يُتدَاول بين الصناعيين اقتراحان مصدرهما وزارة الصناعة بعنوان «استعادة أموال التصدير بالعملة الأجنبية». يهدف الاقتراحان إلى فرض قيود على ناتج العمليات التجارية في الخارج، أي أن يُفرض على المصدّرين إعادة الدولارات إلى المصارف المحلية. عملياً، يأتي هذا الاقتراح بمثابة عقوبة على المصدّر، وهو أمر معاكس تماماً للمنطق الاقتصادي في ظل الأزمة الحاصلة. فمن أجل تحفيز المصدّرين على إعادة أموالهم إلى لبنان يمكن منحهم إعفاءات ضريبية، أو يمكن خلق وحدة مصرفية جديدة تعمل بقواعد جديدة تكون محلّ ثقتهم بدلاً من تعيين بوليس لمراقبتهم. هذا أمر يحتاج إليه الاقتصاد ككل، ولا يمثّل حاجة إلى المصدّرين فقط. فالاقتراحان بصيغتهما الحالية، قد يدفعان المصدّرين إلى البحث عن آليات التفافية للتهرّب من هذا الأمر. فعلى سبيل المثال، يمكنهم إنشاء وحدات في الخارج تشتري منهم البضائع بأثمان رخيصة، ثم تبيعها إلى مقصدها الفعلي النهائي.

الاقتراح الأول - فرض تحويل قيمة فواتير التصدير إلى المصارف اللبنانية مع إعطاء المصدّرين تقديمات معينة لضمان استمرار عملهم وفق الآلية التالية:
1 – تحديد معدل تقديري لنسبة الأرباح لكل قطاع من قطاعات التصدير وذلك بعد اجتماعات مع المعنيين في كل قطاع. إن تحديد هذا المعدل لا يُلزم مؤسّسات وشركات هذا القطاع، إنما يجري تحديده لغايات محصورة بالآلية (ولا سيما النقطة السادسة منها) التي نقترحها وذلك بهدف توحيد المعايير بين المستفيدين منها.
2 – فرض تحويل قيمة فواتير التصدير إلى المصارف اللبنانية خلال مهلة أقصاها 45 يوماً، من تاريخ التصدير، وهي المهلة المنطقية للدفع، باستثناء الشركات التي تبرز عقوداً أو مراسلات بينها وبين الزبون الخارجي تنصّ على مهل مختلفة.
3 – على المصدّر توقيع تعهّد بتنفيذ النقطة الثانية أعلاه، على أن يُبرز هذا التعهد عند تقديم كل بيان تصدير للشركات يحدّد فيه المهلة التي تتعهد خلالها الشركة بتحويل قيمة التصدير إلى لبنان. وفي حال كانت المهلة تتخطّى الـ 45 يوماً، فعلى الشركة أن ترفق بالتعهد، العقود أو المراسلات المثبتة لذلك.
4 – يُحتفظ في بيان التصدير الجمركي بنسخة ورقية عن هذا التعهد، ويُفرض مسحه على نظام نجم الجمركي المعلوماتي، ويجري تجميع النسخ الأصلية وإرسالها إلى مصرف لبنان الذي يتولى متابعة تنفيذها.
* ملاحظة: تُذكر في التعهد تفاصيل متعلقة بالبيان (رقمه، تاريخه، قيمة الفاتورة...)، ويصادق عليه المراقب الجمركي (مراقب القبول أو الكشّاف حسب المسار الذي سلكه البيان)، وذلك تمكيناً للمصرف المركزي من متابعة صحّة تنفيذه.
5 – في حال إخلال المصدّر بالتعهد، يُخطِر المصرف المركزي، الجمارك بالأمر، ليصار الى تجميع رقمه الضريبي مؤقتاً، ومنعه من تسجيل أي بيان استيراد أو تصدير، قبل إتمام تعهده بتحويل المبلغ المطلوب إلى لبنان أو بإدخال مبلغ يعادله من الـ Fresh money إلى المصارف اللبنانية، كما يمكن فرض عقوبات أخرى (غرامات، حرمانه من الدعم على استيراد المواد الأولية...).
6 – بالنسبة إلى مبالغ التصدير المحوّلة إلى المصارف اللبنانية وحريّة المصدّر بالتصرف بها، يجدر التوفيق بين الحفاظ على اقتصاد حر، نوعاً ما، من جهة، وتحقيق الغاية المالية والنقدية لهذه الآلية من جهة أخرى. لذلك نقترح ما يلي:
- انطلاقاً من مبدأ حق المستثمر بحرية التصرف بأرباحه، إعطاء الحقّ للمصدّر بسحب fresh dollars من المبالغ المحوّلة بنسبة معادلة لنسبة الأرباح المحدّدة وفقاً للنقطة الأولى في هذه الآلية، لينفقها كيفما يشاء، أو ليفتح بها اعتماداً لشراء مواد أولية من الخارج.
- بالنسبة إلى المبالغ المتبقية من هذه التحويلات، يحقّ للمصدّر فتح اعتمادات بها لشراء مواد أولية مع إعطائه إمكانية سحب نسبة معينة منها بالليرة اللبنانية وفقاً لسعر صرف يفوق السعر المحدد في المصارف (أي الـ 4000 ليرة/دولار). إن هذه السحوبات ستسمح للمصدّرين بتسديد بعض مصاريفهم المحلية (الرواتب، مصاريف تشغيلية...). وبالتالي خفض كلفة السلعة المنتجة وزيادة قدرتها التنافسية.
* ملاحظة: إن هذه التحويلات تخفّف الحاجة إلى فتح اعتمادات مدعومة، حيث يجري فتح اعتمادات مباشرة من العملات الأجنبية المحوّلة من الخارج، ما يخفّف العبء عن مصرف لبنان، ويقلّص الطلب على العملات الأجنبية في السوق الداخلية. ويُقصد بالاعتمادات أو الاستيرادات المدعومة، تحويل مبالغ من الليرة اللبنانية إلى عملة أجنبية وفقاً لسعر صرف مدعوم، أي سعر أدنى من سعر صرف السوق الحر للقيام بعمليات الشراء من الخارج. وفي هذا الإطار، وحيث إن الهدف الأساسي من دعم الاستيراد هو الحفاظ على القدرة الشرائية للمستهلك اللبناني، يجدر وقف فتح اعتمادات مدعومة للصناعيين الذين يعتمدون فقط على المصدّر ولا يقومون بأي عملية بيع محلية، حيث يقوم هؤلاء بشراء موادهم الأولية وبيع السلع المنتجة بالعملة الأجنبية، وبالتالي لا يتأثرون فعلاً بتغيّر سعر الصرف لليرة اللبنانية.
في حال أعلنت الشركة أو المؤسّسة وقف عمليات التصدير واستيراد المواد الأولية المدعومة، يحقّ لها حينئذ سحب جميع هذه المبالغ نقداً بالعملة الأجنبية. وفي حال معاودة مزاولة عملياتها، على الشركة أو المؤسسة إعادة إدخال هذه الأموال بالعملة الأجنبية إلى المصارف اللبنانية حيث يجري التصرف بها بالعودة إلى الأصول السابقة والمذكورة أعلاه.
الاقتراح الثاني – تحفيز المصدّر على تحويل مبالغ التصدير إلى لبنان
بهدف المحافظة على الاقتصاد الحر، يمكن كمرحلة أولى وتجريبية، تحفيز المصدّرين على تحويل عائداتهم إلى المصارف اللبنانية عبر تقديمات معينة، وذلك بدلاً من تقييد حريتهم وفرض إجراءات عليهم. نذكر من هذه التقديمات:
- تسهيلَ منحهم اعتمادات لشراء مواد أولية مدعومة وزيادة سقف هذه الاعتمادات.
- إعطاءَهم إمكانية سحب أموال الشركة المدعومة بالعملة الأجنبية في المصارف اللبنانية بالعملة اللبنانية وفقاً لسعر صرف يفوق السعر المحدد في المصارف (أي الـ 4000 ليرة/دولار) بما فيها المبالغ التي يتلقّونها من زبائنهم في لبنان بموجب شيكات بالعملة الأجنبية.
- منحَهم إعفاءات ضريبية معيّنة.



ملاحظات على الاقتراح الأول
أ – تجدر الإشارة إلى إمكانية تلاعب المصدّر بالقيمة المصرّح عنها في التصدير عن طريق خفضها، وذلك لخفض قيمة المبالغ الواجب تحويلها إلى لبنان. يمكن للحؤول دون ذلك، فرض أحد هذين التدبيرين:
- يمكن للجمارك فرض إبراز نسخة عن بيانات الاستيراد المسجّلة في الخارج خلال مهلة شهرين. وفي حال وجود أي فروقات، على الجمارك قمع مخالفة الدلالات الكاذبة عن القيمة وفقاً للأصول وإبلاغ المصرف المركزي بالقيم الحقيقية لإجراء المقتضى في ما خصّه.
- يمكن للمصرف المركزي أن يفرض على المصدّر أن يُجري هذه التحويلات إلى حسابه في لبنان من حساب الزبون في الخارج مباشرة وليس عن طريق حساب عائد للمصدّر في الخارج.
ب – إن المشكلة الكبرى تكمن في فقدان الثقة بالقطاع المصرفي من قبل المصدّرين الذين يتخوّفون من أن يتم التحكّم بها وبأموالهم بعد تحويل المبالغ إلى لبنان. لذا على مصرف لبنان أن يكون هو ضمانتهم عن طريق إنشاء وحدة لهذه الغاية مهمتها تلقّي مراجعات هؤلاء المصدّرين ومعالجتها ومتابعة تنفيذ جميع نقاط هذه الآلية من قبل المصارف اللبنانية وذلك من دون أي مماطلة.
ج – نظراً إلى كثرة التفاصيل الواجب التنبه لها عند تنفيذ هذه الآلية لمنع أي تلاعب أو عملية احتيال، يمكن، كمرحلة أولى، حصرها بعدد من الشركات وفقاً لمعايير معينة مثلاً: الشركات التي تشكّل صادراتها نسبة 60% أو 70% من مجموع صادرات لبنان والشركات التي تستفيد من مبالغ عالية لاستيراد المواد الأولية المدعومة.
* هذه الملاحظات كما وردت في الورقة الموزّعة على الصناعيين وليست من إعداد «الأخبار»

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا

تابع «رأس المال» على إنستاغرام