إذا استمرّ تنفيذ التعميم 158 لمدّة خمس سنوات، يُتوقَّع أن يضخّ مصرف لبنان نحو 74532 مليار ليرة. التمحيص بشروط هذا التعميم ونتائجه على موازنات المصارف وشرائح الودائع، يكشف أن هناك نحو 18 ألف حساب جديد بالدولار فُتحت بعد تشرين الأول 2019 وفيها نحو 37.9 مليار دولار، ما يعني أن كل هذه الدولارات لا تستفيد من شروط التعميم 158 وإذا سُحبت ستكون على سعر المنصّة المحدّد حالياً بنحو 3900 ليرة مقابل الدولار. سحب هذه المبالغ كلّها خلال السنوات الخمس المقبلة، سيخلق كتلة نقدية إضافية في السوق تُقدّر بنحو 148122 مليار ليرة. وبالتالي يكون مجموع الكتلة النقدية التي سيخلقها مصرف لبنان خلال السنوات الخمس المقبلة، نحو 222654 مليار ليرة، أي ما يوازي 5.4 مرات الكتلة الحالية للنقد في التداول والبالغة 40984 مليار ليرة، وما يوازي 100% تقريباً من مجموع موازنة مصرف لبنان حالياً البالغة 240 ألف مليار ليرة.

المصدر:إحصاءات خاصة | تصميم: رامي عليّان | أنقر على الصورة لتكبيرها

التعميم 158: تعويم المصارف بالمال العام


وفق حسابات مصرفية، فإن التعميم 158 لن يكلّف المصارف إلا ربع قيمة الودائع المؤهّلة للسحب ضمن شروطه. فمن أصل 12422 مليون دولار ستدفعها المصارف لمدّة خمس سنوات (إذا استمرّ العمل بالتعميم طوال هذه الفترة)، ستدفع المصارف فقط 2980 مليون دولار و8984 مليار ليرة. بينما مصرف لبنان سيدفع نحو 2980 مليون دولار و62517 مليار ليرة. هذا الدفع يتم على أساس أنه يستحقّ كلُّ مودع حداً أقصى بقيمة 400 دولار شهرياً، ومبلغاً مماثلاً يُدفع نقداً على أساس سعر صرف يبلغ 12000 ليرة، علماً بأن نصفه سيكون متاحاً للسحب النقدي، والنصف الآخر يُدفع بواسطة البطاقات المصرفية.
يعتقد مصرف لبنان أن هذا التعميم لن يفرض عليه زيادة الكتلة النقدية المتداولة (طباعة وضخّ النقود) وفق اعتبارات تتعلق بأن كمية الليرات التي ستُضخّ تقابلها كمية موازية بالدولارات النقدية، بينما هناك كمية إضافية لا تُستعمل نقداً بل بواسطة البطاقات المصرفية.
ينمّ هذا الأمر عن تفكير سطحي وبسيط تجاه الأزمة. فالمبالغ التي تُضخّ بواسطة البطاقات يجب اعتبارها في هذه الحال نقداً متداولاً لأن لها قوّة شرائية، وبالتالي فإن لها مقابلاً في الاقتصاد هو السلع التي ستُشترى بها، وغالبية هذه السلع والخدمات مستوردة، وبالتالي فإنها تصبح منذ لحظة استعمالها نقداً متداولاً قابلاً للمبادلة، وبالتالي فإن الطلب على السلع هو موازٍ للطلب على الدولار. كل اعتقاد سائد بأن الأموال في البطاقات المصرفية لا تضغط على سعر الصرف هو اعتقاد غافل عن الدورة الاقتصادية.
على أيّ حال، ليست هذه المشكلة الكبيرة في نتائج التعميم 158، بل يكمن الأمر في تلك الحسابات التي صنّفها غير مؤهّلة للسحب لأنها فوائد على حسابات بالدولار، أو لأنها تحوّلت من الليرة إلى الدولار. فهذا يعني أن مصرف لبنان والمصارف لا ينويان دفعها إلا بقيمة 3900 ليرة للدولار الواحد أو وفق سعر صرف جديد قد يُحدّد لاحقاً. المشكلة أن هذه الأموال ستضاعف الكتلة النقدية المتداولة مرات عديدة على مدى السنوات المقبلة. صحيح من ناحية المبدأ، أن طباعة النقود وزيادة الكتلة النقدية المتداولة هما حاجة في ظل تضخّم الأسعار، لكنهما تصبحان مشكلة بحدّ ذاتها إذا أصبحتا تغذّيان الطلب على الدولار. فارتفاع سعر الصرف يقود التضخّم وهذا الأخير يفرض توسيع قاعدة النقود المتداولة في السوق، إلا أن تسارع التضخّم كالذي يحصل في لبنان حالياً، وخصوصاً في ظل رفع أسعار السلع الداخلية، يصبح مغذياً للطلب على الدولار. فالأفراد والمؤسّسات لن يرغبوا في التعامل بالليرة، وسيرون أن بين أيديهم كميات كبيرة يجب حفظ قيمتها عبر تحويلها إلى الدولار.
المشكلة الثانية التي يخلقها هذا التعميم، أن مصرف لبنان سيدفع الفرق بين سعر الوديعة وسعر صرفها. حالياً، يدفع مصرف لبنان ويسجّل خسائر في حساباته بقيمة 2380 ليرة عن كل دولار يتم سحبه من المصارف وفق سعر الـ3900، وبالتالي فإن حجم الخسائر التي سيسجّلها المصرف في موازنته سيصبح كبيراً جداً خلال السنوات المقبلة.
خلاصة كل هذا العرض، أن مصرف لبنان سدّد من المال العام بواسطة آلية خلق النقد وضخّه في الأسواق ومفاعيلها الكارثية، ما بين 60% و75% من مجمل التزامات المصارف تجاه المودعين. تحويل المال العام إلى مال خاص يأتي هذه المرّة مع تضخّم في الأسعار مرتفع ومتواصل، ويضرب الأجور وبنية العمل في لبنان، وبطالة وفقر وهجرة يتوقع أن تبلغ نحو مليون مهاجر. باختصار هو تعويم للمصارف مموّل بالمال العام.