بما أنّ النّظام المصرفي اللبناني كان يُعدّ ركيزة الاقتصاد اللبناني، فإنّ انهياره يمثّل سبباً مباشراً لانهيار الوضع المالي والاقتصادي في آنٍ واحد وإن لم يكن السبب الوحيد. والنظام المصرفي اللبناني يختزل في بنيته كلّ الأوبئة التي تشوب النظام المصرفي عموماً بالإضافة إلى سلبيّات النظام السياسي اللبناني لجهة الخيارات والسياسات المعتمدة منذ نشأة الكيان ودوره الوظيفي في الاقتصاد المحلّي والإقليمي إلى حدٍّ ما. لسنا هنا في إطار سرد تاريخ النظام المصرفي في لبنان رغم أنّ بنيته تعود إلى تكوين لبنان ككيان ودوره الوظيفي المرسوم من المستعمر الأوروبي آنذاك، ومن بعده كنظامٍ طائفيٍّ بامتياز، وإلى طبيعة النظام المصرفي في الدورة الاقتصادية في العالم الرأسمالي، وفي منظومة الفكر النيوليبرالي السائدة في إطار العولمة الاقتصادية وأموَلة النظام الرأس المالي. فالتحوّل الذي طرأ على بنية النظام الرأسمالي في العالم من خلال أموَلَته (financialization) وابتعاده عن الإنتاج الفعلي لينتج ثروةً افتراضيّة عبر المضاربات الماليّة والورقيّة، انعكست مباشرةً على المنحى الرّيعي الذي اتّخذه لبنان منذ اتفاق الطائف الذي أُريد له أن يكون النظام المصرفي عموده الفقري.

في هذه المقاربة سنحاول عرض ملامح نظامٍ مصرفي مختلف. السبب الأساسي هو أن النّظام المصرفي كما عرفناه حتى لحظة الانهيار، لم يكن ولن يكون صالحاً للمساهمة في عمليّةٍ تنمويّةٍ صحيحة ترتكز إلى الاقتصاد الإنتاجي في قطاعات تقليديّة وقطاعاتٍ جديدة أوجدتها الثّورة التكنولوجيّة في المعلومات والتواصل والمواصلات والاحتساب. كما أنّ قطاع الذكاء الاصطناعي سيسيطر على كافّة مرافق الاقتصاد عاجلاً أم آجلاً، ما يوجِب مراجعةً جدّية للنموذج الإرشادي (paradigm) الذي يتحكّم بالفكر الاقتصادي.

محاور التغيير
النّظام المصرفي الذي نعرفه فقَدَ الورقة الأساسيّة التي تبرّر وجوده، أي رأس المال المعنوي الذي يرتكز إلى الثقة. فمن يستطيع القول، بعد هذا الانهيار وبعد سلوك المصارف بكافّة تشكيلاتها الحكومية والخاصة، أنّ هذه المؤسّسات جديرةٌ بالثقة؟ فالنظام المصرفي فقَدَ ثقة الناس وثقة المودعين: كيف يمكنه استقطاب المودعين لإيداع مدخراتهم لديه مجدداً بعد ممارسات المصارف المهينة تجاه المودعين والتي كانت عملية سطوٍ موصوفة؟ إنّ فقدان الثّقة بالمكوّنات الاقتصادية هو أيضاً وفي الأساس فقدان الثقة بالنظام السياسي، ولا يمكن أن نتوخى أيّ تغيير في البنية الاقتصادية إن لم يحصل تغيير جذري في النظام السياسي.
إذا كانت أزمة النّظام المصرفي اللبناني، هي أزمة النظام المصرفي الرأسمالي الذي ينتهج السياسات النيوليبرالية، فكيف يمكن تغيير ذلك الواقع؟ في الحقيقة نعتقد أنّ التغيير له محاور متعدّدة، منها: الملكيّة، الهدف، السياسات، الحجم. وجميعها مترابطة.
عندما تكون ملكيّة المصارف لأفرادٍ أو لعائلاتٍ أو لمجموعاتٍ احتكاريّة أو لمستثمرين يبغون فقط المردود العالي على استثماراتهم مهما كانت الظروف، فإنّ هذا الأمر ينعكس حتماً على هدف المصرف. عندها، لا شيئ قبل الربح، والربح السّريع والمتنامي. هذا الهدف، أصبح في الغرب بمثابة عقيدة، بل «قيمة أخلاقية» تنتشر تحت شعار إرضاء المساهم أي المستثمر. هكذا يبدأ المصرف بفقدان وظيفته الاجتماعية كعنصر أساسي في الحركة الاقتصادية وعملية التنمية. لذا نقولها بصراحة: إذا كان الرّبح هدفاً مشروعاً، فإنّ تحديد حجم الرّبح وطريقة تحقيقه يجب أن تكون خاضعة لما نعتقده مسؤوليّة اجتماعية. بمعنى آخر، نعتبر المصرف، وبالتالي النظام المصرفي، مؤسّسة ذات منفعة عامة (public utility) كمصلحة الكهرباء والمياه والهاتف والمرافئ البرّية والجوّية والبحرية والبنى التحتيّة. هذا التحوّل يشكّل نقلةً نوعية جوهرية في النموذج الإرشادي حيث يكون الرّبح حافزاً ولكن ليس الهدف الوحيد أو الأهم.
السؤال الذي يمكن طرحه: هل بُعد المنفعة العامة كافٍ للاستثمار في النظام المصرفي؟ الإجابة تثير بدورها إشكاليّة دور المصرف في النظام الرأسمالي وإلى حدٍّ كبير، دور الرأسمالية. فالمصرف كان عبر التاريخ المعاصر أداةً لنموّ الرأسمالية، ونموّ الأسواق الماليّة التي أصبحت ركيزة الرأسمالية الجديدة وفي الألفيّة الجديدة.
وإذا تحوّل المصرف إلى مؤسّسة ذات منفعة عامة فهذا بطبيعة الحال يطرح مسألة الملكيّة. فهل يمكن أن تكون المصلحة العامة ملكيّة خاصة، وتحت سيطرة الفرد أو العائلة أو المجموعة الخاصة؟ الإجابة واضحة، وهي كلا. المؤسّسة ذات المنفعة العامة لا يمكن أن يملكها إلّا من يمثّل المجتمع.

تصنيف النظام المصرفي مؤسّسة ذات منفعة عامة كمصلحة الكهرباء والمياه والهاتف والمرافئ البرية والجوّية والبحرية والبنى التحتية


هنا سؤال آخر: من يكون ذلك؟ المروحة واسعة قد تبدأ بالدّولة أي ملكية المصرف تكون للدولة، وتنتهي بتعدّد الملكية حيث لا يحصل أيّ مكوّن من الملكيّة على أكثر من نصيبٍ صغيرٍ من الأسهم حتى لا يسيطر على مجموعة المساهمين. وبين الحدّين هناك إمكانية إيجاد الملكية التعاضدية التي تشكّلها التعاونيات والنقابات وهيئات من المجتمع الأهلي. الحلّ الأسهل هو ملكيّة الدولة، وإن سيعترض على ذلك كلّ من ينظّر للقطاع الخاص وأولويّته. نحن لا نقول إنّ لا ملكيّة خاصة للمصارف، بل أنّ الثّقل الأساسي للمنظومة المصرفيّة يجب أن تكون لأصحاب المنفعة العامة. التجربة الصينيّة في ذهننا حيث أوّل أربعة مصارفَ في العالم هي مصارف صينيّةٌ تملكها مؤسّسات تابعةٌ للدولة. هذا لم يمنع وجود قطاعٍ مصرفيٍ خاص، إلّا أنّه ليس هو المسيطر على السوق المصرفية.
ضرورات الأمن القومي تفرض قِوامة الدّولة على المرافق الحيويّة في الاقتصاد وخاصّةً في المصارف التي برهنت أنّها طيّعةٌ للتدخّل الخارجي بسبب تشابك مصالحها مع الخارج إن كانت مملوكةً من القطاع الخاص. القطاعات الاستراتيجية في أيّ اقتصاد يجب أن تدخل ضمن مكوّنات الأمن القومي لأي بلد. فالتجارب دلّت بشكلٍ واضح أنّ رأس المال الخاص والقطاع الخاص، لا يتحسّسان المسؤوليّة الوطنيّة إلاّ بالحدّ الأدنى التي تفرضها الأعراف والتقاليد الموجودة في المجتمع الذي يعملان فيه وإلاّ نُبذوا.
وفي لبنان لا يوجد هذا الحسّ ولو بالحدّ الأدنى، لذا كان النظام المصرفي «متحرّراً» من أيّ مسؤوليةٍ وطنية. وبما أنّ عصر النيوليبرالية يناهض أيّ دورٍ للشّأن الوطني والقومي وذلك لحساب المجموعات الخاصّة العابرة للحدود، وبما أنّ الثّقافة الاستهلاكية التي تروّجها المصارف تُسهم في إضعاف المناعة الوطنية والحسّ الوطني، فقد أصبح المجتمع فريسةً للمطامع الخاصة سواءً كانت داخليّةً أو خارجية. نموذج القطاع المصرفي اللبناني خير دليلٍ على ذلك.
من جهة أخرى نميّز بين الملكيّة والسّيطرة. المصارف الغربيّة الكبيرة لا تملكها أكثريّة واحدة، بل هناك تشرذمٌ في الملكية بسبب طرح أسهم المصارف في التّداول في الأسواق المالية. ينتج من ذلك أنّ أي مجموعة تملك أكثر من 5% من الأسهم تستطيع أن تسيطر على المصرف وتُسمّي إدارتها لأنّ معظم المساهمين، وقد يكون عددهم بالألف، لا يحضرون الجمعيّات العموميّة ولا يكترثون لما يحصل في المؤسّسة إلاّ متابعة نموّ قيمة السّهم أو نسبة توزيع الأرباح. في هذه الحال، تصبح يد الفئة المهيمنة على المصرف حرّة في التصرّف كما تشاء بحجّة «مسؤولية المصرف تجاه المساهمين». للاقتصادي الأميركي الشهير ميلتون فريدمان - منظّر للنيوليبرالية - قول واضح وصريح، وهو أنّ مسؤولية أي إدارة هي إرضاء المساهم وليست مسؤوليتهم إرضاء المجتمع. بل هو ينفي مفهوم المسؤوليّة الاجتماعية التي نحن من دعاتها. رئيسة وزراء المملكة المتحدة مارغاريت تاتشر نفت حتى وجود شيء اسمه «مجتمع» بل فقط مجموعة من الناس، هذا هو يقين العقل النيوليبرالي.
نعي أنّ إشكاليّة الملكيّة والسيطرة على المصرف قد تخضع لنقاشٍ واسعٍ وحادّ نظراً لما تضربه من «مسلّمات» لم تعد قائمةً أو مقبولة. فسقوط القطاع المصرفي شكّل ضربةً قاسيةً كادت تكون قاضية لمقولة قِوامة القطاع الخاص في لبنان في إدارة مرفقٍ حيويّ كالمرفق المصرفي. موازين القوّة السياسية هي التي ستحسم النقاش للأسف، وليس اعتبارات المنفعة العامة، لكن نطرحها كي لا تكون حجّة أن لا بديل لما يريدون تطبيقه، أو بالأحرى تعويمه بعد إعادة تأهيله وفقاً لهندسة ماليّة جديدة تتماهى مع موازين القوّة الداخلية والخارجية.

