منذ 30 أيلول 2019، يوم أصدر مصرف لبنان التعميم الرقم 530 الذي يعترف بانهيار ثبات سعر الصرف وينظّم دعم السلع المسعّرة من الدولة: المشتقات النفطية، الأدوية والطحين، (جرى توسيعها لاحقاً لتشمل المستلزمات الطبية والسلّة الغذائية) ولغاية اليوم، ثمّة عملية تصحيح واحدة سارية المفعول: تعدّدية في أسعار الصرف، تضخّم هائل في الأسعار، نزاع سياسي - تقني حول توقيت رفع الدعم. في وقت ما من هذه المرحلة، دار نقاش حول عملية تصحيح من نوع آخر تقوم بها الحكومة، إلا أنه بحلول مطلع حزيران 2020 أُغلق الباب عليها كلياً. عملياً، فاز «حزب المصرف» بكل معارك الدفاع عن سلوكه الريعي والاحتكاري وعن إساءة الأمانة، وباتت حربه مفتوحة على انتصارات أخرى تكلّلت أمس بتأليف حكومة نجيب ميقاتي. ففي الفترة ما بين انطلاقة ورشة العمل لإعداد خطة التعافي، وبين انعقاد لجنة المال والموازنة، انقلب قسم وازن من الأطراف السياسية على حكومة حسان دياب. انقلب على خطّتها للتعافي بكل تفاصيلها: تحديد قيم الخسائر، توزيعها، السيطرة على سعر الصرف، الاتفاق مع صندوق النقد الدولي... آخر نسخة من هذه الخطّة صدرت في نيسان 2020، إلا أنه خلال أقلّ من شهر واحد، وتحديداً في مطلع حزيران، عقدت لجنة المال والموازنة اجتماعاً تبنّت فيه التقرير الصادر عن لجنتها الفرعية لتقصّي الحقائق، والذي يقوّض الخسائر، ويحوّر توزيعها، ويترك الباقي على عاتق شحص واحد: رياض سلامة.

أنجل بوليغان ــ المكسيك

ما الذي حصل مذّاك إلى اليوم؟ بين حزيران 2020 وحزيران 2021 بلغ معدل تضخّم الأسعار 100%. سعر الصرف كان يبلغ 4500 ليرة مقابل الدولار وصار اليوم 16500 ليرة (بعد أخبار تأليف الحكومة). في وقتها لم يكن الفقر قد طرق الأبواب. لم يكن لدينا نسب مهمّة من الفقر الغذائي، والفقر المدقع المتعدّد الأبعاد كالذي يعيشه أكثر من ثلثَي المقيمين في لبنان. لم يكن لدينا طلب كبير على الباسبورات من أجل الهجرة. في هذه المرحلة انفجر مرفأ بيروت. ومن وقتها أيضاً بدأ التقنين يشتدّ قساوة: كهرباء، بنزين، مازوت، طحين، أدوية، رعاية طبية بكل أشكالها وأصنافها. أشكال متعدّدة من الفوضى المجتمعية والأحداث الدامية توّجها انفجار التليل الذي أوقع أكثر من 60 ضحية. ومن آب 2020 لغاية 10 أيلول 2021 كنّا ندور في فلك البحث عن حكومة. أي حكومة. لم يكن مشروعها مهمّاً، طالما يمكن الاتفاق على شكلها وتوزيعها الطائفي - السياسي.
كان يمكن توفير كل هذا الوقت والتداعيات، لو قرّرت قوى السلطة أن تتخلى عن بعض حيازاتها السلطوية في النظام المنهار. أن تتهيّب الموقف. لكن لا لم تفعل. لم تهتم لانقطاع الدواء. لم تهتمّ لانقطاع البنزين اللازم لانتقال الناس إلى أعمالهم. لم تهتم لانقطاع المازوت الذي يولّد بواسطته الكهرباء اللازمة للأفراد وللمؤسسات. لم تتهيّب انفجار خزانات بنزين هنا وهناك، أو صراعات الناس على محطات الوقود. كلّه كان عنفاً قابلاً للسيطرة. ما تقلق منه السلطة هو ذاك العنف الذي لا يمكن السيطرة عليه أو التحكّم فيه.
حالياً، ما تسعى إليه قوى السلطة أن يعود النظام إلى العمل بكفاءة وفعّالية. أن يتواصل توزيع الخسائر وفق الآلية التي ابتكرها سلامة. أن تبقى الاحتكارات. أن يرفع الدعم عبر رفع الأسعار الداخلية للسلع الأساسية. أن تضرب القدرات الشرائية من أجل تمديد عمر الاحتياطات بالعملات الأجنبية. لم لا. هذا الخيار هو الذي سبق أن فاز في مشروع إدارة وتوزيع الخسائر. مهندسه حاكم مصرف لبنان رياض سلامة. على يمينه نخبة من مستشاري التدقيق المالي، وعلى يساره لجان نيابية في مجلس النواب. أم هل يعتقد أحد أن الفائز سيلجأ إلى خيارات مختلفة؟ الخيار الخاسر كان خيار «خطة التعافي». فشل هذا الخيار بدليل استقالة كل المخطّطين والداعمين له من مستشارين لرئيس الحكومة ولوزير المال ومديرين عامّين. وانتهى الصراع بين الخيارات منذ فترة طويلة وخلص إلى تدمير المجتمع.
إذا بقيت السلع تباع في السوق «السوداء» فهذا معناه أن سعر الصرف الفعلي انتقل من المنصات إلى هناك


حالياً، جاءت حكومة ميقاتي بوجوه غالبيتها جديدة على العمل في الشأن العام. سبق ذلك اتفاق بين حاكم مصرف لبنان ورئيس الجمهورية على رفع الدعم في نهاية أيلول. ميقاتي لن يخالف هذا الاتفاق، بل على العكس قد يقوم بتسريعه. اتفاقه مع سلامة أهمّ وأقوى. حتى الآن، هناك شبه إجماع عند القوى السياسية على أنه يجب إقرار البطاقة التمويلية بالتزامن مع رفع الدعم، وأنه يمكن تمويل قسم منها بالأموال التي حصل عليها لبنان من صندوق النقد الدولي عبر حقوق السحب الخاصة البالغة قيمتها 860 مليون دولار.
مجمل ما يمكن أن يتوقع من الحكومة أن تقوم بما عجز عنه دياب وفريقه وداعموه: تسويق خطّة سلامة للتعافي. هذه الخطّة، كما بات معروفاً، تقضي بأن يتم تذويب الخسائر عبر تضخيم الأسعار. وتضخيم الأسعار هو أحد مفاعيل تعددية أسعار الصرف، وهي في الوقت نفسه تتطلب طباعة وضخّ المزيد من الليرات في السوق. والخطة تقضي أيضاً بالإمساك بأطراف وخواتيم عمليات الدعم. أي الإمساك بعملية تمويل استيراد السلع المدعومة، والإمساك بمبيعها. هذا الأمر يُبقي سعر الصرف الاسمي في السوق الحرّة تحت السيطرة، لكنه لا يمنع ولا يلغي السوق الحرّة حيث يتم التداول بالسلع بالدولار أو وفق سعر صرف مختلف. فعلى سبيل المثال، إذا كان سعر صفيحة المازوت يباع اليوم في السوق الحرّة بنحو 260 ألف ليرة، ألا يعني ذلك أن سعر صرفها محتسب على هذا الأساس وفوقه مزايا احتكارية؟ إذا كان هناك العديد من السلع التي يتم تسعيرها في السوق الحرّة، ألن يكون ذلك بمثابة سعر صرف للسوق الحرّة؟ طبعاً سيبقى سعر الصرف على المنصّات محدوداً ضمن الهوامش التي يسعى إليها مصرف لبنان، أي أقرب ما يكون إلى سعر المنصّة. لكنّ سعر الصرف الفعلي سيكون هناك في السوق الحرّة. فإذا بقيت السلع تباع في السوق «السوداء»، هذا معناه أن سعر الصرف الفعلي أصبح هناك.


ستبقى هذه الحال إلى أن يصبح الفائز جاهزاً للانتقال إلى المرحلة التالية. هذه الجهوزية ستصبح واقعاً عندما يتم الاتفاق على أن تستحوذ المصارف على أملاك الدولة. الحسابات المصرفية الجارية حالياً، تشير إلى أن فجوة الخسائر ستتقلّص إلى نحو 13 مليار دولار في مصرف لبنان بعد تطبيق التعميم 158، وستتقلّص لدى المصارف إلى 15 مليار دولار. هذا السيناريو سيتم استخدامه من أجل التفاوض على كيفية السطو على أملاك الدولة لتكون منتجة للمصارف. في هذا الطريق التضحية ببعض المصارف مسموحة. أما من أصيب بانخفاض حادّ في القوّة الشرائية، أو من أصيب بالبطالة، أو بالفقر الغذائي، أو المتعدد الأبعاد، أو من عَزَمَ على الهجرة، فهذا «نصيبه».
ما نأمله وقد يكون غريباً إذا تحقق أن نرى وزير الصحة فراس الأبيض يعمل على تفكيك احتكارات مستوردي الأدوية، أو أن يعلن إطلاق التغطية الصحية الشاملة. هو كان دائماً يروّج، انطلاقاً من كونه يرأس مستشفى بيروت الحكومي، أن هذه المستشفيات تحمّلت كثيراً وقدّمت أكثر في أيام مصائب كورونا. وسيكون غريباً أن نرى وزراء آخرين يعملون على تفكيك الكارتيلات المستشرية في البلاد... سيكون تحدياً أن تفكّر الحكومة بعقل موجّه لتصحيح الأجور وأن يكون للأجر الاجتماعي حصّة وازنة منه. أن يكون لدينا نقل مشترك. أن نكون قادرين على تكريسه رغم فوضى العمران. أن تكون هناك سياسة ضريبية تصيب الأكثر دخلاً بدلاً من أن تركّز على صغار الكسبة والموظفين... ثمة الكثير لفعله، لكن ما ستقوم به حكومة ميقاتي هو التسليم بجدول أعمال رياض سلامة مع بعض الإضافات التجميلية.