بدأ يشكّل ارتفاع أسعار المحروقات وفقدانها من الأسواق ضربةً قاسية وشبه قاضية على القطاع الزراعي. فالمزارعون اضطرّوا أن يشتروا مادة المازوت من السوق «السوداء»، في عزّ الموسم وفترات الحرّ القصوى من السنة التي تستوجب الريّ المكثّف، ما أدّى إلى زيادة الضغوط على الأكلاف إلى درجة أنّ بعضهم قرّر الامتناع عن ري قسم من المزروعات، وبعضهم الآخر عمد إلى تخفيف كمية المياه ليمنع يباس المزروعات وخصوصاً الأشجار المثمرة منها، وليبقي الأمل بتحسّن الأوضاع. هذا الأمل كلّه سيتلاشى لحظة رفع الدعم. بهذا المعنى، لن يكون بإمكان المزارعين تحمّل كلفة الريّ التي ستصبح ذات الوزن الأكبر من كلفة الإنتاج. والخوف أن تكون الأسعار الاستهلاكية غير قادرة على التماشي مع الأكلاف المتزايدة بوتيرة متسارعة.

لقد وصل الأمر في بعض المشاريع المستأجرة إلى إبلاغ المزارعين عدم القدرة أو عدم نية أصحاب الأراضي الالتزام بتأمين المياه بسبب «فوضى» قطاع المحروقات، وانعدام الاستقرار بالأسعار وبالكميّات. بعض المزارعين اضطروا أن يتّخذوا قراراً بوقف الزّراعات الشتوية لإنتاج الخضر.
وفي دراسة سريعة حول كلفة بعض الزراعات يتبين تأثير زيادة سعر المازوت على كلفة الإنتاج. ففي زراعة الحمضيات كانت كلفة المازوت تمثّل 5% من كلفة الإنتاج، إلا أنه مع ارتفاع سعر صفيحة المازوت إلى 300 ألف ليرة (في السوق الموازية) صارت كلفة المازوت تمثّل 33% من الكلفة الإجمالية للمنتج، وبالتالي ازدادت كلفة إنتاج الكيلوغرام الواحد من الحمضيات من 1800 ليرة إلى 3000 ليرة.

ارتفعت حصّة المازوت في إنتاج الحمضيات من 5% إلى 33%


فلنأخذ مثلاً في زراعة الخضروات، الملفوف الذي يقدّم فكرة واضحة عمّا آلت إليه ظروف الإنتاج. فالشّتول لمساحة دونم واحد تكلّف 2.5 مليون ليرة، أمّا كلفة السّماد والمبيدات والفلاحة والتعشيب فهي 6 ملايين ليرة، وكلفة المحروقات على أساس 35 صفيحة مازوت بسعر 300 ألف ليرة لكل منها، فتصبح كلفتها 10.5 مليون ليرة، وبالتالي ترتفع كلفة الدونم الواحد من إنتاج الملفوف إلى 19 مليون ليرة توزّع على 4 طن. هكذا تصبح كلفة الكيلوغرام الواحد 4750 ليرة بدلاً من 2000 ليرة كما كانت محتسبة على أساس سعر صفيحة المازوت بـ15 ألف ليرة.
الزيادات تختلف بين زراعة وأخرى ضمن هامش ضيّق، إنما هي متماثلة نسبياً. فالأمر نفسه يسري على أكثرية الزراعات الصيفية التي تحتاج إلى الريّ المكثف، وتزيد هذه الكلفة عندما يتعلّق الأمر بالآبار العميقة التي تستوجب ضغطاً أكبر لسحب المياه.
الزيادة الهائلة في الكلفة، وانعدام الاستقرار في توريد المواد اللازمة للقطاع، سينعكس سلباً على الأمن الغذائي في لبنان الذي كان يمثّل تحدياً كبيراً في السّابق وصار أكبر مع الأزمة الراهنة. فإلى جانب ضرب القطاع الزراعي وقدراته الإنتاجية، فإن الغالبية العظمى من اللبنانيين تتقاضى رواتبها بالليرة اللبنانية التي تلاشت قيمتها بالتضخّم المفتعل. هذا يعني مزيداً من الفقر الغذائي. فلا الأول متاح، ولا الثاني قادر على كلفة الاستيراد التي ستكون أعلى من كلفة الإنتاج المحلي حكماً. مسؤولية الدولة في هذا المجال، أن تؤمن المحروقات للمنتجين الزراعيين بأسعار تشجيعية تخفّض كلفة الإنتاج لتوفير بعضٍ من الأمن الغذائي.

القطاع الزراعي هو 195 ألف ملكية و40 ألفاً يضمنون الأراضي


القطاع الزراعي هو عبارة عن 195 ألف ملكية زراعية مضافاً إليها 40 ألف لبناني يضمنون أراض زراعية لا سجل لهم ولا معرفة لأي معلومات عن هذه الحيازات المستأجرة واحتياجاتها. بالتالي ليس بالإمكان تنظيم أي توزيع عادل للمنتجين اللبنانيين في ظل الواقع الحالي. هذا التخبّط يجعلنا نعود إلى تاريخ محاولات إنشاء السجلّ الزراعي في لبنان. ففي عام 2003، اقترحت إنشاء غرف مستقلة للزراعة يتضمن إنشاء سجل زراعي. بعد تبنّي الاقتراح وتوقيعه من عدّة نواب، بوشرت مناقشته في اللّجان النيابية. في حينه رفضه بقوّة اتحاد غرف التجارة برئاسة عدنان القصار. وفي شهر شباك 2009، وفي المنتدى الاقتصادي والاجتماعي الذي أقامته مفوضية الاتحاد الأوروبي في لبنان، أعيد بحث موضوع إنشاء السجل الزراعي والغرف المستقلّة للزراعة فصدرت توصية عن المنتدى للنظر في احتمال فصل غرف الزراعة عن غرف التجارة في إطار مشروع القانون المقترح الذي يتضمّن إنشاء السّجل الزراعي. وقّع المشروع كل الكتل السياسية الممثّلة في المجلس النيابي.
حتى أنه قد توصّلنا إلى إضافة بعض مقررات هذا المنتدى لا سيما موضوع غرف الزراعة والسجل الزراعي في البيان الوزاري للحكومة التي أتت بعد إقامة المنتدى، ولكن رفض عدنان القصار الذي كان يشغل منصب وزير دولة في هذه الحكومة حدا بوزير الزراعة إلى صرف النظر عن هذا المشروع «لما يزعّل الريس عدنان».
هكذا بقي لبنان من دون سجل زراعي يتّكل عليه بتوزيع الإعانات، وطارت أي مساعدات جديّة لإنقاذ الزراعة واللبنانيين بعدما أصبح 80% منهم مصنّفين فقراء. هذا تحدٍّ جديد للقطاع الزراعي المنهك أصلاً بكلفة المستلزمات الزراعية ودولار السوق السوداء التي زادت كلفة الإنتاج. بات الإنتاج الزراعي يكسد في العديد من الزراعات والكثير من المواسم. فنتائج فقدان المازوت وارتفاع أسعاره وتقليص المساحات المنتجة، صارت واضحة للعيان، وأسعار مبيع الخضر تعكس هذا الواقع رغم أن لبنان في هذه الفترة هو في ذروة إنتاجه والزراعات الخارجية في عزّ عطائها في سهل البقاع وكافة المناطق الجبلية. أما التقديرات بشأن الموسم الخريفي والشتوي، فهي متشائمة جداً في إنتاج الخضروات في الخيم البلاستيكية، إذ لن تتعدى المساحات المزروعة نصف المساحات التي تُزرع عادة، ما سيقلّل العرض، وسنشهد أسعاراً نارية خيالية، ابتداءً من شهر تشرين الثاني لن يستطيع الاستيراد منافستها وخفضها بل سيتفاعل معها ويُشعلها.

* رئيس جمعية المزارعين اللبنانيين