أخذت مسألة تسرّب جزء من قاعدة بيانات جمعية القرض الحسن حيّزاً واسعاً من النقاش المرتبط مباشرة بمسألة سحب الأموال من الصرّاف الآلي الخاص بالجمعية. الاستنتاجات ذهبت سريعاً نحو وجود نظام مصرفي خاص بالحزب يعتمد على مكنة السحب الآلي بوصفها إحدى أدوات العمل المصرفي. قاد هذه التحليلات المصرفي السابق دان قزّي الذي نَشَرَ قبل أيام من تسريبات المجموعة التي تدّعي خرق قاعدة البيانات وتطلق على نفسها اسم «سبايدرز»، فيديو يخلص فيه إلى ما حرفيته: حزب الله أخطأ بوضع مكنة سحب آلي، أو أنه يقوم بعملية تضليل. لكن قزّي عدّل في استنتاجه لاحقاً في مقابلة تلفزيونية على قناة «الحرّة»، مشيراً إلى أن المنافسة بين دوائر التسويق والاتصالات والدوائر الأمنية للحزب أفضت إلى مثل هذا الخطأ.

بهذا المعنى، أصبحت الجمعية بشكل بديهي مصرفاً للحزب، وتسريب جزء من قاعدة البيانات يسلط الضوء على «تناحر» داخلي بين أجهزته. لكن إلى أي مدى يمكن اعتبار عمل جمعية القرض الحسن عملاً مصرفياً؟ هل تركيب مكنة سحب آلي للأموال هو دليل على قيامها بالأعمال المصرفية؟ ما هي الفروقات بين عمل الجمعية وعمل المصرف؟

مصرف للحزب؟
في الفيديو المنشور على يوتيوب للمصرفي السابق دان قزّي، ثم في مقابلته على قناة «الحرّة»، استند إلى خبرته المصرفية لتحليل تسرّب جزء من قاعدة بيانات جمعية القرض الحسن باعتبارها مصرفاً. وهو تعامل مع وجود مكنة سحب آلي تابعة للجمعية باعتبارها إحدى أدوات العمل المصرفي ذات التقنية العالية، ووصف المتعاملون مع الجمعية بأنهم زبائن سواء كانوا مودعين أو مقترضين.
يقول قزّي في الفيديو الآتي: الموضوع هو مكنات السحب الآلية (ATM) من مؤسّسة القرض الحسن، وقد تداولت وسائل الإعلام وجود مكنات يُسحب منها دولار لمؤسسات القرض الحسن… ماذا يأخذ الأمر ليكون بالإمكان تأسيس نظام مصرفي من هذا النوع؟ أول أمر تركيب المكنة، ثم تركيب كاميرا، ثم وجود شريط أو وصلة للاتصال بطريقة معينة مع قاعدة معينة حتى يعمل الكرت في المكنة وتذهب الرسالة من المكنة إلى قاعدة البيانات لتتأكد المكنة من وجود الأموال في حسابي المصرفي. هذا يعني أن المكنة موصولة على قاعدة البيانات حيث تتوافر أسماء كل الزبائن وأرقام هواتفهم، وأرقام سجلاتهم، وعناوينهم وأرقام هواتفهم وسواها. تقنياً لا يصعب القيام بذلك، لكن إذا اعتبرنا أن زبونات القرض الحسن بنسبة 20% أو 30% منهم معاقبون من الولايات المتحدة، فإن هذا يعني أنك أعطيت الولايات المتحدة طريقة سهلة للوصول إلى هؤلاء عبر «الهاكينغ»، وبالتالي سيعلمون أسماء مئات وآلاف الأعضاء في الحزب مثلاً، لذا تصبح ملاحقتهم عبر الهواتف (الساتلايت) أمراً سهلاً. وهذا يعني أنه إما الخبرية غير صحيحة، أو أن الجماعة أخطأوا بشكل كبير. إذا اعتبرنا أن الجماعة لم يخطئوا. معناها القصّة مقصودة. ما الأهداف وراء هذا القصد: عملية تضليل. أهداف التضليل: إرسال رسالة إلى العقوبات الأميركية بأنها غير مؤثّرة، للتأثير على الرأي العام العالمي واللبناني. أو تضليل عسكري: أول ما يسمع جهاز استخباراتي معاد، سيضع قدرات للتركيز على الأمر وتضييع الوقت ولقدرات الأجهزة المعادية للحزب.
وفي مقابلة تلفزيونية على قناة «الحرّة» التي أتت بعد تسرّب جزء من قاعدة البيانات للجمعية قال: «ما نعرفه، أنه في العادة تكون هناك منافسة بين دوائر التسويق والاتصالات في المؤسّسة (الجمعية)، وبين الدوائر الأمنية. أنا اعتبرت أنه لا يمكن أن يقوموا بخطأ من هذا النوع، وأن المؤسّسة نفسها قامت بهذا العمل من دون أن ينتبه الفرع الأمني للحزب… في كل مؤسّسة هناك أناس في دوائر التسويق والاتصالات يتباهون، وبرأيي أن هناك خطأ ما حصل، لأن الدخول في التكنولوجيا المتقدمة يعني الدخول إلى عرين العدو. قوّتهم في عدم التماثل. بمعنى أن الأميركيين والأوروبيين يعملون منذ خمسة عقود في مجال الخروقات السيبرانية ولا تأخذ معهم وقتاً كثيراً للدخول إلى قاعدة البيانات بمجرد وجود خط خارجي لها».
ورداً على سؤال آخر عن كون الجمعية مصرفاً موازياً، يجيب قزي: «كل لبنان برهن عن تخبيص وتدمير في القطاع المصرفي. أن نقول بأن هناك جهة تعلم بتسيير الأمور أكثر من غيرها، فأعتقد أن هناك مبالغة في هذه القصة».

الفرق بين الجمعية والمصرف
هناك مجموعة واسعة وجوهرية بين جمعية القرض الحسن وأي عمل مصرفي، يمكن الاستناد إليها من أجل الفصل بين عمل كل منهما. الأهداف والوجهة ليست متماثلة لدى الطرفين وإن كان هناك تشابهاً في بعض الأدوات التي تتشابه أيضاً مع الكثير من الأعمال غير المصرفية. بمعنى أنه لا يمكن الحكم وإطلاق الاستنتاجات عبر تحليل الأدوات حصراً.
أبرز نقاط الاختلاف بين جمعية القرض الحسن والمصرف هي على الشكل الآتي:
- جمعية القرض الحسن هي جمعية لا تبغي الربح بحسب ترخيصها القانوني. هذا هو أول فرق بينها وبين المصرف. فالمصرف يبغي الربح، لا بل يبغي الربح المتوحّش، بينما الجمعية لا تفرض أي نوع من أنواع الربح على عملياتها. لا تفرض أي نوع من الفوائد خلافاً لما يقوم به المصرف الذي يحتسب هوامش الفائدة بين الودائع والتوظيفات باعتبارها هوامش ربحية. وهي أيضاً لا تفرض عمولات على العمليات، بل تستوفي كلفة تشغيل إدارية مثل أي عمل إداري آخر. العمل الإداري ليس عملاً مصرفياً بأي شكل من الأشكال. الهدف الأساسي من الإقراض الذي يقوم به المصرف هو الربح فقط، وهو يقوم بذلك عبر الإقراض بالفائدة الذي يخلق كتلة نقدية إضافية في السوق. جمعية القرض الحسن لا تقوم بذلك.
- جمعية القرض الحسن لديها مساهمون لا يمكن اعتبارهم مودعين وفق تعريف العمل المصرفي. طبيعة عملها أن تستقبل الأموال الورقية غير الإلكترونية من دون أي فائدة عليها أو أي نوع من أنواع التربّح بهذا المعنى. أما المصرف، فهو يستحوذ على الأموال الورقية والإلكترونية من المودعين مقابل فائدة، ويتنافس مع غيره لاجتذابها، وهو يتملك هذه الودائع لإقراضها أو توظيفها في السوق، وهو يحدّد شروط الاقتراض ضمن سياساته الخاصة بالربحية في إطار سياسات مصرف لبنان وتعاميمه، ولا يربط عملية تسديد الودائع بالاقتراض.
- المساهمون في جمعية القرض الحسن يمكنهم ضمانة أي شخص لإقراضه أموالاً مكفولة بمساهماتهم، لكنها لا تضع شروطاً تهدف إلى الربحية، ولا تهدف إلى الإقراض بهدف الربحية. الاقتراض عبر الجمعية مربوط بشرطين أساسيين: الاقتراض بكفالة مساهم، أو الاقتراض بكفالة الذهب. هذا الأمر يمثّل عامل حماية لكلا الطرفين وبإرادتيهما. فالذهب يباع في حالة الامتناع عن التسديد، وهو ما يعيد تكوين أصل المبلغ، وفي حالة كفالة المساهم، فإن الاقتراض على عاتقه وبماله الخاص. وفي المقابل، إن المصرف يقرض الأموال من دون أن تكون هناك علاقة بين المودع والمقترض. الودائع في المصرف هي ملك المصرف وهو يفترض أن يعيد تسديدها عند تحقق شروط دفعها لأصحابها. لا يمكن المساهم سحب أمواله إلا بمقدار ما يتحرّر من أمواله من المقترض، أي أن المساهمة مرتبطة مباشرة بالقرض. صحيح أن هذا الأمر متوافر في المصرف بشكل اختياري، لكن في جمعية القرض الحسن الطريق واضح ومختلف.
- بما أن الجمعية تتعامل بالأموال فمن الطبيعي أن يكون لديها صندوق. هذا الصندوق قد يدار يدوياً - بشرياً، أو قد يكون عبارة عن مكنة سحب آلية. لا فرق بين الاثنين، إلا في التكنولوجيا. البرنامج الذي يدير مكنة السحب الآلي هو الذي يحدّد شكل الصندوق وطبيعة عمله. مكنات السحب الآلي المتطوّر التي تضعها المصارف على أبوابها، تتضمن إيداع الأموال، سحب الأموال، إيداع الشيكات، القيام بعمليات نقل من حساب إلى آخر… لكن غالبية هذه الخدمات ليست متوافرة لدى مكنات الصرافة التي تستعملها جمعية القرض الحسن. أما من يقول بأن الأمر يحتاج إلى خطوة أو خطوتين لتحويلها إلى مكنة تشبه مكنات المصارف، فهو كلام غير محقّ، لأن الأمر يحتاج إلى ترخيص وإلى علاقة مع شبكة مقاصّة (المقاصة بين الشيكات الموجودة في مصرف لبنان فقط).
- مكنات السحب الآلي تكون مربوطة بقاعدة بيانات المصرف الخاصة بكل الفروع، حتى إنها تكون مرتبطة بشبكات سحب آلي تابعة لمصارف أخرى، لكن هذا الأمر غير متوافر لدى جمعية القرض الحسن.
- بالنسبة إلى وجود الكاميرا، فهذا أمر بديهي. وجود الكاميرا في علبة السحب الآلي هو إجراء حماية ليس محصوراً بالمصارف. أصلاً هناك كاميرات مراقبة على الصناديق مثلها مثل كاميرات المراقبة التي انتشرت كالفطر أمام المحالّ التجارية باختلاف أنواعها وصناديقها، وعلى أبواب الشركات الإدارية… الكاميرا هي أسخف دليل على العمل المصرفي. بهذا المعنى يمكن القول إن الحارس أمام المصرف والحارس أمام الجمعية هما دليل على العمل المصرفي!



دان قزّي... السيرة الذاتية
إن استعمال مسألة تسرّب جزء من قاعدة البيانات وربطها بموضوع مكنات السحب الآلي من دون أي إشارة أو تأكيد بأن مكنة السحب الآلي التي وضعتها الجمعية على أبواب ثلاثة فروع لها تعمل أونلاين، ثم ربطها بوجود نظام مصرفي موازٍ للحزب للاستنتاج بأن حزب الله يقوم بعملية تضليل، أو وقع في فخّ التباهي بين دوائر التسويق والدعاية والدوائر الأمنية، أمر مثير للشكوك. ما يعزّز هذه الشكوك هي تلك السيرة الذاتية للمصرفي السابق دان قزّي. فبحسب مقابلة أجرتها efinancialcareers-gulf معه، هو خدَمَ في القوات البحرية الأميركية برتبة رائد قبل أن يبدأ العمل المصرفي ويصبح لاحقاً الرئيس التنفيذي لبنك ستاندر أن شارترد في لبنان الذي استحوذ عليه لاحقاً «سيدروس بنك».