وُلدت فكرة موازنة البرامج (Program Budgeting) في الولايات المتحدة الأميركية بعد الحرب العالمية الثانية. فقد حثّت لجنة هوفر الثانية (Hoover Commission) الحكومة الأميركية، على خلق انسجام بين التصنيف الإداري وتصنيف الموازنة والتصنيف المحاسبي. سرعان ما اكتسب هذا الأسلوب، المزيد من الاهتمام في العقدين الماضيين، وتبنّته العديد من البلدان، أولها بلدان منظّمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، سواء على شكل موازنات برامج أو أداء وبدرجات متفاوتة.

إن موازنة البرامج والأداء، هي أداة تحليلية تسهم في رسم السياسات واتخاذ القرارات. هي تركّز في الأعمال والأنشطة التي تقوم بتنفيذها الوحدات الإدارية، أكثر من تركيزها في وسائل تنفيذ هذه الأعمال، كما هو الحال في الموازنة التقليدية. ويمكن تعريف موازنات البرامج والأداء، بأنها عبارة عن تخصيص الموارد العامة، لتنفيذ برامج ذات أهداف معينة، مع إخضاعها لمعايير قياس الفعّالية والكفاءة. الفعالية (Effectiveness) تعني القدرة على تحقيق مجموعة من الأهداف، بينما الكفاءة (Efficiency) تعني تحقيق الأهداف بأقل موارد ممكنة.

تخصيص الموارد
تخلق موازنة البرامج إطاراً فعّالاً للتخطيط الحكومي، من خلال الربط بين أهداف ونتائج السياسات الحكومية من جهة، ومخرجات الموازنة من جهة أخرى، وذلك ضمن مدّة زمنيّة متعدّدة السنوات. ولهذه الغاية، يتم تخصيص الموارد للبرامج الأكثر كفاءة التي تحقّق أهداف السياسة الحكومية الاقتصادية والاجتماعية. وفيما تُقسم الموازنة التقليدية على أساس الوحدات الإدارية أو الهيئات المنفّذة لها وفق الهيكل التنظيمي للقطاع العام (Organizational affiliation)، يتطلّب اعتماد موازنة البرامج تقسيم الموازنة على أساس مهامّ وبرامج ذات أهداف محددة تعكس السياسة العامة للحكومة، مع تضمينها الخطوات اللازمة لتحقيق هذه الأهداف، في إطار زمني متوسط.


تُعدّ موازنة الأداء (Performance budgeting) أسلوباً «لإدارة» الإنفاق الحكومي، أكثر منها أسلوباً «للتحكّم» فيه. فهي تربط بشكل مباشر بين الخدمة المقدمّة، والموارد اللازمة لتقديمها، ما يعطي الحكومة إطاراً مالياً وإدارياً، يُمكّن من تخصيص الموارد المالية بكفاءة وفعالية، مع مساءلة المسؤولين عنها، على أساس الأداء. إن موازنة الأداء هي موازنة أصغر وحدة أو هيئة إدارية في الهيكل التنظيمي للحكومة. بحيث يخصّص لها الموارد المالية اللازمة (المدخلات)، لإنتاج قدر محدّد مسبقاً من الأنشطة في الموازنة السنوية (المخرجات)، وذلك استناداً إلى كلفة إنتاج الوحدة الواحدة من هذه الأنشطة (Per unit cost). ومقارنة مع الموازنة التقليدية، تستند موازنة الأداء في تخصيص الموارد إلى مقدار العبء الوظيفي المقدّر (Expected workload)، فيما تستند الموازنة التقليدية (موازنة البنود) إلى ما تم إنفاقه على المدخلات أو البنود في السنة السابقة كأساس، وتزيد عليه بافتراض معدل تغير معين في الإنفاق (الطريقة التزايدية).
أبرز أوجه التناسق بين موازنة البرامج وموازنة الأداء على النحو الآتي:
- تركّز موازنة البرامج في الأهداف والنتائج، بينما تركّز موازنة الأداء في المخرجات، بحيث تشكل موازنة الأداء مرحلة وسطية لبلوغ الأهداف.
- ترتبط موازنة البرامج، عادة، بمستوى إداري أعلى من الذي ترتبط به موازنة الأداء، التي ترتبط عادة بالمستويات التنفيذية. ويحتوي البرنامج على عدد من وحدات الأداء.
- تقوم موازنة البرامج على التخطيط للمستقبل، في حين تقيس موازنة الأداء ما يتم إنجازه.
- إن إعداد موازنة البرامج يسبق إعداد موازنة الأداء، كونها تشكل الإطار الذي يتم قياس الأداء وفقاً له.
- تُعدّ موازنة البرامج أداة فعّالة من أدوات التخطيط والسياسة الاقتصادية التي تعتمدها الحكومات، لتركيزها في حل قضايا المجتمع، وترجمة الأهداف إلى واقع ملموس، بينما تعتبر موازنة الأداء أسلوباً جيداً «لإدارة» الموازنة.

تبويب وتصنيف جديد للموازنة العامة
إن تبنّي الحكومة اللبنانية موازنة البرامج والأداء، يقضي بإعادة تبويب الموازنة على أساس هرمي يتدرّج من المهام إلى البرامج ثم الأنشطة ووحدات الأداء. وبنتيجة ما تقدم، يمكن اقتراح نموذج لتبويب برنامج فرعي «مكافحة الإدمان» في إطار موازنة البرامج والأداء ضمن مهمّة «مهام المجتمع». ففي هذا الإطار، يشكّل الإنفاق على الأجور وتوفير وسائل العلاج الطبي والخدمات والصيانة أحد مدخلات هذا البرنامج (مدخلات - بنود)، بينما يشكّل عدد المرضى أو المدمنين المستفيدين من هذا البرنامج أحد مخرجات الإنفاق (مخرجات - أداء). ويشكل خفض معدل الإدمان في لبنان إحدى نتائج هذا البرنامج (نتائج - برامج).
يحدّد المستوى الأول من التبويب الهرمي المهام الأساسية للحكومة، والتي تنقسم بدورها إلى مهامّ فرعية. ويحدّد المستوى الثاني البرامج الرئيسية التي تنقسم إلى برامج فرعية، وفقاً لمعايير مختلفة، كتقسيمها وفقاً للمناطق الجغرافية، مثلاً، أو ربطها بطبيعة الأعمال المطلوبة، أو بتبيان المستفيدين من الخدمة وغيرها. ويرتبط هذا المستوى بالمديرية أو المصلحة في الهيكل التنظيمي للقطاع العام.
أما المستوى الثالث، فيتعلق بمجموعة من الأنشطة المميزة أو المتجانسة التي تسهم في إنجاز البرنامج، وصولاً إلى تحقيق الهدف أو المهمّة الأساسية. ويتم قياس هذه الأنشطة بوحدات الأداء التي يجري على أساسها تقييم عمل الهيئات الإدارية والبرامج المقدمة. ويرتبط هذا المستوى بالهيئات الإدارية الأصغر في الهيكل التنظيمي للقطاع العام.
يحقق اعتماد موازنة البرامج والأداء فوائد ومزايا، من أبرزها زيادة فاعلية التخطيط عبر تحديد وصياغة أهداف كل وحدة إدارية على شكل برامج وأنشطة وترجمتها بأداء كمّي أو نوعي


يمكن قياس مدى نجاح برنامج مكافحة الإدمان من خلال انخفاض حالات الإدمان في المجتمع خلال فترة زمنية محددة (انظر إلى الانفوغراف)، بينما تقاس مخرجات الأداء من خلال عدد المرضى أو المدمنين المستفيدين من هذا البرنامج خلال سنة الموازنة. ويشكّل هذا المؤشّر (المخرج) الأساس أيضاً لتخصيص الموارد لهذا البرنامج - ناهيك بمساءلة المسؤولين عن تنفيذه تبعاً لذلك- الذي يمكن أن تشترك في تنفيذه إدارة واحدة أو أكثر.
ويفرض اعتماد التبويب الجديد للنفقات العمومية، تجاوز التصنيف الإداري التقليدي، والتقسيمات المتشعّبة، كالنفقات الإدارية والرأسمالية التي لم تعد تتلاءم مع المفهوم الحديث للمالية العامة، وإعادة تقسيم النفقات العمومية وفقاً لوظائف الدولة ومهامها، في مختلف حقول الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية.
فمثلاً، يمكن تقسيم النفقات على الشكل الآتي: النفقات اللازمة لحسن سير إدارة المرافق العامة؛ النفقات الاستثمارية؛ أعباء الدين العام؛ أعباء الأمن (وهي مشتركة بين عدة من وزارات). وفي هذا الإطار، يقدم دليل إحصائيات مالية الحكومة الصادر عن صندوق النقد الدولي (GFS2001)، إرشادات بشأن تصنيف إيرادات الحكومة ونفقاتها ووظائفها، فضلاً عن أنه يسهّل إعداد التقارير الإحصائية، وتحليل الاقتصاد الكلي للبيانات المالية، ما يسمح بتحسين مستويات الشفافية، وتحليل أهداف الموازنة بصورة أوضح.

الفوائد والمزايا
يحقق اعتماد موازنة البرامج والأداء عدداً من الفوائد والمزايا، أبرزها:
- زيادة فاعلية التخطيط، من طريق: تحديد وصياغة أهداف كل وحدة إدارية على شكل برامج وأنشطة، وترجمة ذلك في صورة وحدات أداء بشكل كمي أو نوعي؛ وتخصيص الاعتمادات في الموازنة على أساس الأكلاف المقدّرة لإنجاز الأعمال والأنشطة المستهدفة.
- تحقيق رقابة فعّالة على الأنشطة، عبر التقييم الفني والاقتصادي للبرامج والأنشطة التي تقوم بها الوحدة الإدارية، ومقارنة ما تم إنجازه، كوحدات أداء، مع ما هو مخطَّط مسبقاً، وهو ما يؤدي إلى خفض أكلاف الإنتاج، ويسهم في ترشيد الإنفاق.
- يؤدّي ربط البرامج بالوحدات الإدارية وقياس الأداء، إلى تحديد مراكز المسؤولية، ومحاسبة المسؤولين عن نتائج الأنشطة الموكلة إليهم، ما يدفعهم إلى المشاركة الفعّالة في إعداد الموازنة، وتحديد معايير وأهداف دقيقة وواقعية.

* دكتوراة في "إصلاح الإدارة المالية العامة اللبنانية في إطار معايير المحاسبة الدولية في القطاع العام IPSAS"

المراجع:
● ياغي، عبد الفتاح، (2012)، الحكومة والإدارة العامة في الولايات المتحدة الأمريكية، دار الحامد للنشر والتوزيع، عمان، ص 376-377
● معهد باسل فليحان المالي والاقتصادي، (2009)، التوجهات الحديثة والممارسات النموذجية في إدارة المالية العامة، المطبعة العربية، بيروت، ص 29
● بدوي، أحمد، مفاهيم تقليدية ومعاصرة في إدارة المالية العامة، دراسات اقتصادية، صندوق النقد العربي، أبو ظبي، 2011، ص 18
● بدوي، احمد، مرجع سابق، ص 16-17

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا