حتى هذه اللحظة، وباستثناء تونس، فشلت الثورات، التي حدثت بين عامي 2010 و2011 في خمس دول عربية، في تحقيق أهدافها الشعبية الرئيسية، وهي تحويل الأنظمة الاستبدادية التي كانت تحكمها إلى أنظمة أكثر ديمقراطية تحمي الحريات. بل على العكس، تحولت الثورات في ثلاثة من هذه البلاد (ليبيا، سوريا و اليمن) إلى حروب أهلية شرسة أدّت إلى معاناة إنسانية ودمار لا يوصف، بالإضافة إلى أنها أنتجت ملايين اللاجئين. أمّا بالنسبة إلى مصر، وهي الدولة الخامسة بين تلك الدول، فقد ساد فيها نظام استبداديّ أكثر صرامة من النظام الذي كان قائماً قبل الثورة.

وبالنظر إلى المنطقة ككل، ففي حين أن القليل من الدول حقّق بعض التقدم في ما يخص تخفيف قيود الاستبداد، إلّا أن هذه المنطقة لا تزال دولها غير ديمقراطية وأقرب إلى النُظم الاستبدادية، مع اختلاف درجات الاستبداد فيها بين بلد وآخر. بمقارنتها مع مناطق أخرى، منذ سقوط الاتّحاد السوفيتي عام 1990، تضع مؤشّرات الديمقراطية العالمية المنطقة العربية في أدنى مقاييس الديمقراطية. لكن على نقيض ذلك، تمتلك هذه المنطقة سجلّاً اجتماعياً أفضل بكثير لجهة التنمية الاجتماعية والاقتصادية، ويُظهر هذا السجلّ نموّاً في الدخل الحقيقي للفرد وفي التنمية البشرية.

داريو كاستيليخوس ــ المكسيك

يأتي هذا الانعدام في الترابط بين الديمقراطية والتنمية في المنطقة العربية، كنقيض لحالات الترابط بين هذين المؤشّرين السائد في باقي المناطق في العالم.
وتشير الأبحاث حول فشل الديمقراطية في التجذّر في المنطقة العربية إلى أن ذلك يعود إلى سببين أساسيين هما: التأثير النفطيّ (المقايضة بين الرفاه الاقتصادي والحقوق السياسية) والأهم من ذلك بيئة الصراع في المنطقة.
وتُظهر بيانات فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية (1946-2019) أنّ منطقة الشرق الأوسط استحوذت على أكثر من 14% من الصراعات العالميّة، وهي التي ارتفعت إلى نحو 19% في فترة 2010-2019.
ومع أخذ ما سبق في الاعتبار يبرز السؤال: ماذا يمكن القول عن آفاق الديمقراطية في المنطقة العربية؟ وهل التجربة التونسيّة استثنائية؟ أم أن دولاً عربيّة أخرى ستتبع المسار نفسه؟
من منظور قصير المدى، يجب أن ندرك أن السمتَين الرئيسيتين اللتين تميّزان المنطقة العربية عن معظم المناطق الناشئة الأخرى، هما الصراعات المزمنة والثروة النفطية (مع التدخلات الخارجية ذات الصلة)، والتي لا تزال قائمة.
في الواقع، إن مستوى وشدّة الصراعات في المنطقة التي تغذّيها الانقسامات الطائفية المتزايدة، ويشمل ذلك زيادة حدّة سياسات إثبات الهوية وصعود الجماعات الأصولية، قد ازدادت منذ عام 2011.
وعلى المدى الطويل، طالما استمرّت الصراعات العسكرية متعدّدة الأبعاد في سوريا واليمن وليبيا في الاشتعال ولم يتمّ حلها بشكل منصف، فإنّ احتمالات التحول إلى الديمقراطية في هذه البلدان وخارجها في المنطقة تظلّ قاتمة.
وكما لوحظ، إنّ هذه الصراعات هي مظاهر لثورة مضادة (مرتبطة بالتدخلات الأجنبية) تهدف إلى خنق التحولات نحو أشكال ديمقراطية للحكم. لكن في نهاية المطاف ستتمّ تسوية هذه الصراعات. والسؤال الذي يطرح نفسه، هو إذا كانت نتيجة التسويات وطبيعة الأنظمة السياسية التي تليها ستعكس سمات الحكم الديمقراطي، كما في حالة تونس، أو تلك الخاصة باستبداد متجدّد، وما هو الحال في مصر؟
وبالتالي، سيكون لتسوية هذه النزاعات تأثير كبير على آفاق الديمقراطية في المنطقة في فترة ما بعد الثورات. وتدفع في هذا الاتّجاه، التوجّهات الاجتماعية والاقتصادية المتنامية التي تميل إلى إضعاف الأنظمة الاستبدادية السائدة، أو ثورتها المضادة أو «الترقية الاستبدادية» في أعقاب ثورات عام 2011. وتشمل هذه التوجهات:
- تراكم تأثيرات التحديث «modernizing influences» (على سبيل المثال: تنامي الطبقة الوسطى، تحسين مستويات التعليم وزيادة مشاركة المرأة في المجالات الاقتصادية والسياسية) التي أبطأت أو عطّلت الصراعات الأهلية.
- تزايد عدم الملاءمة بين المؤسّسات السياسيّة الحصرية والانفتاح المتزايد للمؤسسات الاقتصادية.
- مطالب شعبية متزايدة من أجل الحرية والمساواة في الحقوق السياسيّة والعدالة الاجتماعيّة، يعزّزه تقليل التأثيرات الأصولية.
أكثر من ذلك، إن الآثار السياسية المدمّرة الناتجة من الموارد النفطية الوفيرة نسبياً ستواجهها، مع مرور الوقت، التأثيرات التي تفرض التغيير، مثل تصاعد عدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية التي تولّد عدم الرضا الشعبي المتزايد، تراجع تأثير الريع الناتج جزئياً عن التغيّر في الظروف الاقتصادية الداخليّة، والجوار الديمقراطي المتنامي حيث يميل المزيد من البلدان إلى التحوّل إلى ديمقراطيات جزئية إن لم تكن كاملة تحت تأثير العوامل التي تدفع باتّجاه التغيير.
كذلك، فإن التغيّرات التي شهدتها هيكلية سوق النفط العالمية والتباطؤ المحتمل طويل الأجل للأسعار نحو أسعار «توازن» (equilibrium prices) منخفضة، يرجّح أن تهدّد استدامة الأنظمة الاستبدادية، حتى في مجتمعات الخليج العربي الثرية. وكما وثّق بعض الكتّاب، فكلّما نجح عدد أكبر من البلدان في التحرك نحو ديمقراطية موحّدة، قلّ التهديد المحتمل لعكس هذا الاتجاه.
إنّ نتيجة أيّ تسوية للصراعات المحتدمة في المنطقة لا تزال غير مؤكّدة، وإذا أدّى ذلك إلى عقد اجتماعيّ جديد يحتفظ بأساسيات الحكم الاستبدادي الموجود قبل الصراع - التدخل الحكومي المكثّف والمؤسّسات الضعيفة - فإنّ هذا مؤشّر إلى عودة النضال المتجدّد من أجل التغيير السياسي والاقتصادي


لو كانت عملية التحول نحو الديمقراطية تمّت على أسس متينة في البلدان التي شهدت ثورات (في 2011 وكذلك أخيراً)، لمالت إلى اكتساب زخم إضافيّ من شأنه أن يؤثر إيجابياً على البلدان الأخرى في المنطقة التي لم تتحول بعد إلى الديمقراطية. والسبب هو أن المجتمعات الواقعة في مناطق ديمقراطية تصبح أكثر عرضة للتحولات نحو الديمقراطية. وفي حالة المنطقة العربية، لن تنحسر العوامل المؤدية إلى الصراع فحسب، بل ستتضاءل أهمية ريع الموارد كعائق أمام التحوّل الديمقراطي، حتى بالنسبة إلى المجتمعات التي تتمتع بموارد عالية.
في الختام، إن نتيجة أيّ تسوية للصراعات المحتدمة لا تزال غير مؤكدة. وإذا أدى ذلك إلى عقد اجتماعي جديد يحتفظ بأساسيات الحكم الاستبدادي الموجود قبل الصراع - التدخل الحكومي المكثّف والمؤسّسات الضعيفة - فإنّ هذا من شأنه أن يشير إلى العودة إلى فترة من النضال المتجدّد من أجل التغيير السياسي والاقتصادي.
من ناحية أخرى، إذا كانت النتيجة هي الوصول الى عقد اجتماعيّ جديد ينتج مؤسسات سياسيّة ديمقراطية خاضعة للمساءلة مع الضرورة الشديدة لتنفيذ السياسات الاجتماعيّة والاقتصاديّة التي تعزّز التنمية العادلة وذات القاعدة الواسعة وتحافظ عليها، عندها تكون شروط قيام ديمقراطية تعمل جيداً قد تحقّقت. وينبغي التأكيد أن الفشل في تنفيذ إصلاحات اقتصادية كبيرة يمكن أن يؤدّي إلى تعطيل التغيير السياسي المنشود نحو حكم ديمقراطيّ حقيقيّ، وفي أسوأ الأحوال، العودة إلى أشكال مختلفة من الحكم الاستبدادي المنفتح أو المقنّع.
عندما تنتهي الصراعات الأهلية بنوع من الديمقراطية الجزئية، ينذر مستقبل ما بعد الصراع للبلدان المعنية بشكوك حول استقرارها في المستقبل.

* أستاذ جامعي ووزير سابق للاقتصاد

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا