بعد سنة ونيّف من انفجار الأزمة المالية الاقتصادية، لا يزال الكثير من القوى السياسية والفعاليات الاقتصادية (Economic Actors) يغفل عن عمد أخطاء العقود الثلاثة الماضية. لكن هذا الواقع منطقيّ ومتناسق مع كل السياق الذي أوصلنا إلى ما نحن فيه اليوم. فالقوى المذكورة لا تزال ترى في من اتخّذ القرارات الاقتصادية - المالية خلال العقود الثلاثة الماضية «الإنسان الاقتصادي» (Homo economicus)، أي الإنسان المجازي الذي يتميز بالقدرة اللانهائية على اتخاذ قرارات عقلانية.


الاقتصادي السلوكي
تقليدياً، يعتمد الكثير من النماذج الاقتصادية، في بناء حساباته الرياضية، على افتراض أن البشر عقلانيون وسيحاولون تعظيم الاستفادة من المعطيات لتحقيق مخرجات هي عبارة عن المكاسب النقدية وغير النقدية. أي أن الفاعل الاقتصادي الذي يتخذ القرارات الاقتصادية (سواء على مستوى شخصي أو جماعي) سيقوم باتخاذ القرار على أساس تحقيق أعلى مستوى ربحية ممكن. لذا، تفترض هذه النماذج أن متّخذ القرار سيولي الأهمية القصوى لتعظيم تحقيق الأرباح.

أنجل بوليغان ــ المكسيك

لكن هذا قد يضرّ بدقّة النموذج الاقتصادي، بما هو نسخة مبسطة من الواقع تسمح بمراقبة السلوك الاقتصادي وفهمه والتنبؤ به. الالتفات إلى هذا العامل، بدأ مع إنشاء حقل الاقتصاد السلوكيّ. فقد أظهر الباحثون المختصّون في حقل الاقتصاد السلوكيّ أن البشر ليسوا عقلانيين في اتخاذ قراراتهم، حتى حين يكونون في موقع الفاعل الاقتصادي، وأن تعظيم الأرباح كعامل أساسي يتعرّض للتشويش من قِبل عوامل أقلّ عقلانية ليست ظاهرة، ولكنّها ذات تأثير أساسي. رائدا هذا المجال هما دانيال كانيمان وعاموس تفرسكي، اللذان طوّرا نظرية الاحتمالية (1979)، ثم نظرية الاحتمالية التراكمية (1992). الأولى، توصّف كيف يقيّم الأفراد احتمالات الربح والخسارة بطريقة غير متماثلة، وتقدّم نموذجاً رياضياً لتقييم الاحتمالات تدخل فيه أربعة عناصر تمثّل السلوك اللاعقلاني من وجهة نظر اقتصادية يسميها كانيمان بالتحيّزات الإدراكية، وهي:
-الاعتماد المرجعي (reference dependence): الأفراد يقيّمون النتائج المحتملة لخياراتهم بناء على نقطة مرجعية موجودة أو على الوضع الراهن.
-تجنّب الخسارة (Loss aversion): يرتبط هذا العنصر بعنصر الاعتماد المرجعي، وهو يُعنى بميل الأفراد لتجنّب الخسائر حتى ولو على حساب تحقيق المكاسب.
-تضاؤل الحساسية (diminishing sensitivity): يصبح الأفراد أقلّ حساسية نسبة إلى التغيّرات في الثروة كلّما ارتفعت قيمة المبالغ المأخوذة في الاعتبار.
-ترجيح الاحتمالات (probability weighting): لا يقيّم الأفراد نتائج خياراتهم من خلال احتمالاتها الموضوعية، بل من خلال الاحتمالات المتحوّلة بأوزان ترتبط بالعناصر الثلاثة آنفة الذكر.

«نظرية الاحتمالية» في حالة لبنان
كانت نظرية الاحتمالية تُعنى بتقديم نموذج رياضي يشرح الاحتمالات التي تتحكم بقرارات الأفراد المتمحورة حول تقييم المخاطر في نطاق الاقتصاد الجزئي (ولا سيما في مجال التأمين). وفقط في السنوات الأخيرة، بدأ الباحثون والاقتصاديون العمل على توسيع نطاقها لتشمل الاقتصادي الكليّ، نظراً لصعوبة إضافة العناصر الأربعة المذكورة إلى مجموع العناصر الأخرى في النماذج الاقتصادية المعقدة أساساً لدراسة الاقتصاد الكليّ.
تكمن صعوبة إضافة هذه العناصر، في أنها ستكون تعبيراً عن إضافة عناصر ومعادلات رياضية تختصّ بالأفراد أو بالفعاليات الاقتصادية التي ستتخذ القرارات في مجال الاقتصاد الكليّ، سواء كان الحديث عن مسؤولين حكوميين أو عن قطاع خاص (رؤساء وأعضاء مجالس الإدارات مثلاً).
وفي حالة الاعتماد المرجعي، سيصبح لزاماً أن تدخل النقطة المرجعية للفرد أو المجموعة في قياس قيمة الاحتمالات انطلاقاً من الوضع الراهن. يعني أنّه يجب على الباحث أن يمحّص في الوضع الراهن للفرد أو مجموعة الأفراد، الذين يشكّلون مجموع الفعاليات الاقتصادية، وكيف ينعكس هذا الواقع على انزياح مفهوم الرؤية الموضوعية عندهم بخصوص القرارات. بهذا المعنى لن تكون موضوعية القرارات مرتبطة بقيم أو بمعانٍ مطلقة موجودة في الكتب الأكاديمية المرجعية وفي الدراسات. بل سيكون هنالك انزياح لتقدير وقع القرارات انطلاقاً من الوضع القائم المحيط بالأفراد. وإذا أردنا إسقاط هذا العنصر على الحالة اللبنانية في العقود الثلاثة الماضية، يمكننا بسهولة فهم كيف مرّ قرار تثبيت سعر صرف الليرة اللبنانية والاستمرار به لمدة طويلة ناهزت الاثنين وعشرين عاماً!
فمن المعروف أن تثبيت سعر الصرف هو أداة سياسية تستخدمها الحكومات لأجل رفع القدرة الاستهلاكية للسكان، ما سينعكس زيادة شعبية للسلطة. لذا، في العادة تطبّق الحكومات هذه السياسة لمدّة محدودة جداً قبل مواسم الانتخابات، لأن عواقب استمرار دعم سعر الصرف وخيمة (كما سيشرح أي اقتصادي لأي سياسي سيستشيره). لكن في لبنان، كل القوى السياسية المشاركة في السلطة خلال تسعينيات القرن الماضي وكل المسؤولين الماليين والاقتصاديين ركبوا قطار تثبيت سعر الصرف لأجل غير مسمّى. فهل كانت كل هذه القوى والشخصيات جاهلة؟
حتماً لا. فنقاشات تلك الفترة تزخر بآراء السياسيين (داخل النظام وخارجه) والاقتصاديين (ممن كان داخل الحكم وترك منصبه وممن كان خارج الحكم) الذين نبّهوا من مخاطر سياسة تثبيت سعر الصرف. لكن النقطة المرجعية لكل من مرّر ووافق ودعم سياسة تثبيت سعر الصرف كانت الرئيس رفيق الحريري. بالنسبة له، كانت النقطة المرجعية هي بناء شعبية تؤهّله ليكون زعيماً سياسياً وليس موظفاً برتبة رئيس مجلس وزراء فقط. ما أسهل الطرق للزعامة في مجتمع دمّرته الحرب الأهلية؟ الأرجح أن الإجابة لديه كانت تثبيت سعر الصرف لرفع القدرة الاستهلاكية عند اللبنانيين (خصوصاً أهل المركز - بيروت وجبل لبنان). لذا، حين تصبح النقطة المرجعية هي هذه، سيحصل انزياح في الرؤية الموضوعية عند الفعّاليات الاقتصادية (بالأخص الرسمية منها) بخصوص قرار تثبيت سعر صرف الليرة ومداه الزمني. فتصبح النظرة الموضوعية لقرار كهذا أنّه قرار فعّال، ويصبح من غير الموضوعي النقاش في آثاره طويلة الأمد. بل يتحوّل كل معارِض لهذه السياسة إلى شخص غير موضوعي يستهدف جوراً الطاقم السياسي الموافق لسياسات الحريرية الاقتصادية.
أمّا بالنسبة لعنصر تجنّب الخسارة، فنظرية الاحتمالية تشرح أن الأفراد يميلون دائماً إلى تفضيل تجنّب الخسارة على تحقيق الربح، حتى وإن كانت الاحتمالات متساوية. فمثلاً إذا عُرض خياران على الفرد: خيار (1) احتمال 90% لربح خمس دولارات، و10% لخسارة 100$، وخيار (2) احتمال 50% لربح 110$ و50% لخسارة 100$؛ سيفضّل الفرد الخيار (1) بالرغم من أن الأرباح من الخيار (2) أكبر بكثير.

سلوك المصارف: أين الربح والخسارة؟
عندما ندرس قرارات الفعاليات الاقتصادية (في القطاع الخاص تحديداً) في لبنان سنجد أنّ هذا العنصر كان ملازماً لخياراتها. ولا سيما إذا ضيّقنا إطار البحث، عندها سنفهم القرارات غير المنطقية للمصارف اللبنانية في دخول لعبة المخطط الهرمي الذي بناه مصرف لبنان لتمويل تثبيت سعر الصرف وكل ما استتبعه من استهلاك مفرط. فالخسارة التي أرادت المصارف أن تتجنّبها ليست خسارة مالية مباشرة. فمصرف لبنان ضمن لهم الأرباح المالية والحرية في تحويلها إلى الخارج، وإلّا لما كان هنالك سؤال كبير عن مصير ومكان ثلاثين مليار دولار من أرباح المصارف. لكن الربح والخسارة كانا في موقع وحصّة المصارف من السوق المالية في لبنان. فالخروج من لعبة المخطط الهرمي كان يعني عدم القدرة على مجاراة نسب الفائدة في السوق، وتالياً عدم القدرة على اجتذاب ودائع كبيرة، أي أن حصّة المصرف من السوق ستتقلّص. الربح في هذه الحالة سيكون الحفاظ على ملاءة المصرف وقدرته على تلبية زبائنه والمودعين فيه حين تقع الكارثة - وقد وقعت في النهاية. لكن المصارف قرّرت تفضيل تجنّب خسارة الحصّة السوقية الآنية (خصوصاً أن أرباحها المالية على المدى القصير مضمونة ومغرية) على حساب كسب موقعها في السوق على المدى الطويل. وما صرخة جمعية المصارف، الرافضة لإنشاء ثلاثة مصارف جديدة في خطة التعافي المالي التي اقترحتها الحكومة المستقيلة، إلّا تعبير عن الموقع الذي كانت ستحتلّه هذه المصارف في الواقع الجديد (الربح الكبير الذي ستُحرم المصارف القديمة من المشاركة فيه).
المصارف فضلت تجنّب خسارة الحصّة السوقية الآنية على حساب كسب موقعها في السوق على المدى الطويل، خصوصاً أن أرباحها المالية على المدى القصير مضمونة ومغرية


وأكثر العناصر تعبيراً عن قدرة النظرية الاحتمالية على التقاط الواقع هو عنصر تضاؤل الحساسية. ففي النظرية الاحتمالية، كلّما كبرت قيمة المبلغ المعني تقلّ حساسية الفرد في الخسارة أو الربح. وهذا يعني أنه إذا عُرض على الفرد خياران: الخيار (1) خسارة 5$ على صفقة قيمتها الإجمالية 25$، والخيار (2) خسارة 15$ على صفقة قيمتها الإجمالية 125$؛ سيختار الخيار الثاني رغم أن القيمة المطلقة للخسارة أكبر. وهذا يعني أن قيمة الخسارة أو الربح تتأثر بحجم المبلغ.
سلوك كهذا، يفسّر كيف أن الفعاليات الاقتصادية ستنساق لتراكم خسائر كبيرة رغم أن القيمة المطلقة لهذه الخسائر يجب أن تشكّل تحذيراً من الاستمرار في السياسات عينها. وفي حالتنا يمكن أن نفهم كيف انجرّت كل الفعاليات الاقتصادية، الرسمية والخاصة، في طريق مراكمة الخسائر في حساب المدفوعات على مدى سنوات طويلة من دون القلق أو النظر إلى حجمها المطلق والإجمالي. فقيمة الأصول والعمليات المالية في البلد كانت مضخّمة إلى حد تتضاءل معه حساسية الفعاليات الاقتصادية في مراكمة الخسائر، ولا تنظر مجالس إدارات مصارف، أو لا ينظر مسؤولون ماليون واقتصاديون، بعين الرعب إلى العجز المتراكم في حساب المدفوعات وتبعات ذلك على اقتصاد هشّ كاقتصاد لبنان. لا بل تمعن كل الفعاليات الاقتصادية في الاستمرار في لعبة المخطط الهرمي.
تسهم العناصر الثلاثة المذكورة، في صناعة العنصر الرابع وهو ترجيح الاحتمالات. أي أن قيمة الاحتمالات لدى الفرد (أو الفعاليات الاقتصادية) لن تكون موضوعية مبنية على القيمة المطلقة للخيارات، بل مبنية على تدخّلات «لا عقلانية» لعناصر تصنع التفضيلات الشخصية عند الفرد. وهكذا نرى أن كل الفعاليات الاقتصادية التي اشتركت في الهندسات المالية كانت تعمل على أساس حساب احتمالات غير تلك التي يمكن أن يحتسبها أي شخص أو فعاليات اقتصادية من خارج المنظومة اللبنانية.
كل هذه الفعاليات - من مصرف لبنان (وحاكمه) إلى المصارف والسياسيين (الذين أقحموا مصارفهم المحرومة من المشاركة ابتداء في الهندسات) - كانت تبني نماذج لاتخاذ القرارات لا يمكن تطبيق أي نموذج اقتصادي كلاسيكي عليها. هذه النماذج التي بُنيت على سياقات ما بعد الحرب الأهلية، هي السبب الرئيسي وراء الانهيار وليس العامل الخارجي المباشر والمستجد منذ عام 2017، وهو لم يكن سوى عامل مساعد. المشكلة الأساسية لا تكمن في شخص واحد، أو مجموعة من الأشخاص أو حتى طبقة حاكمة، حين يُستبدلون ستُحلّ الأمور. الأزمة عميقة ولبّها نموذج اتخاذ قرارات، ينسحب على كل الفعاليات الاقتصادية اللبنانية، ونقطة اعتماده المرجعي معيوبة اقتصادية.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا