ساد وهْمٌ مالي هائل لأكثر من خمسة وعشرين عاماً في لبنان. لكنّ هذا الوهم كان أيضاً وهماً نقدياً: وهمٌ بأن الدولار اللبناني، مطابق بطبيعته للدولار الأميركي. لم يكن تثبيت سعر صرف الليرة مقابل الدولار سوى عنصر مكمّل لتغذية الوهم وحرف الأنظار. لم تكن صيانة هذا الوهم واستدامته لفترة طويلة إلى هذا الحدّ ممكنتين إلا فقط من خلال التلاعب بموازنات المصارف والبنك المركزي والدولة وتداخلها المحكم، ومن خلال خلق وفير للنقد عبر آليات التسليف، وفوق كل شيء من خلال جمع مصالح اقتصادية وسياسية قوية تبيّن أنها كانت قصيرة النظر.

لم تكن هذه الآلية، في الأصل، عرضية. لذا يصبح السؤال: بأيّ نموذج اجتماعي سياسي كان اعتماد «الدولار اللبناني» كعملة فعّالة متصلاً؟
لأنه إذا كان النقد سمة أساسية للسلطة، فهو أيضاً أداة حاسمة للسياسات العامة، وبالتالي للنموذج الاجتماعي السياسي. هكذا يسهل التعرّف إلى المطابقة بين صيغ التشكيل الاجتماعية السياسية الأربع التي عرفها لبنان والنقد المعتمد في كلّ منها:
1. كان اقتصاد زراعة الكفاف قليل الاعتماد على النقد، ولم ينتشر التداول النقدي إلا في ظل الاحتلال المصري بين عامَي 1831 و1841. ما زال اللبنانيون حتى اليوم يعيّنون النقد بمصطلح «المصاري» في إشارة إلى مصر.
2. حصل التصنيع الأوّلي في الريف (1820 – 1880) في ظل العملة العثمانية الذهبية.
3. تطور الاقتصاد الكمبرادوري حول بيروت كقطب تجاري (1890 – 1957) أولاً في ظل نظام الفرنك الفرنسي، ومن ثم بعد الاستقلال من خلال اعتماد الليرة «عملة قوية» مضمونة عبر مراكمة الاحتياطيات الكبيرة من الذهب.
4. الاقتصاد القائم على النهب وإعادة التوزيع (1985 حتى أمس) والمتمحور حول الهجرة الممنهجة للبنانيين والاستحواذ على مدّخرات المهاجرين، قام حول «الدولار اللبناني» لأن «أجره» كان أفضل من «أجر» توأمه المفترض الدولار الأميركي، ولأنه كان يشكل استثماراً جذّاباً لمدخرات المهاجرين الذين يحتسبونها بالدولار أصلاً، ولأنه كان، بدفعه الأسعار المحلية إلى الأعلى، يحدّ من إمكانيات العمل والاستثمار محلياً، ويحافظ بالتالي على دفق دائم من الهجرة.
التشابه تام مع الأنظمة النقدية لدول الخليج النفطية التي تستخدم عملات هي توائم للدولار الأميركي، وهو العملة التي تحصّل بها هذه الدول عائدات النفط، سلعة التصدير الوحيدة لديها، مع فارق أن سلعة التصدير الرئيسية في لبنان ليست سوى الشباب اللبناني.
يصبح السؤال المطروح، للمرحلة التي تبدأ، هو اختيار العملة المناسبة لها. سوف تمتاز هذه المرحلة بضغط شديد على توافر العملات الأجنبية وبالتالي على الاستيراد والاستهلاك. على أساس هذه الاعتبارات تكون الخيارات عادلة أو غير عادلة. سوف تتطلب هذه المرحلة من ناحية أخرى، تشجيع الاستثمار المحلّي والخارجي. على أساس هذه الاعتبارات تكون الخيارات هادفة أو غير هادفة.


يمكننا بالفعل التعرف إلى إرهاصات أوليّة مرتبكة لسياسة نقدية جديدة، من دون أيّ رؤية ناظمة، وفي ردات فعل على تطورات الأزمة:
- الإعلان عن سعر رسمي (لا أساس قانونياً له) مقابل سعر السوق (عند الصرّافين).
- محاولات لوضع حد أقصى لسعر الصرف يزيد بنسبة 30% عن (السعر الرسمي) في مشاريع قوانين تقيّد حركة الرساميل.
- تحديد سعر صرف ضمني للدولار في الخارج أو المدفوع نقداً يساوي 1.3 دولار لبناني، ثم 2 (اليوم أصبحت أكثر) مع إقامة تمييز في مشروع القانون (قانون الكابيتال كونترول) بين الأموال الطازجة التي تبقى قابلة للتحويل والصرف بحرية لمن يؤمن بالوعود، وبين الأموال القديمة، أي الودائع المصرفية...
من الواضح أن كمية موارد العملات الأجنبية التي يمكن تعبئتها (الأصول الخارجية المتاحة بالفعل، الذهب أو بالأحرى ما تبقّى منه، التمويل الخارجي الموعود من مؤتمر «سيدر»، أو من «سيدر» جديد بعد تعديله بنتيجة تفاوض ما، الأموال التي قد تأتي من برنامج صندوق النقد الدولي، وما إلى ذلك) ستتحكّم إلى حدّ بعيد بالاختيار بين مختلف الصيغ النقدية الممكنة.
يجدر التذكير بأن النقد هو في الأساس حلقة الوصل بين تدفّقات الإنتاج والدخل وعمليات الاستهلاك، وإنما أيضاً عمليات الادّخار والاستثمار. سواء عن طريق الآليات النقدية (استقرار الأسعار أو التضخم المحلي، تغيّر أسعار الصرف الظاهرة، وبالتالي سعر الصرف الفعلي، أي الأسعار النسبية بين الداخل والخارج)، أو الآليات المالية (معدلات الفائدة، أحجام التسليم ووجهاته)، يبقى الهدف الرئيسي المفروض تحقيقه هو زيادة مخزون رأس المال المستثمر، العام والخاص، للتعويض عن عجز الاستثمار المتراكم ولتعزيز تصاعد الإنتاج، ولا سيما للسلع والخدمات القابلة للتبادل.
من الثابت أنه يجب التخلي عن «الدولرة» بشكل نهائي لأنها تؤدّي إلى فقدان كل قدرة للسياسة النقدية على التأثير في الاقتصاد.
يتّسم مؤشر أسعار الاستهلاك الذي احتسبته «مؤسسة البحوث والاستشارات» منذ عام 1977، بميزة الاستمرارية على مدى فترة طويلة. من خلال إعادة احتساب هذا المؤشر بالدولار الثابت، نسعى إلى إزالة تأثير تقلبات سعر الصرف في لبنان، وتأثير التضخم في الولايات المتحدة خلال الفترة من كانون الثاني 1990 حتى آب 1999. النتيجة التي يمكن التوصل إليها من خلال هذا الأمر تستدعي قول الآتي:
- قبل تشرين الأول 1992، على مدى 31 شهراً، ظلّت تقلبات المؤشر، رغم تقلّب سعر صرف الدولار بين 400 و2200 (أي ما يقرب من 500%)، محدودة حول قيمة وسطية قدرها 190، مع سعة تبلغ 30 %، أو 16% مع تأثيرات متأرجحة قابلة للتفسير، باستثناء شهرين حيث تجاوز التذبذب النطاق مؤقتاً.
- لم تسفر سياسة تثبيت سعر الصرف عن خفض التضخّم المحتَسب بالدولار، لا بل على العكس، أتى التثبيت مصحوباً بارتفاع منتظم في المؤشر، من 220 إلى 460، أي أكثر من الضعف. تسبّب حقن الموارد المالية من الخارج بتضخّم كبير عبر الطلب منفصل تماماً عن سعر الصرف رغم الدولرة شبه التامة.
ساعد استقرار سعر الصرف، لا بل تحسّنه المنتظم، في تعويض التضخّم بالدولار في الولايات المتحدة الأميركية، وشكّل هذا التعويض ضمانة إضافية لرؤوس الأموال الوافدة إلى البلد.
سوف تتوجّب المفاضلة بدقّة بين استهلاك يتقلّص بشكل حادّ واستثمارات مطلوبة بشكل ملحّ، انطلاقاً من مخزون ضئيل من الموارد بالعملات الأجنبية باستثناء التمويل الخارجي إذا حصل. كما تتوجب مراقبة بعض التأثيرات الطفيلية والسيطرة عليها: تآكل الموارد، ولا سيما عن طريق الهجرة، وتشكيل شبكات «سوق سوداء» وعودة الزبائنية المافيوية مموّلة من «السوق السوداء» نفسها أو عن طريق دخول رؤوس أموال جديدة طامعة بصفقات مالية أو سياسية مغرية، أو حتى عن طريق التلاعب بالتمويل الخارجي «الإنساني» (مثل البرنامج الوطني لاستهداف الفقر National poverty targeting program) العائد للبنك الدولي.
يتوجب على النظام المالي المنشود أن يعالج هذه الاعتبارات.
ما تسعى إليه «مواطنون ومواطنات في دولة» هو تلافي أن تصبح الهجرة الكثيفة، هي الردّ على الأزمة الاقتصادية والمالية، فيُضحّى بالمجتمع لاستبقاء النظام السياسي الطائفي أو لاستبداله بصنو له مع منسوب أو آخر من الاستقرار


يمكننا تصور عدة نتائج محتملة للأزمة التي وجد لبنان نفسه غارقاً فيها، شريطة أن يُنظر إليها على أنها انتقال مما لم يعد موجوداً - وان استمرّ الناس يتمسّكون به - إلى ذاك الشيء الجديد الذي يجدون صعوبة في تصوّره برصانة. لاستعراض هذه الصيغ المحتملة، يجب النظر في تأثير أربعة متغيرات مختلفة رئيسية: وضع الأجانب المقيمين في لبنان، هجرة اللبنانيين، العلاقات الإقليمية، مرجعية شرعية الدولة. إذا اعتمدنا ثلاث حالات لكل من هذه المتغيرات نحصل عبر توليفها على 81 صيغة محتملة. طبعاً ليست جميع هذه الصيغ متناسقة لناحية إمكانية تحقّقها. ونكتفي باستذكار قيم مرجعية للمتغيرات الأربعة ثم نتناول بعض الصيغ التوليفية الناتجة، يبدو أن احتمال تحققها أعلى من غيرها.
إن هجرة جارفة تطاول اللبنانيين الذين كانوا يحصلون على مداخيل متوسطة، كفيلة بتقليص استهلاك المواد المستوردة وبزيادة التحويلات التي قد يجرونها لإعالة أقربائهم الباقين في البلد، فتعيد بعض التوازن إلى الحسابات الخارجية. هذا هو الحلّ الأسهل، لكنه الأخطر. يخشى أن يكون الأوفر حظاً بالنظر إلى عجز النظام، الذي ما زال ممسكاً بالسلطة، عن مواجهة الأزمة. لكنها سوف تجهّز تهديم المجتمع بتفريغه من قواه الحيّة وبتفكيك الروابط الأسرية والمجتمعية. وسوف يستغرق الأمر وقتاً مديداً ربما لعقود من الانتظار، حتى يتمكن أولئك الذي بقوا، أي الذين لم يجدوا سبيلاً للمغادرة والمسنّون والأكثر فقراً والأقل تعلّماً، والذين وجدوا مصالح لهم في هذا التحوّل من سياسيين وصيادي صفقات، من إعادة تشكيل مجتمع متماسك.
يمكن أن تؤدي هذه الهجرة الكثيفة إلى العديد من الصيغ الناتجة. يتوقف ذلك بشكل كبير على البيئة السياسية الدولية والإقليمية.
في حال استقرّ الوضع السياسي على ترتيب بالحدّ الأدنى، يمكن أن نشهد قيام حكم أمني يعيش على المساعدات الخارجية. أما إذا بقي الوضع السياسي الإقليمي متشنّجاً ومحكوماً بمنطق العقوبات، فقد نشهد أبشع الصيغ مع إرساء سطوة القوى الطائفية كل منها على جزء من البلد، مع انهيار لأجهزة الدولة وتوسع لعمليات التهريب والابتزاز، المنظمة إلى هذا الحدّ أو ذاك. ما تسعى إليه «مواطنون ومواطنات في دولة» هو تلافي أن تصبح الهجرة الكثيفة، هي الردّ على الأزمة الاقتصادية والمالية، فيُضحّى بالمجتمع لاستبقاء النظام السياسي الطائفي أو لاستبداله بصنو له مع منسوب أو آخر من الاستقرار.
لذا، فهي المنطلق من خيار سياسي: إرساء نظام سياسي يحظى بشرعية واثقة تسمح له بمواجهة التحديات والشكوك التي تفرضها الوقائع، نظام مدني يعلن صراحة خياراته في السياسة الداخلية والخارجية. وبحسب التفاعل الخارجي، تتمكّن الحكومة من الحدّ من هجرة اللبنانيين أو حتى من عكس اتجاهها، وتتمكن من التعامل مع المقيمين الأجانب بطريقة منظمة وكريمة. الأهم في كل ذلك هو وعي تسلسل الخيارات وربط كل من حلقاتها بالمعاينة الأولية منطلقاً وبالخيارات الاستراتيجية النهائية مقصداً.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا