الطاقة الكهربائية سلعة ضرورية، إنما لها حالياً، تأثير سلبي مزدوج على ميزان المدفوعات أولاً، لجهة كلفة الإنتاج وأثر ارتفاعها على القدرات التصديرية، وثانياً لناحية فاتورة الاستيراد.

لا يتم توفير الكهرباء عبر الشبكة الوطنية إلا لنصف الوقت، فيما 84% من المساكن موصولة بمولدات خاصة للمباني، أو غالباً بمولدات الأحياء التي تقاسم أصحابها المناطق تحت حماية الأحزاب الطائفية، كل حزب في ما يعتبره «منطقته».
تتصدّر الكهرباء بشكل دوري قائمة برامج «الإصلاح» (البنك الدولي، سيدر...) على اعتبار أن ترتيب أوضاع القطاع يمثّل العلاج الشافي لكل مشكلة العجز العام. وغالباً، تكون موضوع اتهامات متبادلة بين زعماء الطوائف، بحيث يدعي البعض أنه مُنِعَ من تأمين الكهرباء على مدار الساعة، بينما يحملهم البعض الآخر مسؤولية شبه كاملة عن الدين العام عبر ربطه بـ«خسائر» مؤسسة كهرباء لبنان.
بالنسبة إلى كثيرين بات وضع الكهرباء في لبنان لغزاً غير مفهوم. لكن التفسير بسيط. يكفي لتبيانه اتباع مسار الأحداث وإدراك عدم وجود قرارات ناتجة عن توجه قطاعي متماسك، وإنما سلسلة من عمليات التكيّف التي تراكمت مفاعيلها. حالة الكهرباء المأساوية هي نتيجة لمآسي النظام الاقتصادي، وليست سببها.


حتى ستينيات القرن الماضي، كان إنتاج الكهرباء وتوزيعها بيد أصحاب امتيازات خاصة. ولم تغطِّ الشبكة سوى المدن ومناطق الاصطياف فقط. أنشئت مؤسسة كهرباء لبنان في الستينيات لإيصال التيار إلى كل المناطق، وهو ما تم تحقيقه بسرعة. وجّهت الحرب ضربة قاسية لمؤسسة كهرباء لبنان. قامت الميليشيات المسيطرة على مواقع الإنتاج أو التحويل بابتزاز المناطق التي تسيطر عليها الميليشيات الأخرى. لم يعد ممكناً تأمين استمرارية التموين بالمحروقات ودورية أعمال الصيانة. سُرقت كابلات النحاس. توقف دفع الفواتير... أدّى انقطاع التيار الكهربائي إلى تركيب البدائل: البطاريات، والمولّدات المنزلية الصغيرة، والمولدات المتوسطة الحجم في المؤسسات، التعليق على أشرطة الشبكة عند حدود منطقتي تقنين للحصول على التيار الكهربائي خلال دورتين.
مع نهاية الحرب أدت الاستثمارات في الإنتاج والتوزيع إلى استعادة التغذية بالطاقة الكهربائية بشكل متواصل بدءاً من عامي 1996 و1997.
حكمت إعادة الإعمار بالوهم السائد في ذلك الوقت حول مستقبل المنطقة ودور لبنان فيها. بالنسبة إلى الكهرباء، اعتُمد خيار توربينات ذات دورة مركبة، وأقيمت في الزهراني (جنوب صيدا)، وفي البداوي (شمال طرابلس)، على مواقع محطتي ومصفاتي النفط المهجورتين اللتين كانت تملكهما شركتا «نفط العراق» (IPC) و«خط النفط العربي» (tapline). صُمّمت التوربينات للعمل على الغاز باعتبار أن «السلام» آتٍ وسيصبح بالإمكان استيراد الغاز من مصر، وهي تعمل أيضاً على المازوت، الديزيل أويل، كمحروق بديل، لكنه أغلى ثمناً من الغاز ومن الفيول أيضاً.
أيضاً حكمت إعادة الإعمار بالعادات الموروثة من الحرب. بعدما تحول قادة الميليشيات إلى «رجال دولة»، فرض كلّ منهم بناء محطات كهرباء في ما بقي يعتبره «منطقته». لذلك، تمت عمليات صيانة لمحطات الطاقة القديمة التي تعمل على الفيول في الزوق (جنوب جونيه) والجية (الشوف)، وبُني معملان صغيران جديدان في بعلبك وفي صور، على أن يجري تزويدهما بالديزل بواسطة الشاحنات. فرضت هذه الخيارات أكلاف إنتاج مرتفعة جداً، لا سيما لناحية الكلفة الحديّة.
تم تعديل التعرفة على فرضية سعر 25 دولاراً لبرميل النفط ومعدل «هدر غير تقني» (أي سرقة التيار) بنسبة 25%. اعتُمدت التعرفة نظاماً تصاعدياً إنما مع رسوم اشتراك ثابتة، ما جعل الكلفة الوسطية بحسب الكميات المستهلكة تتبع شكل (U). فكان وقع التعرفة، وبالتالي وقع الدعم وما سمي بالخسارة، تراجعياً لـ «الفقراء» وتصاعدياً لـ«الأغنياء». وسمحت التعرفة للامتيازات القليلة المتبقية التي توقفت عن الإنتاج، بجني أرباح سهلة توزّع أجزاء منها على الزعامات المحليّة من خلال شراء التيار من مؤسسة كهرباء لبنان بنصف سعر المبيع الذي يتحمله المستهلك النهائي.
كانت نقطة التحول في عام 1997. تعطّلت «عملية السلام» في المنطقة وكذلك نموذج إعادة الإعمار الذي راهن على نجاحها. لم يأتِ الغاز. بل أفلت الدين العام من عقاله. وجفّت احتياطات العملات الأجنبية الصافية لدى مصرف لبنان، وارتفعت مخاطر حصول أزمة مالية.
بدلاً من اعتراف السلطة بفشل رهاناتها التي جعلتها تعتقد أنه يمكنها اعتماد سياسة مالية ونقدية توسّعية ترضي رغبة الاستهلاك لدى الناس عند انتهاء الحرب، وتؤمّن الموارد اللازمة لقادة الميليشيات بشكل خاص، لتنظيم قبضتهم الزبائنية وتجذيرها، اختارت السلطة الإنكار والمكابرة فاعتمدت سياسة تقشفية من دون الاعتراف بها. لجأت إلى ابتداع وهم مالي ونقدي قائم على تمويل احتياطات مصرف لبنان من خلال اقتراض العملات الأجنبية من المصارف التجارية، وبالتالي ابتداع «الدولار اللبناني». في ما خصّ الكهرباء تُرجم ذلك بوقف الاستثمار لتقليل العجز العام، فيما استمرّ الاستهلاك في الارتفاع لكون التعرفة لم تُعدل، وإنما أيضاً، وهذا الأهم بتقنين استيراد الفيول لتقليل عجز الحساب الجاري.
هكذا بدأ تقنين الكهرباء. سرعان ما انتشرت مولّدات الأحياء على نطاق واسع. لم تكن حسابات مصرف لبنان واحتياطاته تتأثر بمشتريات الوقود لتشغيل تلك المولدات، لأن ثمن الاستيراد كان يُدفع من الأصول الخارجية للمصارف. استمر هذا الوضع نحو 20 عاماً. لكن الأمر تغيّر بمجرد استحواذ مصرف لبنان على الأصول الخارجية للمصارف. لم يعد لهذا الترتيب من فائدة. مع انفلات سعر الصرف، كان على مصرف لبنان إنشاء آلية لدعم شراء المشتقات النفطية على أساس سعر 1508 ليرات للدولار. إلى ذلك أدّى انخفاض أسعار النفط العالمية بعد انتشار وباء «كوفيد -19» إلى تقليل كلفة هذا الدعم.
يتم تناول مسألة الكهرباء من ثلاث زوايا، جزئية ومنحرفة:
* تتكبد مؤسّسة كهرباء لبنان خسائر فادحة. هذا صحيح، لكن الخسائر ناتجة بشكل رئيسي من دعم الاستهلاك، وثانوياً من سرقة الطاقة وارتفاع كلفة الإنتاج. الأهم من ذلك، أن كل إيرادات مؤسّسة كهرباء لبنان تحصل بالليرة اللبنانية. فيما كلفة الاستثمارات والمحروقات تُدفع بالعملات الأجنبية من احتياطيات مصرف لبنان مباشرة. الوضع في قطاع الكهرباء هو العكس تماماً لوضع الهاتف الخلوي. فحتى الأزمة كانت إيرادات الهاتف الخلوي تُجمع بالدولار، فيما الأسعار استُبقيت على مستوياتها في مطلع التسعينيات، فأصبحت الأعلى في العالم مع إمكانية شبه معدومة للتهرّب من دفع الفواتير، ما سمح بفرض اقتطاعات شبه ضريبية وبإدخال عملات أجنبية إلى مصرف لبنان. اللافت أن أي تعديل جدّي لم يحصل في الحالتين على التعرفات الاسمية، تخوّفاً من إثارة جدل سياسي واجتماعي وانسجاماً مع منطق الهروب من القرار. تحت إشراف البنك الدولي، تم تمرير قانون الكهرباء في أعقاب مؤتمر «باريس 2»، وهو يستند إلى مقولة «التفكيك» أي فصل الإنتاج والنقل والتوزيع. تبقى الشبكة ملكاً للدولة لتؤمّن نقل التيار الكهربائي. في الوقائع، تم تفويض مهمة التوزيع (الوصلات، العدادات، الجباية) لشركات خاصة من دون أن يُحدث ذلك أي تغيير ملموس.
كلفة الإنتاج مرتفعة بشكل خاص. تم اقتراح عدد لا يحصى من المشاريع بعضها مرتبط بنوع الوقود من فحم وغاز وفيول ونفايات للتوربينات ومن مازوت للمولدات، وبعضها متعلق بالاتصال بالشبكات المناطقية لاستجرار الطاقة (وهو ما يحدث بالفعل من سوريا)، وبعضها مرتبط بمصادر الوقود كاستجرار الغاز الطبيعي عبر خط الأنابيب (تنطلق من مصر مروراً بالأردن وسوريا وصولاً إلى شمال لبنان، وقد وقعت اتفاقيات منذ عام 2008، لكن الولايات المتحدة تمنع نقل الغاز عبره بسبب العقوبات المفروضة على سوريا)، أو استيراد الغاز السائل بحراً (مع معامل إعادة التغويز على اليابسة أو العائمة على سفن مستأجرة، إلا أن زعماء الطوائف اختلفوا على مواقع المصانع وانتهوا باقتراح إنشاء 3 مصانع على خطّ ساحلي بطول 200 كيلومتر) ناهيك عن انتظار اكتشاف النفط أو الغاز في البحر.
كل هذه المشاريع، مهما كانت صيغتها التنفيذية، سواء عبر الاستثمار العام، عبر عقود البناء والتشغيل والانتقال (BOT) أو الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP)، أو غيرها، واجهت عائقاً مستحكماً وواضحاً منذ اللحظة الأولى وهو عجز الحسابات الخارجية. الطبيعة الرأسمالية الكثيفة للإنتاج (يطالب الممولون بضمانات العملات الأجنبية لاستيفاء ديونهم أو لاستهلاك استثماراتهم، سواء حصل إنتاج أم لا، أي سواء موّل مصرف لبنان استيراد الوقود أم لا)، والحصّة الطاغية لقيمة الوقود المستوردة من مجمل الأكلاف، تفرضان تخصيص العملات الأجنبية التي باتت شحيحة منذ عام 1997، والتي افتُقدت منذ الأزمة. وهذا ما دفع إلى استئجار بواخر تركية ترسو في البحر مقابل معامل مؤسسة كهرباء لبنان.
* نسجت المافيا شبكتها في الهيكل المتصدع. استفادت من الفشل والقصور اللذين يحكمان أداء القطاع، ترسّخت مجموعة من المصالح الخاصة سواء لناحية تأمين التيار الكهربائي أو العملات الأجنبية، ما أدى إلى زيادة الأكلاف على المستهلكين وعلى المالية العامة. مولّدات الأحياء تسعّر الكهرباء أكثر بثلاثة أضعاف تعرفة مؤسسة كهرباء لبنان. كارتل مستوردي النفط يستفيد من شروط في العقود، ومن حصريّة في التلزيمات تسمح بزيادة السعر بنسبة تصل إلى 25% مقابل قبوله تأخير الدفع، مع تلاعب بالجودة يضاعف كلفة الصيانة، فضلاً عن الامتيازات الوهمية التي تحوّلت إلى قنوات نهب.
سواء بسبب التجاهل، عن سذاجة أو عن غرض، للمعطيات الواقعية (الكلفة الحقيقية للطاقة الناتجة عن الفاتورة المزدوجة من الشبكة العامة والمولدات، أو الأكلاف الإضافية الناتجة عن تشتت مواقع الإنتاج، أو الوفور المفترضة من نقل التيار الكهربائي على المستوى الوطني وعلى المستوى المناطقي وأيضاً مقارنة بنقل الوقود) أو بسبب الارتباك التلقائي أو المناوِر، حيال الخيارات والقطاعات الفعلية (التأثير على الحسابات العامة والحسابات الخارجية، والعلاقات بينهما، فضلاً عن الأثر البيئي المدمّر) أو بسبب تجزئة المقاربات (بين مقاربة تقنية وأخرى محاسبية، منفصلتين عن اعتبارات إعادة التوزيع والسياسة الصناعية)... تبقى النقطة المركزية هي عدم القدرة على اتخاذ القرار.
كون القرارات صعبة ولا تخلو من المخاطرة لا يعفي بأي شكل من الأشكال من موجب حسمها ولا يجيز استدامة حالة نشأت تحت التأثير المشترك لرهانات قديمة غير موفقة، ولاضطرابات إقليمية مستمرة تفرض درجة عالية من انعدام اليقين، ولمصالح مافياوية ترسخت في مختلف حلقات السلسلة.
تحت إشراف البنك الدولي، تم تمرير قانون الكهرباء في أعقاب مؤتمر «باريس 2»، وهو يستند إلى مقولة «التفكيك» أي فصل الإنتاج والنقل والتوزيع. أي أن تبقى الشبكة ملكاً للدولة لتؤمّن نقل التيار الكهربائي. في الوقائع، تم تفويض مهمة التوزيع (الوصلات، عدادات الجباية) لشركات خاصة من دون أن يُحدث ذلك أي تغيير ملموس


تتمحور القرارات التي نرى من الواجب اتخاذها حول ركنين:
1. تنظيم الاستهلاك من خلال التعريفات وأحكام مالية مكملة تجمع الضرائب والإعفاءات والدعم، من أجل:
- تقليل الاستهلاك وخصوصاً خلال ساعات الذروة (التدفئة الشمسية، عزل المباني، اختيار الأجهزة المنزلية والصناعية، وغيرها...).
- جعل كلفة الاستهلاك المنزلي تصاعدية فعلاً وبشدة.
- الحدّ ما أمكن من كلفة الطاقة للأنشطة الإنتاجية بحسب حجم قيمتها المضافة، وصافي صادراتها، وعديد الوظائف التي تؤمنها.
لكي تؤتي هذه التدابير التأثيرات المرجوة منها، من الضروري تركيب عدادات تتلاءم مع صيغ تكييف الأسعار، ووضع اليد على المنتجين غير القانونيين. تجدر الإشارة إلى أن الكلفة المنخفضة جداً للطاقة في العديد من دول المنطقة واتفاقيات التجارة الحرّة العربية، ساهمتا عملياً بتدمير فروع من الأنشطة الصناعية كانت تعتمد على الاستخدام الكثيف للطاقة (مثل الزجاج والألمنيوم وغيرهما) يجب أن يكون هذا الإجراء مصحوباً بسياسة لإعادة التنظيم الصناعي تقضي بنقل حلقات الإنتاج ذات الاستهلاك العالي للطاقة إلى البلدان حيث كلفة الطاقة منخفضة. ويجب أن يتواكب أيضاً مع مفاوضات سياسية على المستوى الإقليمي (مصر ودول الخليج...) تأخذ في الاعتبار المصارف المتبادلة لجهة التموين والتنويع والتجارة وموازين القوى.
2. تنويع أنماط إنتاج الطاقة للتخفيف من المخاطر التكنولوجية (التطوّر السريع لكلفة الإنتاج من الرياح أو الخلايات الكهروضوئية)، وكذلك الاقتصادية (تقلبات أسعار الوقود أو حتى اكتشاف حقول نفط وغاز) أو السياسة (موثوقية شبكات نقل التيار الكهرائي أو الوقود) بدلاً من تأجيل الخيارات باستمرار والانتهاء دائماً مع حلول مؤقتة. يجب أن تأخذ هذه الخيارات في الاعتبار الاختلافات الهيكلية المرتبطة بكل تقنية، سواء لجهة مرونة وانتظام الإنتاج (والميزة هنا لتقنيات الاحتراق) مقارنة بالوزن النسبي للاستثمار ونفقات التشغيل (وتأثيرها المتفاوت عبر الزمن على الحسابات الخارجية). في ضوء هذا الاعتبار الأخير فقط يمكن مقارنة الشروط القانونية والمالية من دون هواجس.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا