صدر في الجريدة الرسمية العدد 1 تاريخ 7/1/2021 القانون رقم 210 بعنوان: «حماية أموال الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي وتقديمات المضمونين». هذا القانون نوقش عندما كان مجرّد مشروع في جلسة الهيئة العامة للمجلس النيابي التي انعقدت في 27 تشرين الثاني 2020. وعندما أُقرّ نال الكثير من المديح كونه «معجزة نيابية» حلّت على تعويضات المضمونين. لكن ما هو مدى الحماية التي وفّرها هذا القانون؟ هل صحيح أنها الحماية المطلوبة؟


أسباب توجب امتيازات إضافية؟
القانون الذي أُقرّ بمادة وحيدة، يمكن اختصاره بالآتي:
- حماية أموال الضمان من الهيركات، أي الاقتطاع والحسم.
- أصبحت أموال الضمان التي تتمتّع بموجب المادة 73 من قانون الضمان بامتياز وتصنيف يضعها مباشرة بعد دين الخزينة، بامتياز جديد يجعلها تفوق أي وديعة أو أي دين آخر.
- أوجب القانون على المصارف ومصرف لبنان تسديد الشيكات الصادرة عن الضمان فوراً من دون أي تأخير أو تلكؤ.
- معاقبة كل من يخالف هذا القانون بشكل شديد.
فالقانون 210، أضاف امتيازاً فوق الامتياز الذي كان ممنوحاً لأموال الضمان بموجب المادة 73 من قانون إنشاء الضمان. هذا الامتياز هو تجاه الغير «من أي جهة كانت ومهما كانت طبيعة هذا التصرّف وماهيته سواء أكان بصورة مباشرة أم غير مباشرة، لا سيما لجهة الإجراءات الاقتصادية أو النقدية لمعالجة الوضع الاقتصادي أو النقدي في البلاد». كذلك، حظر القانون على مجلس الوزراء ومصرف لبنان والمصارف المساس بأموال الصندوق وديونه بكل العملات، وفرض على الجهات التي أُودعت لديها أو استُثمرت لديها أموال الضمان «أداء هذه الأموال فور طلبها وبالعملة المودعة فيها... وهي ودائع مستحقّة الأداء والتسليم للصندوق قبل أي وديعة وأياً يكن الامتياز الذي تتمتع به تلك الوديعة وفي أي طرف كان، ولا سيما في حالات الإفلاس أو الحلّ أو التصفية أو في حالة التوقف عن الدفع أو وضع اليد». وتضمّن القانون جانباً آخر يفرض فيه على المصارف التسديد الفوري للتقديمات المدفوعة من الصندوق للمضمونين وأصحاب العلاقة المستفيدين ومن دون أي تأخير.
وحذّر القانون من أن كل مخالفة تُعرّض مرتكبها لعقوبة الأشغال الشاقة المؤقتة لمدة لا تقل عن 3 سنوات ولا تزيد عن سبع سنوات، وبغرامة لا تقلّ عن المبلغ المطلوب سداده ولا تزيد على ثلاثة أمثاله إضافة إلى التجريد المدني...
وفي الأسباب الموجبة للقانون، تبيّن أن دوافع إقراره متعلّقة بحماية أموال الضمان التي يتم توظيفها في مصرف لبنان والمصارف. وبالتالي فهي على شكل ودائع، أو سندات مالية. وهذه الأموال تمثّل تعويضات نهاية الخدمة وتقديمات فروع التقديمات العائلية وفرع المرض والأمومة التي يتوجب حمايتها للأجيال المستقبلية والحاضرة، وبالتالي تجنيبها أي اقتطاع محتمَل أوأي تدابير استثنائية أو إعسار قد يتعرض له أحد المصارف «ما يسبّب كارثة اجتماعية»، فضلاً عن أن ديون الضمان تتمتع بامتياز لا يشمل الأموال المودعة في المصارف أو الموظفة لديها.

حماية قيمة الأموال لا كمّيتها!
إذاً، هل يؤمّن هذا القانون الحماية المطلوبة؟ قبل بضعة أشهر عُقد لقاء بين رؤساء نقابات المهن الحرّة وممثلي صناديق التعاضد لدرس موضوع حماية الأموال الموجودة في صناديق النقابات والتعاضد والضمان وسواها. كان هناك رأي وازن يتعلق بحماية القوّة الشرائية لهذه الأموال، وليس حماية الأموال نفسها من الاقتطاع (الهيركات) أو من أي ضريبة. لكن هذا الرأي لم يُسمع، بل أُغلقت عليه الأبواب تماماً كما أغلق النواب الأبواب على أنفسهم عندما قدّموا اقتراح قانون معجل مكرّر لحماية أموال الضمان. لم ينتبه أي منهم إلى أن المشكلة لا تكمن في أصل الأموال التي نصّت خطة لازار على استثنائها من أي اقتطاع أصلاً، فضلاً عن أن الاقتطاع لا يمكن إقراره وتطبيقه إلا بقانون في مجلس النواب. بمعنى آخر، إن الهيركات أو أي أشكال أخرى من الاقتطاع، هي ضريبة لا يمكن تطبيقها إلا بقانون سيصدر من مجلس النواب، وبالتالي يمكن إقرار الاستثناءات اللازمة بخصوص أموال الضمان، يوم إقرار الضريبة.

استثناء أموال الضمان من ضريبة الهيركات وسواها لا يحمي القوة الشرائية لأموال الضمان


هذا يعني أن المشكلة الأساسية تتعلق بقيمة أموال الضمان، أي حماية قوّتها الشرائية. فمن السذاجة البحث في حماية أموال الضمان التي لم تعد تساوي شيئاً. فإذا كانت قيمة التعويض الوسطي تصل إلى 20 مليون ليرة، فإنّ قيمة هذه المليون تآكلت بفعل تضخم الأسعار وانهيار سعر صرف العملة الوطنية. كان الأجدى بالضمان وبالنواب، أن يتمتّعوا بقدر أعلى من الذكاء الكافي لدفع الناس نحو تصديق رغبتهم في حماية أموال الضمان. كل هذه الامتيازات التي حصل عليها الضمان، وكل الاستثناء لا يقي الأموال من تآكل إضافي. تدهور قيمة التعويضات سيتواصل طالما الأزمة مستمرّة، أي أن جدوى صدور مثل هذا القانون غير متوافرة، بل هو لزوم ما لا يلزم. اللازم والأجدى، هو البحث عن طريقة للحفاظ على قيمة هذه الأموال. قد لا تكون هناك قدرة على ذلك، وربما هذا الأمر يجعل من الضروري العودة إلى طرح الوزير السابق شربل نحاس: التغطية الصحية الشاملة المجانية لكل اللبنانيين. هذا هو البديل الذي يمكن تقديمه مقابل هذا التدهور وبكلفة غير كبيرة. لذا، كان الأجدر البحث عن آلية لحماية أموال الضمان من المغفلين الذين رهنوا أموال الضمان في أدوات مالية حصراً، وأولئك الذين روّجوا وسوّقوا لأقاويل من نوع «الليرة بخير»، ولأولئك الذين يمسكون بأيديهم سلطة التشريع ويستعملونها من أجل استمرارية زبائنية النظام.
التدقيق أكثر في هذا القانون يكشف المزيد من العورات. فالمشكلة الحقيقية الواقعة اليوم بين المصارف والزبائن لا تتعلق بتسديد الأموال بل بقوّتها الإبرائية. المصارف تتعامل مع الشيكات على أنها تحمل قوّة إبرائية تكفي لتسديد أي وديعة بواسطة الشيك، والأنكى من ذلك، أن القضاء، باستثناء قضاء العجلة، لم يبتّ بهذا النزاع بعد، المستشري بين المصارف والزبائن، وبالتالي فإن إلزام المصارف بالدفع فوراً الشيكات الصادرة عن الضمان لا معنى له أبداً. فالأصل هو إن كان المصرف سيُلزَم بتسديد المبلغ نقداً وصرف الشيكات نقداً أو إجبار المودع على تسديدها في حسابه المصرفي.



12 ألف مليار ليرة 36.5% لتمويل العجز
في الواقع، لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي- فرع تعويضات نهاية الخدمة، نحو 12076 مليار ليرة (لغاية حزيران 2020 بحسب أحدث البيانات المالية التي رفعتها إدارة الضمان إلى مجلس الإدارة)، وهو يوظّف من هذه الأموال نحو 6 آلاف مليار ليرة في سندات الخزينة اللبنانية، ويجمّد نحو 5 آلاف مليار ليرة في المصارف التجارية، ولديه محفظة مستجدة بالدولار الأميركي تبلغ 549 مليون دولار. وفي المقابل، على الضمان عجز متراكم مسحوب من أموال تعويضات نهاية الخدمة بشكل غير شرعي، قيمته الإجمالية تبلغ 4273 مليار ليرة، أي ما يمثّل 36.5% من مجمل موجودات فرع نهاية الخدمة. كذلك أظهرت التقارير أن إيرادات الضمان تراجعت في نهاية حزيران 2020 بنسبة 41.6% مقابل تراجع في النفقات بنسبة 22.5%.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا