانقسامات السياسية الداخليّة، التي لم يُخفِ فيها آراءه الشخصية.