في العمليات المسجّلة عبر موقع lebaneselira.org في نهاية الأسبوع الماضي، بلغ سعر صرف الليرة مقابل الدولار نحو 8900 ليرة مقابل الدولار الواحد، مقارنة مع 9900 ليرة في تموز الماضي، وهو أعلى مستوى بلغه في الأشهر الستة الماضية، و6800 ليرة في تشرين الأول، وهو الحدّ الأدنى المسجّل في الفترة نفسها. لا مؤشرات واضحة للدلالة على استمرار الانهيار ووتيرته وتسارعه. ففي الأشهر الماضية، تبيّن أن لا سقف لهذه الأزمة ولا قعر لانهيار سعر الصرف. السعر يتحرّك مدفوعاً بعوامل يختلط فيها البعد النفسي بالسياسي، والتجاري بالمضاربات. لكن العامل الأهم كمؤشّر، يكمن في التحويلات الآتية من الخارج. فالعوامل النفسية، تلهب الطلب على الدولار أحياناً بشكل مصطنع على وقع التطورات السياسية، بينما العوامل التجارية تمثّل الطلب الفعلي على الدولار الحقيقي في السوق التي تتزوّد به من التحويلات الخارجية. حتى الآن، مجموع هذه العوامل أدّى إلى الانهيار بمستواه الحالي، لكن يبدو أن التحويلات الآتية من الخارج، سواء عبر منظمات المجتمع غير المدني، أو التحويلات السياسية غير المسجلة نظامياً، أو تحويلات المغتربين، لا تزال كافية لكبح انهيار متسارع، غير أنها تبدو أيضاً ظرفية ومؤقّتة فقط. عملياً، هناك توقعات بمزيد من الانهيار في ظل الفوضى، وعدم تشكيل حكومة، وتبعثر الوصاية الخارجية، بالإضافة إلى اعتقاد سائد بأن السلطة ستلجأ عاجلاً أم آجلاً إلى رفع دعم المواد الأساسية مثل المحروقات والدواء وسلة السلع الغذائية وسواها. وهذه التوقّعات تقود السوق في ظل سياسة نقدية قائمة على التوقعات بدورها أيضاً. فالسياسات التي يتبعها مصرف لبنان، تتوقع خفض الخسائر بالدولار بينه وبين المصارف من جهة، وبين المصارف والزبائن من جهة ثانية، من خلال أسعار مختلفة لليرة وأسواق متنوّعة للمضاربة عليها وفشل قضائي في التعاطي مع القضايا ذات الصلة. توقعات مصرف لبنان أكثر تنظيماً وأكثر وضوحاً من توقعات السوق والأفراد. هي أقرب لتكون فوضى منظّمة بقيادة مصرف لبنان وهي التي تخلق مصطلحات غير دقيقة في السوق تقتات على وعي جماعي ضعيف مسلوب الإرادة وخاضع للجهل
ليس هناك ما يسمى سعر الصرف الرسمي
هل هناك فعلاً ما يسمى سعر الصرف الرسمي؟ على مدى السنوات الممتدة بين عامَي 1997 و2019 كان سعر صرف الدولار يبلغ 1507.5 ليرات وسطياً. كان السائد بأن الدولار يساوي 1500 ليرة. أي «دكنجي» كان يصرف الدولار بهذا السعر. يحسم ثمن المشتريات، ثم يعيد الباقي بالليرة أو بالدولارات إذا توافرت في جاروره. في تلك الفترة كانت متوافرة ولم يكن أحد يسأل عن السعر الرسمي. هل أسدّد ديوني للمصرف بالليرة أو بالدولار؟ سؤال كهذا غير مطروح؛ يمكن تسديدها بالليرة والمصرف سيقوم بتحويلها مع فروقات بسيطة لا تهمّ إلا أبناء الطبقات الفقيرة والمسحوقة. فالدولار بسعر ذلك الوقت، كان يساوي ربطة خبز، والفقراء يحتاجون إلى 30 ربطة شهرياً بينما دخلهم الشهري يساوي الحدّ الأدنى للأجور، أو أعلى قليلاً. لذا الجدال على فروقات بين 1500 ليرة و1514 ليرة كانت «تحرز» أحياناً. ضمن الطبقات الأعلى، لم تكن الفروقات «محرزة».

%44

هي نسبة سعر المنصة إلى سعر السوق الحرّ بمعنى أن كل دولار سيُسحب على سعر المنصة يساوي %44 من القيمة الفعلية للدولار في السوق


لسنوات طويلة هذا ما كانت عليه الحال. السعر الرسمي هو نفسه السعر الرائج. بمرور الوقت، تداخل المصطلحان إلى درجة التكامل. هذه كانت نتائج سياسة التثبيت، وهذا ما يعيدنا إلى النقطة الأولى: هل هناك ما يسمى سعراً رسمياً؟
قانونياً، الليرة اللبنانية مسعّرة بالذهب الخالص بحسب المادة الثانية من قانون النقد والتسليف. وتاريخياً، كان النقد في لبنان مربوطاً بالذهب من أيام السلطنة العثمانية التي أفلست أمام الدائنين الأجانب. تسوية العثمانيين مع الدائنين أفضت إلى إنشاء بنك إصدار للعملة يملكه مصرف فرنسي بنسبة 80% (بات يعرف اليوم بـ BNP) وللبريطانيين حصة فيه أيضاً. هذا المصرف كان عبارة عن صندوق تجمّعت فيه الإيرادات التي كانت تذهب إلى خزينة السلطنة مقابل إصدار النقد العثماني. وبنهاية السلطنة، تقسّم الدين العثماني على الدول الناشئة ومنها لبنان وسوريا اللذين أنشآ «بنك سوريا ولبنان» الذي استمرّ بكونه بنك الإصدار لغاية 1964. باختصار صارت هناك وحدات نقدية في كل الدول المستعمَرة مرتبطة بالفرنك الفرنسي على طريقة تشبه ما يسمى اليوم «مجلس النقد»، فيما الفرنك الفرنسي كان مربوطاً بالذهب. بمعنى آخر، عشنا لعقود عدّة تحت نظام مجلس النقد. ومع الرغبة السورية في تعديل قيمة النقد الخاص بهم نظراً إلى ارتباطها بالتوسّع الزراعي وعمليات التصدير التي تتطلب عملة ضعيفة نسبياً، انشق السوريون (بالإضافة إلى أسباب أخرى) عن بنك لبنان وسوريا، بينما فرضت الهيمنة التجارية في لبنان بقاء العملة المحلية قوية للاستيراد. وتبعاً لهيمنة التجار اتُّبعت سياسة تقوية العملة (بمعنى كان النظام النقدي أقوى مما يمكن أن يكون عليه في إطار مجلس النقد) وهذا كان يتطلب ألا يكون هناك عجز في الموازنة والتوقف عن الإنفاق الاستثماري من أجل استثمار فوائض الموازنة في تعزيز العملة لشراء الذهب. في النتيجة، صارت الليرة اللبنانية مغطّاة بالذهب بنسبة 100%، لكن النتيجة جاءت على شكل إنشاء دولة ضعيفة بلا خدمات عامة وصولاً إلى تدهور كل مفاصل الدولة في السبعينيات… وفي 5 تشرين الأول 1973 صدر القانون المنفّذ بالمرسوم 6105 الذي يعطي الحكومة صلاحية تحديد سعر انتقالي قانوني جديدة لليرة اللبنانية بعد استشارة مصرف لبنان وصندوق النقد الدولي. وحدّد مصرف لبنان السعر الانتقالي لليرة بـ «غرام ذهب خالص سعر قطع حقيقي أقرب ما يكون من سعر السوق الحرّة». لكن بعد الفترة الانتقالية، لم يصدر أي سعر رسمي لليرة اللبنانية، واستمرّ الأمر لغاية «عصر التثبيت» بقيادة رئيس الحكومة الراحل رفيق الحريري وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة. التثبيت بدأ عملياً في مطلع التسعينيات في إطار السياسة النقدية، ولم يصدر لاحقاً أي تسعير رسمي لليرة.

السعر الرسمي المتداول كان انعكاساً للسياسات النقدية التي اتُّبعت في مراحل مختلفة كان آخرها مرحلة استقرار سعر الصرف


هذا السرد يدحض مقولة «السعر الرسمي» لليرة، ومعه تنهار الكثير من المفاهيم التي تدور حول هذه المقولة. لا شيء قانونياً أو وظيفياً يدعم وجود «السعر الرسمي». أما السعر الرسمي المتداول، فكان انعكاساً للسياسات النقدية التي اتُّبعت في مراحل مختلفة كان آخرها مرحلة «استقرار سعر الصرف». هذا الاستقرار له وظيفة واضحة: استقطاب العملات الأجنبية باعتبارها «ضربيّة» لمن يودّ الاستفادة والتربّح المجاني والسهل. ومن وظائف السعر الرسمي المتداول، تغذية عملية الاحتيال «بونزي سكيم» التي تتطلب دفقاً متواصلاً من الدولارات للحفاظ على التثبيت وتغطية عمليات تحويل الدولار الفعلي إلى دولار محلي. التثبيت كان يؤمن حريّة حركة تحويل الأموال ضمن المدى الزمني الذي انتهى بانهيار سعر الصرف ابتداءً من منتصف 2019. من هذا التاريخ يفترض أن يتم تفكيك التداخل بين السعر الرائج والسعر الرسمي. هناك سعر رائج في اقتصاد حرّ، أما السعر الذي كان متداولاً بين المصارف ومصرف لبنان على أنه السعر الرسمي فهو أيضاً انعكاس للسياسات النقدية المتبعة، بينما السعر المتداول اليوم على أنه «السعر الرسمي» هو «السعر المدعوم» لليرة.

سعر المنصّة لتذويب الخسائر
سعر المنصّة هو سعر صرف الليرة مقابل الدولار الذي أطلقه مصرف لبنان بشكل رسمي في منتصف السنة الماضية. سعر المنصّة كان في البدء محصوراً ببعض عمليات التحويل التي تُجرى عند الصرافين. وعندما احتدم النقاش بشأن ارتفاع سعر الدولار وانهيار الليرة، أطلقت قوى السلطة حملة أمنية - قضائية من أجل كبح جماح تفلت السعر تخفيفاً للنقمة الشعبية. وبالتوازي مع حملات القبض على الصرافين، أتاح مصرف لبنان سحب الدولارات من المصارف للمودعين الأصغر على سعر المنصّة الذي كان في البداية 3000 ليرة، ثم رُفع لاحقاً إلى 3900 ليرة ضمن سقف 5000 دولار سحباً من المصارف لكل مودع. وبعد مفاوضات مع الصرافين الذين أخلي سبيلهم، وافق حاكم مصرف لبنان رياض سلامة على بيعهم الدولارات النقدية ضمن سقف لا يتجاوز 900 ألف دولار يومياً على أن تباع للجمهور بسعر المنصّة.
الهدف الأساسي من المنصّة هو خلق سعر جديد للدولار في لبنان والفصل بين الدولار المحلي وبين الدولار الورقي (الحقيقي). وظيفة هذا السعر الجديد، أن يكون وسيطاً في عمليات التحويل القسري للدولارات العالقة في المصارف، أو ما يسمى الدولار المحلي أو اللبناني. بهذا المعنى، هذه كانت نهاية عصر التثبيت ومعها نهاية الدولرة الكاملة في السوق. أي أن كل الدولارات العالقة في المصارف والتي وظّفتها المصارف لدى مصرف لبنان، هي دولارات لا تساوي أكثر من السعر المحدّد في المنصّة. لبننة الودائع، هي الفكرة الأساسية التي من خلالها تعمل المنصّة على تذويب الخسائر في مصرف لبنان والمصارف. كل دولار يُسحب من المصارف عبر سعر المنصّة (في البدء كانت المصارف تشتريه من مصرف لبنان على سعر 1514 ليرة) يقابله شطب دولار مواز من تلك العالقة في المصارف ومصرف لبنان. لكن تطوّر عمل المنصّة بعد موافقة مصرف لبنان على بيع الدولارات للمصارف على سعر المنصّة مقابل شطب قيم موازية من الهندسات المالية التي نفّذها في السنوات الماضية، على أن تعمل المصارف على بيعه الدولارات التي اشترتها منه بسعر المنصّة أيضاً.
الهدف الأساسي من المنصّة هو خلق سعر جديد للدولار في لبنان والفصل بين الدولار المحلي وبين الدولار الورقي


هكذا أصبح سعر المنصّة إحدى الألاعيب الدفترية الجارية حالياً لشطب الخسائر وتقليص الضغوطات التي تتعرض لها المصارف من الزبائن والسماح لها بإعادة تكوين مؤونات دفترية بالدولار مقابل الخسائر المتوقّعة في ميزانياتها. سعر المنصّة ليس هو السعر النهائي للدولار في سوق لبنان كما يحاول البعض تصويره، لكنه السعر الذي يوافق مصرف لبنان عليه من أجل تفكيك الهندسات المالية وطباعة الليرات مقابل هذه الخسائر. وللتوضيح، فإن الخسائر هي بالدولار، ومقابلها سيحصل المودعون على ليرات بسعر المنصّة لا بسعر السوق الفعلي.

السوق السوداء هي «السوق الحرّة»
بمعزل عن «العنصرية» الطاغية على عبارة السوق السوداء، إلا أنه تعبير غير واضح سوقياً. فالمقصود به أن هناك من يقوم بأعمال خارجة عن إطار القانون. بالمعنى السائد، هي السوق التي يباع ويشترى فيها الدولار بشكل حرّ وبلا ضوابط. المفارقة، أن هذه السوق وأبناءها يعملون في إطار الفقرة «و» من مقدمة الدستور اللبناني التي تشير إلى أن «النظام الاقتصادي حرّ یكفل المبادرة الفردیة والملكیة الخاصة»، لا بل إنها تعمل في ظل الغياب القانوني لما يسمى السعر الرسمي لليرة مقابل الدولار. هذه السوق تعمل في إطار سياسات نقدية اتُّبعت منذ عقود تحت حكم الدولرة الكاملة. أي مقيم على الأراضي اللبنانية، كان بإمكانه شراء الدولارات وبيعها بشكل حرّ. لا يشكّل فرقاً أصغر دكنجي عن أكبر واحد، ولا أصغر تاجر بالمفرق عن تجار الاستيراد، ولا مصرف صغير عن واحد كبير، ولا بين أفراد المجتمع.

6

مرات هي الزيادة في قيمة سعر الصرف الدولار مقابل الليرة في السوق الموازية

لم يكن يهمّ لونهم أو شكلهم أو عرقهم أو دينهم أو انتماؤهم من أجل شراء أو بيع الدولار. الكل كان يبيع ويشتري الدولارات بحريّة. كان ذلك سابقاً. أما اليوم، وبعد الانهيار، فجأة صار هناك سوق سوداء. استعاد اللبنانيون ذاكرة الثمانينيات. واستعادوا أيضاً معها الرغبة في حفظ قيمة أصولهم ومواردهم.
في الواقع، تمثّل سوق الصرافة المقوننة جزءاً أساسياً من «السوق السوداء» حيث يقوم الصرافون بكل أعمال البيع والشراء. في السابق كان امتلاك الدولارات شرعياً بموجب عملية تثبيت سعر الصرف، أما اليوم فقد أصبحت فعل حرام. والمضاربة على الليرة ليست من اختصاص الصرافين وحدهم، بل باتت من اختصاص كل المقيمين في لبنان. حتى المصرفيون الذين يزعمون وجود سعر رسمي لليرة، ويتعاملون مع الزبائن على أساس سعر المنصّة في عمليات محدّدة بتعاميم من مصرف لبنان، هم يتعاملون أيضاً مع ما يسمى السوق السوداء. لم يتمكن أي جهاز إدارة أو أمني أو قضائي من سجن شخص، سواء كان مصرفياً، أو صرافاً، أو تاجراً، أو فرداً عادياً في المجتمع، بتهمة المضاربة على سعر الليرة. أصلاً الحفاظ على سعر الليرة هو من اختصاص مصرف لبنان المحدّد في قانون النقد والتسليف، وأي تدهور فيه، عاقبته على مصرف لبنان وليس على الأفراد الذين يسعون إلى حفظ قيمة مدّخراتهم. يمكن تسميتها بالسوق الموازية أو السوق الحرّة، أي أن قسماً من عمليات بيع وشراء الدولار التي تتم فيها خارجة عن إطار رقابة مصرف لبنان، لكن ألم تكن هذه هي الحال منذ عقود؟ لماذا استشرى الحديث عن السوق السوداء في بداية الأزمة، ثم سكَنَ الحديث عنها لاحقاً بعد تكيّف المجتمع مع سحب الأموال من المصارف على سعر المنصّة. لماذا الآن، لا يسمّون التجارة بشيكات الدولار وبالليرة وبالدولارات الورقية على أنها سوق سوداء. بماذا تختلف هذه التجارة عن المضاربة على سعر الليرة والدولار؟ بماذا تختلف المضاربة على الليرة عبر منصّات إلكترونية رديفة تعمل تحت أعين السلطة؟ أصل المشكلة في بنية النظام الذي يسمح بنشوء أسواق خارجة عن إطار الرقابة. أصل المشكلة في الاقتصاد الحرّ.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا