أصدرت مجموعة «الشبكة الأوروبية للديون والتنمية» ورقة عمل عن جدوى الشراكة مع القطاع الخاص تضمّنت معاينة لمجموعة كبيرة من المشاريع التي لُزّمت بالاستناد إلى مشاريع الشراكة بين القطاعين العام والخاص في بريطانيا وألمانيا وفرنسا. بريطانيا كان لديها نحو 700 مشروع قيد التنفيذ بهذه الطريقة قبل أن تعلن وقف البرنامج نهائياً، وديوان المحاسبة الفرنسي تحدّث عن كلفة تمويل باهظة، فيما وجّه ديوان المحاسبة الفيدرالي الألماني انتقاداً جوهرياً إلى هذا النوع من المشاريع باعتبارها «غير اقتصادية».

فشل الخصخصة ومتفرّعاتها، لم يدفع المؤسسات الدولية إلى التوقف عن الترويج لهذه الأداة، بل استمرّت في اعتبارها واحدة من أهم الأدوات التي تخدم مشاريع التنمية وتحشد الموارد من أجلها. لكنه للمفارقة، يُروّج أيضاً إلى تحقيق أهداف التنمية المستدامة عبر الاستثمار العام! لكن الخدعة هناك تكمن في واحد من أشكال الخصخصة: الشراكة مع القطاع الخاص.

بنتيجة تقارير المكتب الوطني لمراجعة الحسابات في بريطانيا أعلنت وزارة المالية في عام 2012 وقف العمل ببرنامج الشراكة بين القطاعين الذي انضوى تحته نحو 700 مشروع


برأي مجموعة «الشبكة الأوروبية للديون والتنمية»، لم تثبت جدوى مشاريع الشراكة المذكورة، بل هناك أولوية إلى وقفها وزيادة الإنفاق العام المموّل بالضرائب التصاعدية. ففي ورقة عمل بعنوان «لماذا لا تزال الشراكة بين القطاعين العام والخاص لا تثمر؟»، شرحت المجموعة، بالأدلة، عدم جدوى هذه الشراكة التي «تضع مخاطر المشاريع على كامل الدولة، ولا سيما المخاطر المتعلقة بمدى الطلب على المشاريع بعد إنجازها، وبالتالي المردود المالي لهذه المشاريع». كذلك، تبيّن لها أن القطاع الخاص يتأخر في تسليم المشاريع، ويتجاوز الموازنات المخصّصة لها، لكن الفشل الأهم يتعلق بالأثر الناتج عن هذه الشراكة في المشاريع، على موازنات الحكومات لجهة الاستدانة والدين العام والتمويل.
إليكم ما ورد في تقرير المجموعة الأوروبية:

الدين المُخفى
من أبرز أهداف اللجوء إلى الشراكة بين القطاعين العام والخاص، تفادي زيادات ملحوظة في مستوى الديون. لكن هذه الشراكة تخلق ديوناً «غير مرئية». فالقطاع الخاص يفترض به أن يوفّر التمويل (أي الاستدانة) للمشاريع ورفع العبء عن كاهل الموازنات الحكومية، لكن بدلاً من أن تقوم الحكومات بالاستدانة لتمويل مشاريع معينة، تقوم بنقل هذه المسؤولية إلى جهة خاصّة، وفي هذه الحالة لا تنعكس الاستدانة لتنفيذ المشروع على الدين العام في موازنة. عملياً، ما يحصل هو أن الحكومات تتحمّل دفع المبالغ المطلوبة والمحددة مسبقاً طوال فترة معينة من الزمن، للشركات التي نفذت المشاريع، ما يعني أنها هي تموّل المشروع بشكل غير مباشر.
فعلى سبيل المثال، اجتاحت موجة من الشراكة مع القطاع الخاص، المشاريع الحكومية في بريطانيا. كل مشاريع البنى التحتية في الفترة الممتدة بين أواخر التسعينيات ولغاية نهاية العقد الأول من القرن الحالي، كانت تلزّم هذه المشاريع عبر الشراكة بذريعة أن الموازنات العامة غير كافية للاستثمار. لكن في عام 2016 كان هناك نحو 700 مشروع ج قيد التنفيذ في المملكة وفق برامج الشراكة بين القطاعين بكلفة سنوية تساوي 10.3 مليارات جنيه استرليني. وهذه الأكلاف تمتدّ حتى عام 2040 ليصبح مجموعها مساوياً لنحو 200 مليار جنيه. وبهذا تكون الدولة هي من تموّل، هذه المشاريع بشكل غير مباشر ومن دون أن تظهر انعكاسات هذه الاستدانة على الدين العام.

كلفة استدانة عالية
رغم مساندته لهذا النوع من المشاريع، فإن صندوق النقد الدولي يحذّر من أن اقتراض القطاع الخاص يكون دائماً مكلفاً أكثر من اقتراض القطاع العام. هذا يعني أن الشراكة بين القطاعين التي تعتمد على تمويل القطاع الخاص لها، من خلال الاستدانة، تكلّف أكثر من قيام الدولة بتأمين التمويل. فقد خلص مقال نشر في «فاينانشال تايمز» عام 2011 إلى أن «دافعي الضرائب البريطانيين يدفعون أكثر من 20 مليار جنيه إضافية، لأن استدانة القطاع الخاص هي أكثر كلفة، وهو رقم كافٍ لبناء 40 مستشفى كبيراً».
وفي فرنسا نُفذ بناء مشروع محكمة باريس وفق نموذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص. بلغت كلفة المشروع في عام 2012 نحو 725.5 مليون يورو بينما بلغت كلفة الاستدانة نحو 643 مليون يورو. هذا الأمر دفع ديوان المحاسبة الفرنسي إلى إصدار تقرير يبيّن فيه أن الفائدة على استدانة الشركات لتنفيذ المشروع كانت 6.4% بينما الفائدة على سندات الخزينة الفرنسية كانت تساوي 1.86%، أي أنه كان يمكن توفير الكثير على جيوب دافعي الضرائب الفرنسيين.

القيمة مقابل المال
يتذرّع المدافعون عن الشراكة بين القطاعين العام والخاص بأن دخول القطاع الخاص إلى الاستثمار في مشاريع الدولة يتيح للدولة استغلال موارد هذا القطاع والخبرات التي يمتلكها. فشركات القطاع الخاص، بحسب هؤلاء، قادرة على تحسين الكم والنوع لهذه المشاريع، وبالتالي هي قادرة على خلق «القيمة مقابل المال»، وهو مصطلح يشير إلى أن الاستثمار يخلق قيمة مناسبة للأموال الموظّفة في المشروع.
على هذا الأساس كان يُتخذ قرار المضي بالمشروع وفق صيغة الشراكة بعد إخضاعه للتحليل بواسطة «أداة المقارنة مع القطاع العام» التي تدرس جدوى المشروع في حال كان تنفيذه يقع على عاتق القطاع العام، ثم تقارن النتائج مع دراسة المشروع القائم على الشراكة. هذه الأداة كانت حاسمة من أجل اتخاذ القرار بتنفيذ المشروع على أساس الشراكة أو بتمويل مباشر من القطاع العام. لكن تبيّن أن التحليل الذي تقوم عليه هذه الأداة كان عرضةً للكثير من الانتقادات. فبحسب تقرير صادر عن المكتب الوطني لمراجعة الحسابات في بريطانيا، تبيّن أن المقارنات التي كانت تقوم بها هذه الأداة «كانت تجري بشكل سيئ»، بل كانت منحازة بشكل منهجي نحو خيار الشراكة. وبنتيجة هذه التقارير، أعلنت وزارة المالية في المملكة المتحدة في عام 2012 توقفها عن العمل ببرنامج الشراكة بين القطاعين الذي انضوى تحته نحو 700 مشروع.
وفي عام 2014 انتقد ديوان المحاسبة الفيدرالي الألماني حسابات «القيمة مقابل المال» لخمسة من أصل ستة مشاريع طرق سريعة، وأشار إلى أن «مشاريع الشراكة بين القطاعين العام والخاص غير اقتصادية»، إذ أن كلفة هذه المشاريع تبلغ 5.1 مليارات يورو، بزيادة 1.9 مليار عن الكلفة المعدّلة لو نفّذها القطاع العام.