من ضمن النتائج السلبية العديدة التي خلّفتها السياسات الاقتصادية والمالية والنقدية السيئة المُعتمدة في لبنان منذ نحو ثلاثين عاماً، وعلى رأسها الاستدانة المفرطة للدولة وبشروط غير عادلة على الإطلاق، هي مشكلة اللامساواة الكبيرة جداً في الدخل والثروة بين المواطنين. لبنان يُعدّ من أكثر دول العالم في انعدام المساواة بين مواطنيه، إذ تتركّز الثروة الوطنية بشكل كبير لدى نسبة ضئيلة من السكان. لكن فجوة انعدام المساواة تفاقمت بعد انفجار الأزمة الاقتصادية والمالية ابتداءً من مطلع 2019 واندلاع ثورة 17 تشرين الأول ثم تراجع النشاط الاقتصادي وتفشّي الأزمة الصحية والاجتماعية الناجمة عن جائحة كورونا، إذ تزايدت معدلات الفَقر بشكل غير مسبوق. فقد توقّع تقرير صادر عن اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (الإسكوا) أن يقفز معدّل الفقر في لبنان من 28% من السكان في عام 2019 إلى 55% في منتصف عام 2020، فيما ازداد معدل الفقر المُدقع من 8% إلى 23%، علماً بأن هذه المعدلات قد تصبح أعلى نتيجة انفجار مرفأ بيروت في الرابع من آب 2020 والارتفاعات المتواصلة في معدلات التضخم خلال النصف الثاني من العام.


تركّز هائل في الثروة
بالتوازي مع معدلات الفقر المرتفعة، يتّسم لبنان بكونه إحدى أكثر الدول تركزاً في عدد المليارديرات نسبة إلى عدد السكان. فبحسب مجلة Forbes الصادرة في عام 2020، يوجد في لبنان ستة من أصحاب المليارات يملكون ما مجموعه 10.2 مليارات دولار بانخفاض ملياردير واحد عن عام 2019. وللمقارنة، فإن هذه اللائحة تضمنت مليارديراً واحداً في الجزائر بثروة 4.2 مليارات دولار، وستة في مصر بثروة 16.8 مليار دولار، وواحداً في الكويت بثروة 1.3 مليار دولار، وواحداً في المغرب بثروة 1 مليار دولار، وواحداً في سلطنة عُمان بثروة 2.1 مليار دولار، وواحداً في قطر بثروة 1.2 مليار دولار، وعشرة في السعودية بثروة 44.8 مليار دولار، وأربعة في الإمارات العربية المتحدة بثروة 10.5 مليارات دولار. هكذا، يحتل لبنان المرتبة الثانية بين الدول العربية في عدد المليارديرات والمرتبة الثالثة في ثروتهم.


وبشكل مماثل، تُظهر بيانات معهد كريدي سويس للأبحاث لعام 2019، أن أغنى 10% من البالغين في لبنان يملكون 70.6% من مجموع الثروة الوطنية التي بلغت نحو 232 مليار دولار (أي أنهم يملكون نحو 151 مليار دولار بمتوسط ثروة فردية يبلغ 360 ألف دولار). وهذه الثروة تراجعت بنسبة 40% لتبلغ نحو 91 مليار دولار في عام 2020 بسبب الأزمة المصرفية الحادّة والقيود على السحوبات والانخفاض في قيمة العقارات والتي تمثل جزءاً كبيراً من ثروة هؤلاء، وكذلك انهيار قيمة الليرة اللبنانية. أما بالنسبة إلى توزع الدخل الوطني، فتُظهر بيانات World Inequality database أنه خلال عام 2014 (وهي آخر بيانات متوفرة)، حاز أعلى 1% من البالغين على نسبة 23.4% من الدخل الوطني في لبنان، وأعلى 10% على نسبة 57.1% منه، فيما حصل أدنى 50% من البالغين على نسبة 10.6% فقط من الدخل الوطني.
ويملك 0.5% من السكان ثروات تفوق كل منها مليون دولار و8.2% ثروات بين 100 ألف ومليون دولار، فيما امتلك 91.2% ثروات أقل من 100 ألف دولار. وقد حلّ لبنان في المرتبة السادسة عربياً في نسبة السكان ممن يملكون ثروات تفوق المليون دولار. كما تُظهر البيانات أن سكان لبنان يمثّلون 1.68% من مجموع سكان الدول العربية عام 2019، ويمثّل البالغون فيه 1.75% من مجمل عدد البالغين في جميع الدول العربية، بينما يمثّل البالغون فيه والذين يقعون ضمن فئة أغنى 10% في المنطقة العربية ككل نسبة 3.72%، أي نحو ضعفَي حصة لبنان من البالغين في المنطقة العربية.
إن هذا التفاوت الهائل في الثروة والدخل في لبنان جعله يحتل المرتبة العشرين عالمياً، والمرتبة الثانية بين الدول العربية في مؤشر جيني (Gini Index) لعدم المساواة.
وبحسب بيانات معهد كريدي سويس للأبحاث، بلغ معامل جيني للبنان 81.9 في عام 2019، وبمتوسط سنوي 84.7 خلال السنوات العشر الماضية (مؤشر جيني، أو معامل جيني، هو مقياس لتوزيع الدخل عبر مجموعة سكانية، ويتم استخدامه كمقياس لعدم المساواة الاقتصادية، أو لقياس توزع الدخل بين السكان. تُراوح قيمة المعامل بين 0% (ويمثل المساواة الكاملة) و100% (ويمثل عدم المساواة الكاملة).

قلّة تسيطر على الودائع
هناك مؤشر آخر يدّل على الفروقات الهائلة في الثروة والدخل في لبنان هو توزع الحسابات الإيداعية في المصارف اللبنانية. فقد أظهرت جداول صادرة عن لجنة الرقابة على المصارف في لبنان، أنه في نهاية عام 2019 كان هناك 22,506 مودعين يمثّلون نسبة 0.8% من مودعي المصارف اللبنانية ويستحوذون على 47.2% من مجمل الإيداعات. في المقابل، فإن 2,790,737 مودعاً يمثلون نسبة 99.2% من المودعين كانت لديهم 52.8% من مجمل الإيداعات. وضمّ أكبر 26 حساباً (وفيها ودائع تفوق 150 مليار ليرة) نسبة 3.8% من مجمل الودائع وما مجموعه 5,831 مليار ليرة. تلاها 42 حساباً (وفيها ودائع قيمتها ما بين 75 و150 مليار ليرة) فيها 2,812 مليار ليرة، و282 حساباً (فيها ودائع ما بين 30 و75 مليار ليرة) فيها 8,160 مليار ليرة، و679 حساباً (فيها ودائع بين 15 و30 مليار ليرة) فيها 8,891 مليار ليرة. في مقابل ذلك، احتوى 1,725,030 حساباً (تمثل 61.3% من عدد الحسابات) على 956 مليار ليرة (0.6% من الودائع) و481,602 حساب (تمثل 17.1% من الحسابات) على 4,456 مليار ليرة (2.9% من الودائع).
وبالتأكيد، فإن معرفة إيداعات اللبنانيين خارج لبنان سوف تُظهر مزيداً من الثروة للفئات الأكثر ثراءً.



فجوة الدخل بين الشرائح
تسري ظاهرة انعدام المساواة على الدخل أيضاً. فقد نفّذ مشروع الـ UNDP في وزارة المال عام 2017 دراسة إحصائية باستخدام الإقرارات الضريبية للوزارة لعام2014 تقدّم رؤية شاملة لتوزّع الدخل في القطاع الخاص للأجراء وللأفراد العاملين لحسابهم الخاص، رغم أن البيانات المستخدمة لا تغطي سوق العمل الكلي في لبنان.
بالاستناد إلى الإحصاءات الموجودة في الدراسة يمكن استنتاج ما يلي:
أولاً – توزّع دخل العمل في القطاع الخاص بشكل عام: ضمّت مجموعة البيانات الكليّة للإقرارات الضريبية للموظفين والأفراد العاملين لحسابهم الخاص 457,319 فرداً، أو ما يمثّل 31% من القوى العاملة في لبنان في عام 2014، حصلوا على مجمل دخل بلغ نحو 10,250 مليار ليرة. وأظهرت الدراسة أن أدنى 59% من دافعي الضرائب (أي الأفراد الذين يقل دخلهم عن 15 مليون ليرة لبنانية) قد حصلوا على نسبة 22% من إجمالي الدخل. في المقابل، حصل أعلى 2% من دافعي الضرائب على نسبة 17% من إجمالي الدخل.
ثانياً – توزع أجور الموظفين: أظهرت بيانات الإقرارات الضريبية للموظفين لعام 2014 وجود 369,279 دافع ضرائب حصلوا على دخل تراكمي بلغ نحو 8,290 مليار ليرة، ومتوسط دخل فردي بلغ نحو 22.4 مليون ليرة. وقد أظهرت الأرقام أن 56.8% من الموظفين حصلوا على دخل فردي أقل من 15 مليون ليرة سنوياً، ومثّل مجموع دخلهم نسبة 22.4% من مجمل الأجور. كما أن نسبة 36.9% من الموظفين حصلوا على دخل فردي بين 15 و60 مليون ليرة، ومثّل مجموع دخلهم نسبة 45.8% من إجمالي الأجور. في المقابل، فإن نسبة 6.3% من الموظفين حصلوا على دخل فردي أكثر من 60 مليون ليرة، وشكّل مجموع دخلهم نسبة 31.8% من إجمالي الأجور. علماً بأن الشريحة الأعلى ذات الدخل الفردي الذي يزيد عن 120 مليون ليرة شكّلت 1.4% من الموظفين وحصلت على 14% من إجمالي أجور الموظفين.
يجب التفكير بشكل جدّي في موضوع الدَّين العام واعتبار جزء منه مساهمة في بناء شبكة أمان اجتماعية للفئات الفقيرة


ثالثاً – توزيع دخل العاملين لحسابهم الخاص وأصحاب الأعمال: ضمّت البيانات المستمدة من الإقرارات الضريبية لأصحاب الأعمال 88,040 دافع ضرائب حصلوا على مجمل أرباح قدرها 1,960 مليار ليرة، ومتوسط دخل فردي قدره 22.8 مليون ليرة. وقد أظهرت الأرقام أن 67.3% منهم حصلوا على دخل فردي أقل من 15 مليون ليرة سنوياً، ومثّل مجموع دخلهم نسبة 21.7% من إجمالي الدخل لهذه المجموعة. كما أن نسبة 25.9% منهم حصلوا على دخل فردي بين 15 و60 مليون ليرة، ومثّل مجموع دخلهم نسبة 31.6% من إجمالي الدخل لهذه المجموعة. في المقابل، فإن نسبة 6.8% منهم حصلوا على دخل فردي أكثر من 60 مليون ليرة، وشكّل مجموع دخلهم نسبة 46.7% من إجمالي الدخل. علماً بأن الشريحة الأعلى ذات الدخل الفردي الذي يزيد عن 120 مليون ليرة، شكّلت 2.5% من مجمل العاملين لحسابهم واستحوذت على 31.1% من مجمل دخل المجموعة.




الفقر يتراكم
تتركّز تداعيات الأزمات الاقتصادية والمالية والصحية في لبنان بشكل كبير على الفئات الأدنى دخلاً. ففي حين أن الفئات ذات الدخل الأعلى لديها – بشكل عام – حماية من التطورات السلبية عبر وظائفها المضمونة بعقود أو عبر مداخيلها وأصولها المقيمة بالعملات الأجنبية، فإن الأفراد في أسفل سُلّم الدخل هم أكثر تعرضاً لصدمات الدخل والأسعار، وذلك لعدم وجود شبكات أمان اجتماعية تحميهم من العوز. وعليه، تُظهر تقديرات البنك الدولي أن تبلغ نسبة الفقر المُدقع في لبنان (أي بمدخول أقل من 8.5 دولارات يومياً بحسب سعر الصرف الرسمي) 23.4% بنهاية العام الحالي، مقابل 8.2% عام 2019. كما تقدّر أن تبلغ نسبة الفقر (أي بمدخول أقل من 14 دولاراً يومياً بحسب سعر الصرف الرسمي) 55.3%، مقابل 28% عام 2019. وهكذا، سوف يبلغ عدد الفقراء في نهاية 2020 نحو 2,668,600 (مقابل نحو 1,315,600 في عام 2019)، فيما سيبلغ عدد الذين يعانون من الفقر المُدقع نحو 1,127,600 (مقابل نحو 374,400 في عام 2019).

الحلول المتاحة للتخفيف من عدم المساواة
تتحمّل السياسات الحكومية التي سادت على مدى ثلاثين عاماً المسؤولية الأولى والرئيسية في تعميق مشكلة انعدام المساواة في لبنان، سواء السياسات الاستثمارية للدولة أو الإنفاقية أو الضرائبية أو التمويلية عبر الاستدانة. وكان لاستدانة الدولة (بشقّيها الحكومة ومصرف لبنان) دور كبير في تفاقم اللامساواة، إذ أسهمت الفوائد المرتفعة وغير المنطقية في استنزاف الإيرادات الحكومية، فأصبحت الدولة تستدين بهدف سدّ جزء من الدَّين القديم المستحق وفوائده بدلاً من توجيه هذه الموارد إلى الإنفاق الاستثماري أو حتى الاجتماعي لدعم الأسر الفقيرة. لذا، يجب التفكير بشكل جدّي في موضوع الدَّين العام وإمكانية اعتبار جزء منه كمساهمة في بناء شبكة أمان اجتماعية للفئات الفقيرة.
كما يجب على الدولة، وبأسرع وقت ممكن، إقرار ضريبة على الثروة في لبنان، هي ضريبة سائدة حتى في أكثر الدول رأسمالية. لا يجب اعتبار هذا النوع من الضرائب كعقوبة على الأثرياء أو على نشاطهم الاقتصادي بل كشكل من أشكال التضامن الاجتماعي. ففي النهاية، يتم جمع الثروات وتراكمها داخل الدولة ومن جميع القاطنين ضمن حدودها.
تجدر الإشارة إلى أن تقريراً صادراً عن الإسكوا قدّر كلفة سدّ فجوة الفقر في لبنان في عام 2020 بمبلغ 838 مليون دولار على أساس خط الفقر الأدنى (خط الفقر المُدقع)، و266 مليون دولار على أساس خط الفقر الأعلى (خط الفقر). وبهدف سدّ هذه الفجوة، يقترح التقرير إحداث «ضريبة تضامن» بنسبة 0.9% على ثروة أغنى 10% من البالغين، والتي تبلغ نحو 91 مليار دولار. إن فرض مثل هكذا ضريبة سوف يمثل دعماً مقبولاً للأسر الفقيرة في لبنان، ويمكن اعتباره مساهمة متواضعة من الفئة الأكثر ثراء.

المصادر
● Assessing Labor Income Inequality in Lebanon’s Private Sector, UNDP project, Lebanese Ministry of Finance, 2017.
● Credit Swiss, Global wealth databook (2019).
● Poverty in Lebanon: Solidarity is vital to address the impact of multiple shocks, ESCWA, 2020.
● Wealth distribution and poverty impact of COVID-19 in Lebanon, ESCWA, 2020.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا