كان لافتاً أن يرتفع سعر الدولار خلال أسبوعين بهامش 35% متجاوزاً عتبة الـ20 ألف ليرة ليبلغ أعلى مستوى له في 16 تموز الماضي مسجّلاً 23300 ليرة، قبل أن يعود ويتراجع نحو 19500 ليرة. لماذا حصل هذا الارتفاع؟ ولماذا تراجع؟

تقلّبات سعر صرف الدولار مقابل الليرة اللبنانية مرتبطة بحقيقة واضحة للعيان؛ بيئة العرض والطلب مُحفَّزة بسياسات وقرارات نقدية. فإلى جانب التوقّعات السلبية في السوق التي تتحقق بمجرّد حصول حدث سياسي ما يدل على انعدام الأفق في التعامل مع الأزمة، هناك عوامل متعمّدة وجودها مفروض من قبل مصرف لبنان، تحفّز الطلب على العملة الخضراء وتخنق العرض، وهي عوامل تتداخل فيها السياسة بالنقد.


هناك رواية ذات صدقية عمّا حصل منذ نهاية حزيران الماضي ولغاية مساء السبت الماضي، تشير إلى أن اعتذار سعد الحريري عن تأليف الحكومة لم يكن سوى واجهة لسلوك سلبي يقوم به مصرف لبنان منذ فترة. فهذا الأخير قرّر اللجوء إلى السوق لتمويل مخزونه بالدولار، واشترى نحو 600 مليون دولار من السوق خلال بضعة أيام ما دفع السعر إلى الارتفاع بشكل جنوني. وقد تزامن هذا الأمر مع اعتذار الحريري من دون أن يستبعد أن يكون هذا التزامن متعمداً.
لا يشكّل شراء الدولارات من السوق مخالفة للمواد القانونية التي تتيح لمصرف لبنان التدخّل في السوق، لكنه بالتأكيد مخالفة للمواد الأهم التي تجبره على تفضيل أولوية «سلامة القطاع المصرفي» على أولوية «حماية النقد اللبناني». فالأولى تهمّ فئة من اللبنانيين وغير اللبنانيين أيضاً، لكنّ الثانية تقع في صلب حماية كل اللبنانيين، وحماية مداخيلهم ومدّخراتهم وأصولهم. لطالما كان مصرف لبنان يعمل من أجل فئة الـ1%. طبعاً لم يكن الأمر كذلك في ظل عهد أدمون نعيم، إنما في ظل عهد رياض سلامة. هذا الأخير رتّب التزامات على احتياطاته بالعملة الأجنبية كبيرة جداً إلى حدّ المساس بما يسميه احتياطات إلزامية بالدولار حتى قبل أن يخفض نسبتها من 15% إلى 14%. فرغم التقشّف في تمويل السلع الأساسية المدعومة، إلا أن هناك فواتير غير مسدّدة عائدة إلى فترات ماضية بقيمة تصل إلى 1.4 مليار دولار. كذلك، يترتب على المصرف المركزي أن يدفع نصف الدولارات التي سمح للمودعين بسحبها استناداً إلى التعميم 158، أي التعميم الذي يتيح للمودعين سحب نحو 400 دولار نقداً (نصفها مموّل من المصرف المركزي، ونصفها من المصارف) و400 دولار تُسحب بالليرة على سعر المنصة على أن يُستعمل نصفها حصراً بواسطة البطاقات والشيكات، والباقي يُسحب نقداً. وهذا التعميم منع المصارف من تمويل الدولارات التي ستُدفع للمودعين بواسطة سيولة الـ3% الخارجية المكوّنة بموجب التعميم 151.
إذاً، بهدف إعادة تمويل الاحتياطات والموجبات التي خلقها بموجب تعاميمه، لجأ مصرف لبنان والمصارف إلى السوق المحلية بحثاً عن الدولارات. وإلى جانب ذلك، فشلت منصّة «صيرفة» في اجتذاب التجار لتمويل عمليات الاستيراد، ولجأ قسم كبير منهم إلى السوق بحثاً عن دولارات أيضاً. هكذا خُلقت البيئة المناسبة للارتفاع المتواصل في سعر الصرف، وعندما تزامن الأمر مع حدث سياسي ما تحقّقت التوقعات السلبية ليتسارع التدهور في قيمة الليرة.
من سدّد ثمن هذا الارتفاع؟ في الواقع، إن لجوء مصرف لبنان إلى السوق الحرّة لشراء الدولارات يعني أنه يموّل احتياطاته بالعملات الأجنبية من خلال تكبيد المجتمع ثمن ارتفاع سعر الدولار. تحميل كلفة تدخله في السوق لحاملي الليرة اللبنانية، أي أصحاب المداخيل والمدّخرات بالليرة، هو ثمن باهظ يدفعه المجتمع. فخلال دقائق على تسارع التدهور في سعر الصرف، بدأت الأسعار تتضخم أكثر فأكثر. المؤسسات التجارية التي لم تكن متأكدة من قدرتها على مجاراة هذه الأسعار، فضّلت الإقفال.
بسرعة، قفز سعر صرف الدولار إلى 23300 ليرة في 16 تموز الماضي، إلا أن الأسباب التي أدّت إلى انخفاضه وتراجعه بسرعة نحو 19500 ليرة كانت مختلفة جداً. فالمعلومات تشير إلى أن مصرف لبنان ضخّ مبالغ صغيرة لمجموعة من كبار الصرّافين وفق اتفاق ضمني على عرضها في السوق لتكبير حجم العرض وتغطية الطلب في أيام العطلة وأخواتها (الأسبوع الماضي ثلاثة أيام عطلة والجمعة نصف يوم عمل قبل عطلة نهاية الأسبوع) وإعادة شرائها بعد انخفاض السعر. وفق المعلومات المستقاة من مصادر سوقية، فإن مصرف لبنان ضمن لهؤلاء الصرّافين، مسبقاً، تحقيق ربح وفير من هذه العمليات من أجل مساعدته على خفض السعر. هذا ما حصل فعلاً. ثلاثة صرّافين على الأقل انخرطوا في هذه اللعبة، وهم من كبار الصرّافين الذين سُجنوا سابقاً بشبهات مماثلة.
لكن بأيّ هدف قام المصرف المركزي بهذه العملية التي أدّت إلى انخفاض سعر صرف الدولار خلال يومين من 22500 ليرة إلى نحو 19500 ليرة؟
يُعتقد بأن الهدف كان محاباة نجيب ميقاتي، من أجل تشجيعه على الانخراط في عملية تأليف الحكومة، أي أن ما قام به حاكم مصرف لبنان رياض سلامة كان بمثابة بادرة «حسنة» من أجل تلافي أيّ صفقة تقوم على أن يحصل ميقاتي على حكومته مقابل موافقته على تعيين حاكم جديد.