من يطّلع على مشروع قانون موازنة عام 2021 وفذلكته ويتمعّن في مضمونها، يكتشف بما لا ريب فيه أن هذا المشروع بمثابة صورة مصغّرة وأمينة لوضع وواقع الحكومة المستقيلة التي سوف تتبناه؛ أي تشخيص واقعي للأمور وإشارة صريحة ومتجرّدة إلى المعوقات وبعض الحلول، أو تمنيات صادقة وتدابير خجولة، هي خطوات غير كافية ومعزولة عن أي حلّ شامل وبرنامج متكامل واضح المعالم للخروج من الأزمة المستفحلة. الأخطر: عدم القدرة على إحداث التغيير أو المباشرة به، والتقاعس في التنفيذ، وتجنّب أي تدبير من شأنه الإزعاج أو الإرباك أو المواجهة... هذا يتجلّى في الانفصام القائم والتباين الكامل بين ما تنص عليه الفذلكة من جهة وما تتضمنه الموازنة المقترحة ببنودها وأرقامها وجداولها، من جهة أخرى.

بالفعل، يبدو للوهلة الأولى لمن يقرأ الفذلكة، أنها تقرير مفصل عن واقع الحال المزري في البلاد، وعن أسباب الانهيار، والأخطار المحدقة، والتحديات الماثلة مع جملة مقترحات وأفكار مدرجة كعناوين من دون تفصيلها أو تحديد إجراءاتها العملية التنفيذية... بدت كأنها تقرير أو دراسة صادران عن خبراء ومستشارين موكلين من قبل الحكومة لإجراء تقييم أولي تمهيداً لتحديد الحكومة لسياستها العامة وبرنامجها للسنة المخصوصة وعليه، اتخاذ الإجراءت التي تقترحها في الفذلكة والموازنة.

أنجل بوليغان ــ المكسيك

صحيح أن مشروع موازنة عام 2021، راعى الظروف الصعبة السائدة وتجنّب زيادة الضرائب في ظل حالة الركود الانكماشي (stagflation) والتضخّم المرتفع. معدّوه ربما حرصوا على تأمين شكل ما من الأمان الاجتماعي ضمن الحدود الدنيا، فضلاً عن تحفيز الاستثمار وجذب الرساميل الأجنبية من خلال حوافز طال انتظارها رغم أنها مقترحة في التوقيت الخاطئ وليس من شأنها (حسب تقديري الشخصي) تحقيق النتائج المرجوّة و/أو إحداث صدمة إجابية تعيد الثقة والاطمئنان في حال أقرت بمعزلٍ عن التدابير الأخرى الضرورية الملازمة التي تهم المستثمر والمتموّل. ولعله لا يضير القول المأثور هنا: «أن تأتي متأخراً خيرٌ من أن لا تأتي أبداً»... لكن كنّا نأمل نقلة نوعية وإصلاح فعلي في المالية العامة من خلال موازنة شفّافة وشاملة وعصرية، ولا سيما أن الظروف الاستثنائية الراهنة تحتّم إعداد موازنة استثنائية جريئة وخلّاقة، لا موازنة شبيهة إلى حدّ التطابق مع سابقاتها. وطالما أن الحكومة مستقيلة وغير مرغوب بها لا شعبياً ولا من قبل رعاتها أو المنظومة الحاكمة والمتحكّمة بمصير البلاد والعباد، وبالنسبة إلى البعض، متخطية لصلاحياتها بالمعنى الضيّق لتصريف الأعمال، كان الأجدى بها تحقيق خرق فعلي حتى لو كلّف الأمر رفضها ومعارضتها من قبل الشريحة الأكبر من النافذين والمتضررين وخصوصاً على المستوى الإداري أو الاقتصادي أو الاحتكاري.
فالبحث في الموازنة وبالتالي في إصلاح المالية العامة، يفرض البحث مقدماً في مهام الدولة الأساسية. فعليها يقع واجب حماية الاقتصاد الوطني، وتأمين الحماية الاجتماعية، ونشر العلم والمعرفة، وزيادة الثروة وحسن توزيعها بشكل عادل. كذلك عليها إعادة الاعتبار إلى صدقيتها وثقة المواطنين والخارج بها. هذا الأمر يُكرّس بإصلاحات تشمل إجراءات طارئة وسريعة لخفض العجز وطمأنة الدائنين وتثبيت النقد ومكافحة الفقر المتفشّي وإعادة إطلاق العجلة الاقتصادية. ومن شروط ذلك، تأمين الواردات وترشيد الإنفاق عبر تحديد الحاجات الفعلية وقواعد وآليات الجباية والإنفاق، فضلاً عن المراقبة الفعّالة. فالموازنة هي الأداة الأساسية للمالية العامة. هي وسيلة للتدخّل في الحياة الاقتصادية والاجتماعية بهدف تحقيق البرامج والوعود التي التزمتها السلطات السياسية. تدخّل كهذا يتم عادةً، من خلال فرض الضرائب أو الإعفاءات بحوافز و/أو بزيادة أو خفض الإنفاق العام بما يتلاءم مع الظروف والحاجات وضمن خطة مدروسة واضحة المعالم والأهداف.
لقد كانت القاعدة الأساسية تقليدياً هي تأمين التوازن بين الواردات والنفقات أي «الجباية بقدر الكفاية». أما الآن ومع تطور المفاهيم والدور الذي يقتضي على الدولة تأمينه، فالتوازن بالمفهوم الكلاسيكي القديم لم يعد له سوى قيمة نسبية لاعتبارات أكثر أهمية سمحت ببعض الاستثناءات وإنما بشرط أن يكون مجموع النشاط الاقتصادي والاجتماعي موجّهاً بصورة سليمة والإنفاق جارياً بصورة شفافة وتحت رقابة فاعلة طبقاً للأنظمة المرعية. فالوفر كالعجز ليس محبّباً لأن المال المحصّل يقتضي أن يُنفَق لمصلحة المواطن.
عملياً، المطلوب اليوم قبل الغد، وبالتزامن مع تنفيذ أي برنامج إنقاذي، خفض تدريجي في نسبة العجز إلى الناتج المحلّي قبل تأمين توازن الموازنة على المدى المنظور والوصول إلى فائض أولي سريعاً، بالإضافة إلى تنفيذ رزمة إصلاحات هيكلية وبنيوية وقطاعية. وهذا يحتم أن يكون مجموع النشاط الاقتصادي والاجتماعي موجّهاً بصورة سليمة وشفافة من خلال الموازنة. لذا يتعين على أي موازنة، لهذه السنة أو للسنوات المقبلة، أن تكون وسيلة لتنفيذ خطة التنمية المستدامة.
هكذا، أصبح ضرورياً، بل مجدياً، إعادة الموازنة إلى مسارها الصحيح استناداً إلى معيارين: الشفافية، والمحاسبة. الشفافية تضمن حقّ المجلس التشريعي بمراقبة السلطة الإجرائية وتعاطيها مع الاعتمادات التي رصدها البرلمان لتغطية نفقة محدّدة مسبقاً بموضوعها وقيمتها. بمعنى آخر، لا يجوز عقد نفقة أو ترتيب دين على الدولة من دون الاستحصال على إجازة برلمانية مسبقة. غير أن تلك الإجازة تقضي أن تُبنى على معرفة وتيقن واستشراف لكي لا تشوبها عيوب الرضى. ففي ظل غياب الصدقية والالتزام في التنفيذ، ومع تعذّر الحصول على فرضيّات ماكرو اقتصادية مسبقة ودقيقة ومراقبة ملازمة فعّالة، لم تعد تتلاءم الآلية الكلاسيكية للعمل البرلماني مع المفهوم الحديث للمالية العامة، بل تفتح مجالاً للعديد من المخالفات والتجاوزات من دون إمكانية تحميل المسؤولية إلى طرف ما. الدليل على ذلك، هو جنوح الحكومات إلى التفلّت من قيد البرلمان في تخصيص النفقات من خلال تضمين الموازنة اعتمادات إجمالية تعيد الحكومة تخصيصها محلّ المجلس النيابي وفقاً للحاجة أو لتقديرات غير ثابتة. كما أن العرض المفصل للواردات والنفقات في الموازنة يطيل أمد المناقشات البرلمانية ويحول البرلمان من سلطة مراقبة سياسية إلى سلطة رقابة محاسبية. فكلما كانت النفقات مفصّلة، ازداد احتمال ارتكاب الأخطاء في تخمينها. لذا، من الضروري الانتقال من موازنة البنود إلى موازنة البرامج والأداء التي تعتمد تقسيماً وظائفياً بحسب المهام وتعطي الحكومة حيزاً من الحرية في تحديد الأولويات ونقل الاعتمادات ومرونة أكبر في الإدارة لتمكينها من تحقيق الأهداف والسياسات الاقتصادية والاجتماعية والإنمائية التي من أجلها عُينت وتم على أساسها منحها الثقة. هذا من شأنه إضفاء معنى سياسي حقيقي على تصويت البرلمان على الموازنة، ومن شأنه تكريس مراقبة فعلية لأعمال الحكومة على تحقّق النتيجة بدلاً من التصويت على الوسيلة الممنوحة لها. هناك تكمن أهمية المساءلة السياسية السنوية وبالتالي المحاسبة وطرح الثقة بالحكومة المتقاعسة أو الوزير المقصّر...
لا بدّ من التشديد على ضرورة إعطاء قانون المحاسبة العمومية قيمة تفوق قيمة القوانين العادية باعتباره متمّماً لأحكام الدستور المتعلقة بمالية الدولة


هناك إجراءات تتلازم مع هذا التطوّر منها مثلاً: إعادة إحياء وزارة التصميم العام، وجوب الفصل بين مهمّتي المالية وإعداد الموازنة، قيام الحكومة بتأمين معلومات كاملة ودقيقة ومتناسقة حول حسابات الدولة تحت طائلة ترتيب المسؤولية على القيّمين على الشأن العام كما واعتماد التكنولوجيا (financial cybernetics) في طور إعداد الموازنة ورصد الاعتمادات وتقدير الإيرادات لما تؤمّنه من تدنّ في هامش الخطأ البشري. كذلك، لا بدّ من التشديد على ضرورة إعطاء قانون المحاسبة العمومية قيمة تفوق قيمة القوانين العادية باعتباره متمّماً لأحكام الدستور المتعلقة بمالية الدولة. أما الأهم، فهو السهر الدائم على ربط أي تدبير في الموازنة أو رصد اعتماد أو فرض ضريبة و/أو رسم بوجوب إجراء دراسة واقع اقتصادي (Impact economic study) أو دراسة إكتوارية أو دراسة جدوى اقتصادية (Feasibility study) مسبقة، ناهيك بالارتكاز على إحصائيات حديثة موثّقة. وضمن مروحة الرصد والاستقصاء عينها لا يضير توسيع دائرة الاستشارات والمشاورات المسبقة لكي تشمل النقابات والمنظمات المهنية والهيئات الأكثر تمثيلاً لإغناء النقاش وتقديم الاقتراحات والأفكار ضمن ما يُسمى الموازنة التشاركية التي تحفّز المواطنية الضريبية.

* أستاذ محاضر في قانون الضرائب والمالية العامة، رئيس الجمعية اللبنانية لحقوق المكلّفين

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا