كلما ازداد عدد ضحايا الرأسمالية وكثر نقّادها، بلغ التشكيك في هذا النظام الاقتصادي حدّ الرفض. هذا التشكيك يستفزّ المدافعين عن الرأسمالية. فيلجأ هؤلاء إلى إطلاق الأوصاف بقصد تجميل هذا النظام العالمي، ويحاولون صرف الانتقادات عنه. فيذهبون إلى القول بأن الرأسمالية التي يؤيدونها هي جانب محدّد من النظام مثل «السوق الحرة» التي تستقلّ عن التدخل الحكومي إلا بالحدّ الأدنى منه، أو يسألون عما إذا كانت رأسمالية تنافسية بالمطلق، أو رأسمالية «واعية»، أو رأسمالية «عطوفة»، أو أنها تتحلّى بمسؤولية اجتماعية أو تقدمية، أم أن لها صفات أخرى. وللتعمية عن وحشية النظام الرأسمالي، يذهب المدافعون عنه إلى انتقاد بعض صفاته، وقد يذهبون أبعد أيضاً فيصوّرون الرأسمالية على أنها تفتقر إلى بعض الصفات التي يحبونها هم، لذلك هي برأيهم غير حقيقية.

وضع الصفات بهدف التمييز بين أنواع الرأسمالية، يسمح للمدافعين عنها قبول بعض الانتقادات. ويقول هؤلاء، إن هذه الانتقادات تنطبق فقط على أنواع معينة من الرأسمالية التي يرفضونها لمصلحة نوع آخر مفضّل لديهم. وتصبح العيوب التي يذكرها النقاد عيوباً لا تتعلق بالرأسمالية بحدّ ذاتها. ويحثنا هؤلاء بعد ذلك، على تركيز انتباهنا على التحول من النوع القائم من الرأسمالية إلى نوع آخر. فمن خلال التحوّل إلى نوع مختلف من الرأسمالية، ذي صفة مختلفة، سوف تختفي العيوب التي يتحدث عنها النقاد.
بهذا المنطق، يمكن لمحبي رأسمالية «السوق الحرّة»، على سبيل المثال، قبول جميع الانتقادات للرأسمالية القائمة. ويمكنهم أيضاً إدانة عدم المساواة وعدم الاستقرار والظلم. ويوضح هؤلاء أن «نوع» الرأسمالية القائم يفتقر إلى سوق «حرة» بالمطلق بعيدة من أي تدخل حكومي. وهم يحثّون على انتهاج السياسات التي تنقل الاقتصاد من الرأسمالية التي تنظمها الحكومة إلى «السوق الحرّة» التي تشكّل النوع الذي يفضلونه. ويمكن لمناصري النوع «التنافسي» من الرأسمالية، الانضمام إلى نقّاد النوع «الاحتكاري» منها. وهم ينزعون العلل الاجتماعية عن الرأسمالية وينسبونها إلى صفة «الاحتكار».

أنجل بوليغان ــ المكسيك

ويقترح مناصرو الرأسمالية التنافسية الحل التالي: اتخاذ خطوات لمكافحة الاحتكار تمهيداً لتأسيس رأسمالية تنافسية يعتبرونها الأفضل. ويُعتبر دعاة التقدم و«المسؤولية الاجتماعية» من بين المدافعين عن الرأسمالية من خلال استخدام صفات تجميلية لها، فهم يجدون أن الرأسمالية التي يحرّكها هدف واحد هو الربح، هي نوع يسبّب كل العلل الاجتماعية، وأنه يمكن لنوع مختلف من الرأسمالية أن يصحح هذه العلل بإضافة المسؤولية الاجتماعية إلى أهداف ومعايير أخرى تحقق نجاح الرأسماليين. ويمثل هذا النوع «المتعاطف» من الرأسمالية العالم الأفضل الذي يبحثون عنه.
وبالنسبة إلى المدافعين، إن وضع الصفات قبل كلمة «الرأسمالية» يزيل الانتقادات عن مفهوم «علاقات الإنتاج»، وهو مفهوم أساسي عند الرأسمالية. فيصبح تركيز التحليل على الصفة وليس على الاسم... هذا الاسم، أي الرأسمالية، هو العلاقة بين صاحب العمل والعامل التي تبني المؤسّسات المنتجة للسلع والخدمات، والتي بدورها تدعم الاقتصاد وبالتالي تحقق التنمية الاجتماعية.
وتُعرَّف الرأسمالية، بكيفية تنظيمها للإنتاج. فالعلاقة بين صاحب العمل والعامل هي ما يميزها عن العلاقة بين السيد والعبد في نظام العبودية، أو العلاقة بين اللورد والقنان في نظام الإقطاع، أو الهيكل الاقتصادي لنظام العمل الحر، وما إلى ذلك.
يمكن الجمع بين الصفات الرأسمالية، على طريقة دونالد ترامب، برفع شعار القومية الاقتصادية الذي جعل عنوانه «لنجعل أميركا عظيمة مرّة أخرى». كان بإمكان ترامب، وقد حاول، انتقاد أنواع الرأسمالية، لكونها «معولمة» أو «غير وطنية»، لأنها استعانت بمصادر خارجية ونقلت الإنتاج إلى خارج حدود الولايات المتحدة، ولأنها عزّزت الهجرة إلى أميركا. لذا دعا إلى نوع من الرأسمالية تحت شعار «أميركا أولاً»، ولم يخطر في باله للحظة واحدة انتقاد الرأسمالية بحدّ ذاتها.
يمكن أيضاً دمج استعمال هذه الصفات للدفاع عن الرأسمالية مع «الليبرتارية» (Libertarianism). عندها يمكن لمن ينتقد النوع القائم من الرأسمالية أن يلقي اللوم على تدخلات الحكومة وسياساتها الخاصة بـ: الضرائب، اللوائح، التفويضات، وما إلى ذلك. وتركّز مقترحات سياسة «الليبرتاريين» على تقليل تدخّل الحكومة في الاقتصاد الرأسمالي أو إلغائه. وهدفهم هو تجسيد رأسمالية «السوق الحرة».
في المقابل يركّز «الكينزيون»، وفئات معينة من «الاشتراكيين»، على الصفات البديلة للرأسمالية. غالباً ما تشير انتقاداتهم لأنواع الرأسمالية القائمة، إلى عدم المساواة في الدخل وتوزيع الثروة، وعدم الاستقرار الدوري (cyclical instabilities)، وما إلى ذلك. بالنسبة إلى هؤلاء، تعود هذه المشاكل إلى الإدارة غير الكافية التي تتبعها الحكومة في التعامل مع النظام الاقتصادي، إذ إن التدخلات الحكومية هي في رأيهم قليلة جداً ومقيدة للغاية. ولذلك فإن الكينزيين يروجون لنظام تكون فيه تدخلات السياسات النقدية والمالية الحكومية أساسية، وهذا نوع من الرأسمالية التي تديرها الدولة بمفهوم كلي. ويعتقدون أن ذلك يمثل طريقة للتغلب على مشاكل المركزية والدورية للرأسمالية (بحسب مصطلحات كينز).
من ناحية أخرى، يريد الكينزيون الذين يميلون إلى اليسار، أن تقلّل التدخلات الحكومية من حدّة عدم المساواة في الدخل وتوزيع الثروة. غالباً ما يطلق هؤلاء على أنفسهم اسم الاشتراكيين (socialists). لكنهم في الواقع يرفقون مع مصطلح الرأسمالية صفات «دولة الرفاهية» أو «الديمقراطية الاجتماعية» أو «النمط الاسكندنافي». كثيرون منهم لا يشكّكون ولا يعارضون في علاقة صاحب العمل بالعامل في مكان العمل والتي تُعدّ من أسس الرأسمالية. وهو أمر لا يفعله الكثير من «الشيوعيين» الذين يريدون أن تمتلك الدولة المؤسّسات وتديرها على أساس التمييز بين أرباب العمل والعمال. فإذا احتفظت المؤسّسات بالتنظيم الرأسمالي الأساسي للإنتاج، أي التمييز بين رب العمل والعامل، فإن هذا الاقتصاد يكون نوعاً من الرأسمالية، حتى لو أطلق عليه المدافعون اسم «الاشتراكية» أو «الشيوعية».
من المهم أن نلاحظ أن هؤلاء الاشتراكيين والشيوعيين، هم كما «الليبرتاريين» و«الكينزيين»، جميعهم يقبلون أن أماكن العمل يجب أن تُنظم على أساس التمييز الرأسمالي بين أصحاب العمل والعمال. وعندما ينحازون إلى شركات تنظمها أو تملكها وتديرها الدولة كنُظم اقتصادية أفضل من الرأسمالية، نادراً ما يشككون في التنظيم الداخلي لتلك الشركات. ويبدو الأمر كما لو أن الطبيعة والتكنولوجيا والتاريخ لا تستطيع أن تفرض أي نظام آخر في مكان العمل غير التمييز بين صاحب العمل والموظف! إن اشتراكيتهم وشيوعيتهم ليستا إلا صفتيْن تميّزانهم عن أنواع مختلفة من الرأسمالية.
لقد حان الوقت لفضح وتحدّي جوهر الرأسمالية المتمثل بنظام التمييز بين أرباب العمل والعمال في المؤسسات الخاصة والحكومية


لكنّ الاشتراكية والشيوعية، لهما أيضاً مدافعون يعرّفون هذه المصطلحات على أنها تشجّع على نظم مختلفة جذرياً للمؤسسات. فبدلاً من التقسيم الرأسمالي بين أرباب عمل وعمال، يسعى هؤلاء الاشتراكيون والشيوعيون إلى إضفاء الطابع الديمقراطي على التنظيم الداخلي للشركات. وهذا يعني أن يكون لجميع المشاركين في عمل المؤسسة أصوات متساوية في تحديد ماذا وكيف وأين يحدث الإنتاج وكيف يتم التصرّف به. ومن المثير للاهتمام، أن تجاوز الرأسمالية عملياً موجود في بعض المؤسسات منذ وقت طويل وفي جميع أنحاء العالم. وفي بعض الأحيان، ساعد الاشتراكيون والشيوعيون في إنشاء العمل التعاوني.
تحتاج نقاشاتنا الحالية حول مشاكل مجتمعنا وآفاقه إلى إعادة تصويب الحوار والذهاب إلى ما وراء الصفات المختلفة للرأسمالية. لقد حان الوقت لفضح وتحدّي جوهر الرأسمالية المتمثل بنظام التمييز بين أرباب العمل والعمال في المؤسسات الخاصة والحكومية. نحن بحاجة إلى التخلّي عن المحظورات في مناقشة كيف يجب علينا تنظيم أماكن العمل، حيث يقضي معظم الراشدين حياتهم. ويشكل النظام في مكان العمل المجتمع بعدّة أوجه. وقد توجد دائماً أنظمة مختلفة في مكان العمل، ويمكن أن يساعد التغيير، من طغيان نظام معين إلى نظام آخر، في حل المشاكل الاجتماعية. ولتحقيق هذه الغاية، نحتاج إلى تحدي نظام الرأسمالية في أماكن العمل، وليس إلى افتراض حتميته باعتباره سجناً غير معترف به.
النقاشات الدائرة اليوم حول «السوق الحرّة» و «السوق التي تنظمها الدولة»، توازي النقاشات التي دارت في زمن العبودية. الأولى لم تُحسَم بعد، فيما انتهت الثانية بإلغاء العبودية. فكانت النقاشات تدور بين العبودية «القاسية» والعبودية «المتعاطفة». فحاول الأسياد حينها إنقاذ نظام العبودية من خلال تركيز النقاش على الاختيار بين النوعين. ومع ذلك، أدرك الناس في النهاية أن المشكلة لا تتعلق بنوع العبودية الموجودة، إنما هي في أن العبودية نفسها يجب أن تنتهي. كذلك شهدت النقاشات حول النظام الملكي انقساماً بين مؤيدين لوجود مستشارين برلمانيين وبين معارضين لهذه الفكرة. وحاول الملوك تقديم أنواع بديلة من الملكية تحمي بقاء النظام. لكن في النهاية، قرّر الناس أن ما هو مطلوب ليس هذا النوع أو ذاك من الملكية، بل إلغاء النظام الملكي. ويبدو أن النظام الرأسمالي بات يواجه المسار التاريخي نفسه للأنظمة البائدة.

*هذا المقال نُشر في مدوّنة ريتشارد وولف rdwolff.com

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا