في 4 آذار، اجتمع المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي واطّلع على «الأثر الاقتصادي للحرب في أوكرانيا». البيان الصادر عن المجلس، يُشير بوضوح إلى أنّ الاقتصاد العالمي على مشارف ركود تضخّمي هائل ستكون نتائجه قاسية جداً. يقول الصندوق إنّ «الوضع شديد التقلّب»، فيما «التوقعات عرضة لعدم اليقين غير العادي»، مضيفاً أنّ «العواقب الاقتصادية خطيرة للغاية بالفعل». يعتقد الصندوق أنّ «الضغوط التضخّمية زادت بسرعة» ويتوقع أن «تمتدّ صدمات الأسعار إلى جميع أنحاء العالم» وأن تصيب بشكل خاص «الأسر الفقيرة التي يشكّل الغذاء والوقود نسبة أعلى من نفقاتها. فإذا تصاعد الصراع، سيكون الضرر الاقتصادي أكثر تدميراً». ويصف الصندوق احتمال تحوّل الركود التضخمي إلى جائحة تجتاح العالم، على الشكل الآتي: «الأزمة خلقت صدمة شديدة على التضخّم والنشاط وسط ضغوط الأسعار المرتفعة». فهذه الجائحة ستضرب اقتصادات العالم وسيكون لكلّ اقتصاد نصيب بنسبة أقلّ أو أكثر من غيره. والتداعيات ستكون كبيرة. فبحسب الصندوق «ستخلق هذه الأزمة مقايضات سياسية معقّدة ما يزيد تعقيد المشهد السياسي مع تعافي الاقتصاد العالمي من أزمة الوباء».



هل ستحصل جائحة الركود التضخمي بسبب الحرب الروسية - الأوكرانية وتداعياتها المتصلة بالعقوبات المتبادلة بين أوروبا وأميركا من جهة وروسيا من جهة أخرى، أما أنّ هذه الحرب هي فقط عامل محفّز لما يتحضّر له الاقتصاد العالمي؟
قبل هذه الحرب وقبل جائحة «كورونا»، كان هناك حديث متزايد عن انهيار محتمل في الاقتصاد الأميركي يجرّ معه اقتصادات كبرى إلى الانهيار أيضاً. إنما جاءت جائحة «كورونا» لتؤجّل هذا النقاش حتى نهايتها المفترضة. لكن لم تكد تحن هذه النهاية، حتى انفجرت حرب بين روسيا والعالم الغربي بأكمله وبات الحديث مركّزاً على صدمة نفطية ستضرب اقتصادات العالم وقد تسبب انهيارها. لكن الواقع، أن الاقتصادات كانت جاهزة لأيّ محفّز مسبب للانهيار. ففي الفترة الممتدة بين كانون الثاني 2007 وشباط 2022 ازدادت الكتلة النقدية المتداولة في الولايات المتحدة الأميركية من 809 مليارات دولار إلى 2232 مليار دولار، وفي بريطانيا ازداد من 64.6 مليار جنيه إسترليني، إلى 95.5 مليار جنيه إسترليني، وفي أوروبا من 584 مليار يورو إلى 1500 مليار يورو. حصّة هذه الدول الثلاث من الناتج العالمي تبلغ الثلث، لكن بينما تضاعفت الكتلة في أميركا ثلاث مرات وفي أوروبا 2.5 مرة، فإن الناتج العالمي تضاعف مرّة ونصف فقط ليزداد من 58 تريليون دولار في 2007 إلى 89 تريليون دولار في 2021.
تراكم الكتل النقدية بشكل متسارع جاء بشكل أساسي بعد الأزمة المالية العالمية في نهاية 2008 والإجراءات التي اتخذتها الدول لمواجهة الأزمة، وفي الفترة اللاحقة بسبب جائحة «كورونا». فبسبب أزمة 2008، أرغمت الدولة على كسر قواعد النيبوليبرالية والانخراط في التدخّل في الأسواق. لكنها لم تكن قادرة على ضبط الأعباء التي قد تنتج عن تضخّم الكتل النقدية إلا لأن أسعار الفائدة كانت صفراً. وهنا بالتحديد حساسية الأمر في ظل الوضع الحالي. فالركود التضخّمي، يعني تضخماً في الأسعار متزامناً مع ركود في النشاط الاقتصادي. التضخّم في الأسعار يعالج في رفع معدلات الفائدة لامتصاص الكتل النقدية المتداولة وتقليص تأثيرها في الأسعار، إنما الركود يعالج من خلال خفض أسعار الفائدة لإطلاق كميات من الأموال نحو الاستثمارات وتنشيط حركة العمالة والاستهلاك. إذاً، كيف سيتصرّف العالم؟ فالتضخّم أصلاً كان مشكلة أساسية ناتجة من الورم اللاحق بالكتل النقدية، وكانت المخاوف في أميركا كبيرة مثلاً، لكن اليوم ستصبح أكبر بكثير وشاملة أكثر لتضرب أوروبا والشرق الأوسط ودول الشرق أيضاً وصولاً إلى الصين. وبدل النموّ الذي كان متوقعاً بعد جائحة «كورونا» سينقلب الاقتصاد العالمي إلى الركود والانهيار.
التضخم هو شكل من أشكال إعادة توزيع القيمة، ولهذا تُشير الإحصاءات إلى ارتفاع عدد الأثرياء في أميركا والدول التي ضخّت الكثير من السيولة في السوق. هنا تكمن المشكلة الأساسية، فعلى حساب من ستجري إعادة التوزيع الناتجة من الركود التضخمي. هل سيزيد الصراع الطبقي، أم سيتحوّل الأمر إلى مشكلات أمنية وعسكرية أوسع؟
في الدول الفقيرة والهشّة (مثل لبنان) ثمة مخاوف واضحة. فما يقلق في هذه الدول أنها تعيش أزماتها، وأنها هشّة تجاه الخارج لأنها كانت مفتوحة على عمليات الأمولة الخارجية والفساد الداخلي، وفي لبنان مثلاً، الركود التضخّمي كان موجوداً قبل كل ذلك، فالانفجار في الأسعار سيخلق أوضاعاً سياسية أكثر تعقيداً بالتأكيد، والركود تحصيل حاصل في لبنان حيث التدفقات المالية إلى المصارف كانت تحرّك النشاط الاقتصادي القائم على السياحة وتجارة العقارات. المخاوف في مثل هذه الدول أنّ اقتصاداتها سبق وانفجرت ولم يعد لديها ما هو قابل للانفجار سوى الهيكل السياسي والأمني والعسكري. طبعاً هذا عدا أنّ هذه الدول ستتسوّل الغذاء.