أهون الشرّين
من تداعيات بنية النظام المصرفي، التّساهل في إدارة الأصول المصرفيّة خلافاً لكلّ قواعد الإدارة الرّشيدة. فالتركيز على الاستثمار في قطاع سندات الخزينة والقطاع العقاريّ والخدمات التابعة له جعلت النظام المصرفي رهينةً لملاءة الدّولة وقدرتها على تسديد المستحقّات العائدة للسندات. لكنّ الفوائد المرتفعة التي كانت ترافق تلك السندات والتي لم يكن لها أي مبرّرٍ اقتصادي غير توفير ريع والحصول على مشاركة معظم المصارف في أكبر عمليّة احتيال عرفها التّاريخ المصرفيّ المعاصر أسهمت في انكشاف النظام المصرفي تجاه الدولة، مخالفة مبدأ ضرورة توزيع المخاطر عبر تنويع الاستثمارات. ما قام به النظام المصرفي كان عكس ذلك، ما يسقط حجّة كفاءة القطاع الخاص في لبنان في إدارة أموال الآخرين، ويسقط أيضاً المهنيّة في التزام النظام المصرفي بالحفاظ على سلامة الودائع المؤتمنة لديه، ويجعله شريكاً مباشراً في عملية الاحتيال على أموال اللبنانيين. في المقابل هناك من سيقول أن الدولة ليست أكفأ من القطاع الخاص وأنّ الفساد ينخرها حتى العظم وقد يكون ذلك صحيحاً. لكنّ إمكانيّة إصلاح الدولة أكبر من إمكانية إصلاح القطاع الخاص والانحدار الأخلاقي للقيّمين عليه. كما أنّ مسؤوليّة الدولة الحرص على المصلحة الوطنية والأمن الوطني والقومي بينما القطاع الخاص لا يكترث لذلك. في أسوأ الأحوال الدولة أقل الشرّين.

السّيادة في خلق النقد
من جهةٍ أخرى، نعتقد أنّ النّظرة للمصرف يجب أن تتناول دوره الوظيفي في الدائرة الاقتصادية. من يحدّد هذا الدور؟ نظريّاً، البنك يُسهم في خلق الكتلة النقدية المكوّنة من النقد المطبوع ومن إجماليّ الودائع القصيرة الأجل. في معظم الدّول الرأسمالية تشّكل الودائع القصيرة الأجل القسط الأكبر من الكتلة النقدية. السبب النظري في اعتبار هذه الودائع قصيرة الأجل، أي باستحقاق أقلّ من 12 شهراً، هي أنّها تحت الطلب مثل الشيك المصرفي الذي يُستعمل كوسيلة دفع ويسدّد عند الطلب، وهي تحمل صفة النّقد وتحوّلت إلى وسيلة دفعٍ أيضاً. لذا أصبحت المصارف هي التي تخلق معظم الكتلة النقدية بدلاً من الدولة التي ينحصر دورها في سكّ العملة أو طباعة النقد.

أصبحت المصارف هي التي تخلق معظم الكتلة النقدية بدلاً من الدولة التي ينحصر دورها في سكّ العملة أو طباعة النقد


إذاً، هنا نرى المصارف في النظام الرأسمالي تنتزع جزءاً أساسياً من سيادة الدّولة في عمليّة خلق النقد. لا داعي الآن لمناقشة جدوى دور النظام المصرفي في تحمّل جزءٍ من رمز السيادة، بل نسأل في ضوء التجربة اللبنانية: هل يمكن الاستمرار في اعتبار الودائع قصيرة الأجل جزءاً من الكتلة النقدية بما أنّها لم تُدفع عند الطلب؟ إذاً، ما هو دور هذه الودائع في الدّائرة الاقتصادية المعاصرة في اقتصاد كالاقتصاد اللبناني؟ هذا نقاش نظري في الفكر الاقتصادي لا بدّ من مقاربته. فلا يجوز الاستمرار في اعتبار الودائع القصيرة الأجل جزءاً من الكتلة النقدية لأنّها تحت الطلب. وإذا، لا بدّ من اعتبارها كذلك، فيمكن اختصارها بالودائع القصيرة الأجل جدّاً والتي لا تتجاوز الشّهر على سبيل المثال. التجربة اللبنانيّة يجب أن تفتح آفاقاً جديّةً في مفهوم الكتلة النقدية وخصوصاً إذا أخذنا بالاعتبار دولرة الاقتصاد اللبناني الذي يتباهى بها حاكم مصرف لبنان المؤتمن على حماية الليرة اللبنانية.
هذه الملاحظة تدفعنا إلى إعادة النّظر في مفهوم السياسة النقدية. ونقاشنا قد يكون على مستويين. الأول، هو سياسة نقدية تأخذ بالاعتبار الودائع قصيرة الأجل في تكوين الكتلة النقدية، والثاني، سياسة نقديّة مبنية فقط على كتلة نقدية مكوّنة من النقد المطبوع حصراً. وفي كلا الحالتين، إنّ السياسة النقدية المطلوبة يجب أن تنسجم مع متطلّبات التنمية الاقتصادية بكافّة أبعادها. حجم الكتلة النقدية يصبح متغيّراً جوهرياً لا يمكن تجاهله.
نرى أنّه لا بد من بلورة سياسةٍ نقديةٍ واقعية تعكس الحال في لبنان وتُعيد الاعتبار إلى سيادة الدولة في تكوين الكتلة النقدية. في هذا السياق بات واضحاً من حجم الودائع الموجودة في النظام المصرفي قبل اندلاع الأزمة أنّها كانت ودائع قصيرة الأجل لأنه تمّ تحويلها عند الطلب إلى الخارج. هذه الكتلة النقدية لم تكن منخرطةً في الدائرة الاقتصادية لأنّها كانت تكتفي بالمردود الرّيعي المتمثّل في الفوائد المرتفعة على الودائع. هذه الكتلة النّقدية لم تسهم في تفعيل القطاعات الإنتاجية بل كانت عبئاً على الاقتصاد اللبناني لأنّها كانت تكلّف الخزينة بلا مردودٍ في زيادة الناتج الداخلي وموارد الدولة. والفوائد على الودائع كانت تسهم مباشرةً في استهلاكٍ مفرطٍ تجلّى في مستوى الاستيراد المرتفع الذي شكّل ضغطاً غير ضروريّ على الليرة اللبنانية.
أمّا إذا تمّ اعتماد كتلةٍ نقديّةٍ قوامها في الأساس العملة المطبوعة من قبل الخزينة اللّبنانية (وليس مصرف لبنان)، فإنّ دورها في الاقتصاد يكون أفعل. تنشيط الإنتاج قد يموّل بقروضٍ مصرفيةٍ متوسطة وطويلة الأجل لا تستند إلى الودائع قصيرة الأجل. لذا، لا بد من تشجيع الودائع المتوسطة وطويلة الأجل لتمويل القطاعات الإنتاجية. أمّا العملة المتداولة فتكون وظيفتها الأساسية وسيلة دفعٍ في المعاملات الاقتصادية ووسيلة احتساب. إنّ حجم الكتلةِ المتداولة يجب أن يتّسق مع حجم العمليات الاقتصادية وسرعة تداول النّقد (velocity of circulation) بما يغطّي العجز في الكميّة إذا كانت أقلّ من الناتج الداخلي. في هذا السّياق يجب أن تكون الحسابات الجارية أو الودائع القصيرة الأجل خالية من أيّ مردود ماليّ أو فائدة، أي أن تقتصر الفوائد على الودائع المتوسّطة وطويلة الأجل والتي تسهم في التوازن بين القرض المتوسط وطويل الأجل، وبين مصدر تمويله أي الودائع.
هذه هي الخطوط العريضة التي يجب البحث فيها ومناقشتها. هي تختلف عن المقاربات القائمة في المصارف اللّبنانية حيث الكتلة النقدية أصبحت مصدراً للرّيع على حساب الإنتاج الفعلي. ولا بدّ من ترسيخ ثقافة التمويل للمشاريع (project financing). ضمانة أو تأمين القرض ،هو نجاح المشروع وليس الأصول التي يتم رهنها لصالح المصرف. هذا يعني تغييراً أساسياً في فلسفة الإقراض والعمليات المصرفية لصالح القبول بأن المردود لن يكون بالسرعة التي يريدها المصرف لأنّه مرتبطٌ بحياة المشروع المموّل. فهو يشارك في المخاطرة مع صاحب المشروع ومن هنا تبرز المنفعة العامة. وهذا يتطلب دراسةً معمّقةً للمشروع ما يعني إعادة تكوين الكفاءات المصرفية في تقييم المخاطر والمشاريع. لكن هذا بحث آخر لا بد من مقاربته في إعادة تكوين النظام المصرفي المطلوب لتنمية الاقتصاد اللبناني.

*باحث وكاتب اقتصادي سياسي وعضو الهيئة التأسيسية للمنتدى الاقتصادي والاجتماعي.