كانت حصّة أكبر خمسة بلدان يستورد منها لبنان نحو 48% من مجموع الواردات السلعية قبل عشر سنوات، إلا أنها انخفضت إلى 35% في 2020، أي أن الانهيار يكاد يكون غير ملحوظ في الاستيراد من هذه البلدان، لكن الفترة المقبلة قد تشهد تراجعاً إضافياً عندما يُرفع الدعم بشكل كامل عن واردات السلع الأساسية التي تمثّل الحصّة الأكبر من واردات البلدان الخمسة.


في السنوات العشر الأخيرة كان استيراد لبنان من البلدان الخمسة يتركّز في المشتقات النفطية والأدوية والسيارات، إلا أنه رغم انفجار الأزمة لم تطرأ تعديلات واسعة على نوعية الواردات من لائحة الدول الخمس، لأن النسبة الأكبر منها مُوّلت بدولارات احتياطات مصرف لبنان بالعملات الأجنبية. التغيير الأساسي الذي طرأ يتعلق بقيمة هذه الواردات التي تراجعت خلال عشر سنوات من 9.4 مليارات دولار إلى 4 مليارات دولار، إلى جانب خروج فرنسا وألمانيا من هذه اللائحة، ودخول اليونان وتركيا بدلاً منهما.
في 2020 كانت لائحة أكبر خمس دول مورّدة للبنان، على النحو الآتي: الولايات المتحدة الأميركية، اليونان، تركيا، الصين، إيطاليا. غالبية الواردات من هذه الدول هي عبارة عن مشتقات نفطية وأدوية إضافة إلى الحديد وبعض المواد الغذائية. في المقابل، كانت لائحة أكبر خمس دول موردة للبنان في عام 2012 تضمّ الولايات المتحدة، إيطاليا، الصين، فرنسا، ألمانيا، استورد منها لبنان مشتقات نفطية وأدوية وسيارات وأجهزة إلكترونية. الانخفاض الأكبر في قيم الواردات كان من نصيب أميركا. كان لبنان يستورد منها بقيمة 3.1 مليارات دولار، لكنه بات يستورد فقط 936 مليون دولار. ومن أميركا أيضاً انخفض استيراد السيارات، بينما المشتقات النفطية التي كانت تأتي من أميركا صارت تأتي من بلدان أخرى. ومن تركيا استورد لبنان الحديد والضأن والبنزين وبعض الأنواع الغذائية، بينما من اليونان استورد البنزين والمازوت. أما من الصين فاستورد أجهزة التكنولوجيا مثل الهواتف الخلوية وإن تراجع عددها وقيمتها، وصارت واردات الأرز من الصين كبيرة كفاية لتحتلّ موقعاً بين أكبر خمس سلع يستوردها لبنان من الصين.
الواردات الأكثر كلفة، أي المشتقات النفطية والأدوية بشكل أساسي، ما زالت تتدفق إلى لبنان من دون تغيير كبير في قيمها، لأنها مموّلة بدولارات مدعومة الكلفة مقارنة مع سعرها المحلي بالليرة اللبنانية. لكن هذا الأمر قابل للتغير في الأشهر الآتية بسبب سياسة رفع الدعم التي يتبعها مصرف لبنان. ففي المرحلة الأولى جرى رفع الأسعار الداخلية للمشتقات النفطية من دولار يوازي 1520 ليرة، إلى دولار يوازي 3900 ليرة. وبالنسبة للأدوية أيضاً جرى رفع قسم منها على دولار يساوي 12000 ليرة، وقسم آخر على دولار يساوي 4800 ليرة، بينما بقي قسم منها على دولار يساوي 1520 ليرة. هذا المنحى قابل للتطور سلباً في الفترة المقبلة عندما تصل سياسة رفع الدعم إلى مراحلها النهائية ويتم تحرير أسعار السلع لتصبح قيمتها موازية لسعر صرف الدولار في السوق الحرّة. عندها تكون هذه السلع قد باتت خاضعة لضريبة كبيرة جداً تمنع المستهلك من شرائها، وبالتالي سيتقلص استهلاكها على نحو كبير ما سيترك مفاعيلَ على حجم التجارة الخارجية مع الدول الخمس. بشكل عام سيبدأ البحث عن سلع أرخص ثمناً وربما أقل جودة، علماً بأن هذا الأمر لا ينطبق على المشتقات النفطية. وفي المجمل هذا يعني أن المقيمين في لبنان سيصبحون خاضعين لضريبة كبيرة لن يكون بإمكانهم تسديدها سواء لجهة استهلاك البنزين الضروري لانتقال الأفراد والسلع، أو لجهة استهلاك المازوت والفيول الضروريات لإنتاج الكهرباء من مولدات الأحياء ومن مؤسسة كهرباء لبنان. هذا يعني أن تضخّم الأسعار سيشكل الحاجز الأبرز أمام الحصول على السلع الأساسية، وبالتالي سيصبح الاستهلاك المحلي مقتصراً على السلع الأساسية الأرخص ثمناً. هذا هو ثمن النموذج الذي يعتمد بشكل مفرط على الاستيراد. موت هذا النموذج لن يكون سهلاً بمفاعيله على اللبنانيين في ظل إدارة للانهيار تعمل من أجل تحميل الخسائر للطبقات الاجتماعية الأدنى.