«الفقر الزاحف» الذي اعتاده لبنان طوال سنوات ما بعد الحرب نتيجة تضاؤل القدرة الشرائية لدى الفئات المهمّشة وارتفاع معدلات البطالة بشكل أساسيّ، يتحوّل إلى موجة جارفة تُغرق العائلات في العوز والجوع وتغيّر سلوكها وتقاليدها في ما يخصّ غذاءها وعيش أبنائها. نصف القوى العاملة من اللبنانيين المقيمين عاطل من العمل وهناك عدد متزايد منهم يلجأ إلى المساعدات، حتى أن ربع العائلات أضحت تعتمد على المنظّمات غير الحكومية بشكل أساسي لتأمين احتياجاتها.

أموال المساعدات الخارجية موجودة في لبنان منذ نشأة الكيان، والإشكاليات بشأن الدور السياسي لبعضها غير خفيّة على أحد، سواء كانت تُوزّع عبر جهات محليّة مرعية من النظام، أو عبر أذرع منظّمات دولية. غير أن الأزمة التي تتفاقم منذ أكثر عام من دون أيّ أفق لعلاج محلّي، ترفع أهميتها وتجعل 23% من العائلات تعتمدها مصدراً أساسياً للدخل، وفقاً لمسح أجراه برنامج الأمم المتّحدة للغذاء بالتعاون مع مجموعة البنك الدولي، شمل 2335 عائلة لبنانية مقيمة بين شهرَي تموز وآب 2020.
ومع تراجع القوة الشرائية نتيجة انهيار سعر الليرة ووصول معدّل التضخم إلى عتبة 200%، تعتمد العائلات على أكثر من مصدر للدخل. الأجور أساسية لـ58% من المشمولين بالعيّنة الممسوحة، وبعدها مباشرة مساعدات المنظمات غير الحكومية، وتلك المتأتية من البرامج الحكومية، تليها الأعمال التجارية غير الزراعية والاستثمارات من ثمّ تحويلات المغتربين.


هرم الدخل اللبناني هذا عرضة لتشوّه أكبر في المرحلة المقبلة. فمعدّل الدخل حالياً يبلغ 900 ألف ليرة، أي ما يعادل 112 دولاراً في أفضل سوق صرف متاحة للمقيمين. وبغياب الرؤية الواضحة في إدارة البلاد ووصول البطالة إلى 50%، سيرتفع الاعتماد على المساعدات، ومعه التساؤلات بشأن دور المنظّمات غير الحكومية ومعايير السيادة والاستقلال. ولكن ما معنى السيادة في غياب لقمة العيش والكرامة الإنسانية في حياة العائلات اليومية بنتيجة فساد الطبقة السياسية؟
أخيراً نظّم الإيليزيه مؤتمراً مصغّراً بالتنسيق مع الأمم المتحدة لجمع الأموال للبنان وتوزيعها عبر المنظمات غير الحكومية لتجنّب قنوات الدولة اللبنانية التي ينخرها الفساد وتسيطر فيها الزبائنية. روّج الإعلام الفرنسي لهذه المبادرة وغمز من قناة الخزي والعار اللبنانيين؛ «ألا تخجل الدولة من هذا الوضع؟» سأل البعض. الحقيقة هي أن الخجل، وبغضّ النظر عن كونه غير محسوب في السياسية، هو آخر المعايير المعتمدة في إدارة البلاد القائمة على ائتلاف الطوائف. هذا الائتلاف ساهم بتوليد أزمة تُعدّ الأسوأ مقارنة مع أزمات عالمية سابقة مختارة، وفقاً لمؤشّر خاص أعده الفريق الاقتصادي لدى البنك الدولي ونُشر أخيراً في إطار مرصد لبنان الاقتصادي.
يخلص خبراء البنك إلى أنه في ظلّ ضعف أساسيات الاقتصاد الكلّي في لبنان منذ ما قبل الأزمة، من المتوقّع أن «تكون عمليّة التعديل أصعب وأطول، حتى مع توفّر تدابير سياسة مثاليّة». يشرحون أنه رغم مرور عام كامل على الأزمة الاقتصاديّة «لم يتم بعد تحديد هذه السياسات، ناهيك عن تنفيذها، ما يؤخّر الخروج من الأزمة الاقتصاديّة وإنعاش الاقتصاد مجدّداً. وبالتالي، كما هي الحال الآن، يُرجَّح أن تكون الأزمة الاقتصاديّة التي تضرب لبنان أخطر وأطول مقارنةً مع غالبيّة الأزمات الاقتصاديّة».
عمليّاً، مع توقّع تقلّص اقتصادي بنسبة 20% تقريباً هذا العام واستمرار التذبذب في سوق الصرف، سيتزايد معدّل الفقر ليتجاوز نصف عدد السكان عام 2021، وفقاً للبحث نفسه، وسيتأثّر المقيمون من خلال قنوات مختلفة، من فقدان العمالة الإنتاجيّة وصولاً إلى تعليق الحوالات مروراً بتراجع القوة الشرائيّة الفعليّة.
هذا ما يعيدنا إلى نتائج المسح التي تفيد بأن عدداً متزايداً من العائلات، تصل نسبتها إلى 87%، يلجأ إلى اعتماد استراتيجية لإدارة استهلاك الغذاء للتأقلم مع الأزمة. وأكثر من نصفها يخفضّ الحصّة الغذائية للفرد الواحد من العائلة عندما لا يكون الغذاء متاحاً كلّياً. ونسبة أقل من ذلك بقليل (46%) تصل إلى درجة خفض حصّة البالغين لصالح الأطفال.
ووفقاً لمؤشّر استراتيجية التأقلم الذي أعده الباحثون ويعكس السلوكيات المذكورة، فإنّ أكثر المحافظات تأثراً هي عكار وبعلبك الهرمل والنبطية. معاناةٌ تُضاف إلى صعوبات الحصول على الدواء وعلى خدمات الاستشفاء. كل ذلك يدفع الشعب أكثر إلى الاعتماد على المساعدات أكانت من المنظمات أم الدولة نفسها؛ عند الجوع يلجأ المرء إلى جلّاده إذا تعذّرت الثورة عليه.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا