خلال الشهر الماضي كثُر الحديث عن التضخّم في الاقتصاد اللبناني. كلّ النقاشات والدراسات دارت حول أكثر مؤشرات التضخّم وضوحاً وبساطة: تضخّم سعر صرف الليرة اللبنانية. جرى البناء على هذا المؤشر لتفسير موقع الاقتصاد اللبناني حالياً، لكن مقاربة كهذه لا تخرج عن إطار النظرة النيوليبرالية الحاكمة في البلد، والتي تدعمها دراسات وطروحات المؤسسات المالية الدولية. غير أن تبنّي المؤسّسات الدولية للنيوليبرالية لا يعني أنّ التشريح والتوصيف الحالي للاقتصاد اللبناني هما أمر دقيق أو حتى عادل. والاستناد إلى توصيف كهذا من أجل تزكية سياسات نيوليبرالية الطابع سيكون ركوناً إلى نظرية اقتصادية غير عادلة بحق مجتمع يقع على شفير الجوع، وخصوصاً أن هناك مدارس فكرية أخرى يمكن الاستناد إليها للخروج بتشريحات وسياسات أكثر عدالة يمكن تطبيقها في لبنان.


نيوليبرالية ونيوكينزية
حين دخلت النيوليبرالية في مؤسّسات الحكم في الولايات المتحدة وبريطانيا في مطلع الثمانينيات، جاءت في إطار تطبيق سياسات «النظرية النقدية» التي رسم معالمها ميلتون فريدمان. تفترض النظرية النقدية أن الزيادة في المعروض النقدي تؤدي إلى زيادة التضخّم على المدى الطويل، ولكن ليس إلى نموّ العمالة أو الإنتاج. وذلك لأنه في حالة زيادة الطلب، سترتفع الأسعار، وبالتالي سيطالب العمال بأجور أعلى. لذا فإن عامل الكلفة سيأخذ بالارتفاع بالنسبة إلى الشركات، ما يعني أن ارتفاع الأسعار لن يؤدّي إلى مزيد من الأرباح. أما الأسعار المرتفعة، فهي بدورها ستخفّض الطلب إلى المستوى القديم. لذا، بالنسبة إلى النظرية النقدية، إن الزيادة المتوقعة في المبيعات الناتجة عن ارتفاع الطلب هي وهم. وبالمثل، قد يؤدّي خفض المعروض النقدي على المدى القصير إلى زيادة البطالة، لكنه سيؤدي على المدى الطويل إلى انخفاض الأسعار والأجور ما يدفع في اتجاه تثبيت التوازن مرّة أخرى على مستوى أكثر انخفاضاً من الأسعار والأجور.
في هذا الإطار، ترى النظرية النقدية أن التضخّم هو نتيجة ارتفاع الطلب الذي يُحدّد من خلال المعروض النقدي. وبالتالي، من أجل التعامل مع التضخم، تقترح النظرية النقدية، اتّباع سياسات تحدّ من التدخل الحكومي قدر الإمكان وترك المجال لقوى السوق الحرّة. وفي السياق نفسه، على الحكومة أن تركّز على تشجيع تطوير المشاريع والمنافسة مع إزالة عوائق السوق مثل نقابات العمال القوية للغاية. وفي المقابل يجب السيطرة على المعروض النقدي للحفاظ على استقرار التضخم، ما يحسّن الثقة بالأعمال التجارية. وإذا لم يتم ضمان ذلك، فإن النتيجة ستكون تفاقماً في مستوى الإنتاج على المدى الطويل، ونموّاً للعمالة من خلال تثبيط الاستثمار، كما أنه يضرّ بالقدرة التنافسية للبلاد في التجارة الدولية. وفي سبيل كل ذلك تحتاج الحكومة إلى ضمان موازنة متوازنة. أمّا على صعيد العمالة، فيجب إدخال سياسات تخفّض مزايا الضمان الاجتماعي لإعطاء حوافز لتخفيض سريع للبطالة.
في المقابل، يعتقد الكينزيون أن توقّع الزيادة في الطلب على الاستهلاك يمكن أن يؤدي إلى زيادة فعلية في الطلب، على شكل النبوءة التي تحقّق ذاتها. فتوقع الزيادة على الطلب سيدفع الشركات نحو المزيد من الاستثمار والإنتاج، وبالتالي توظيف المزيد من العمال، ما سيزيد الدخل القومي، ويؤدي أيضاً إلى زيادة الطلب. يجادل الكينزيون، بأن التحكّم بالمعروض النقدي لن يحقّق استعادة التوازن في الاقتصاد. فخفض المعروض النقدي سيؤدّي إلى انخفاض الطلب على الاستهلاك وبالتالي الإنتاج. وبالعكس سيؤدّي ارتفاع المعروض النقدي إلى زيادة الإنتاج، أي إن تغيير الدخل الحقيقي للأفراد سيحفّز الاستهلاك ويخلق المزيد من فرص العمل والاستثمار. وسيحدث التضخّم فقط، إذا كان هناك طلب مفرط على الاستهلاك.
بالنسبة إلى الكينزيين، غالباً ما تكون الأسواق الحرّة معيبة، ولا تؤدي إلى التوزيع الأمثل للموارد. لذا التدخّل الحكومي ضروري. يجب أن يكون الهدف الأساسي للحكومة هو الحفاظ على معدل نموّ مرتفع ومستقرّ. ويقترح الكينزيون سياسات تهتم بالتحكّم بالطلب الاستهلاكي بشكل أساسي. إلا أنه يمكن تقسيم السياسات الكينزية إلى قسمين؛ سياسات مالية، وأخرى نقدية. ففي إطار السياسات المالية، تمتلك الحكومة وسيلتين مختلفتين للتأثير على الدخل القومي وإجمالي الإنفاق: أولاً، يمكنها التحكم بالإنفاق الحكومي بما يعنيه ذلك من تحكّم في إجمالي الطلب. ثانياً، يمكن للحكومة تغيير مستوى الضرائب التي تسحب الأموال من الدخل القومي وبالتالي تقليص الاستهلاك. وعليه تتحكّم الحكومة بمستويات التضخم من خلال تشجيع سياسات إنفاقية أو انكماشية بحسب وضع الاقتصاد، إن كان في مرحلة نموّ أو ركود.
ومن أجل تحقيق هذه الأهداف، يجب أن تكون الحكومة مستعدّة لمراكمة عجز في الموازنة إذا لزم الأمر. ويمكن للحكومة أيضاً تطبيق السياسات النقدية، مثل تعديل أسعار الفائدة أو المعروض النقدي. يمكن أن تكون هاتان الوسيلتان فعّالتين في التأثير على سوق الأموال القابلة للإقراض: لن تؤدي زيادة المعروض النقدي إلى تغيير الطلب فحسب، بل من المحتمل أيضاً أن تؤدّي إلى زيادة الادّخار. لكن هذه السياسات ليست فعّالة وحدها، إذ يمكن أيضاً إنفاق الأموال الإضافية للمضاربة بدلاً من استعمالها لاستهلاك السلع والخدمات الحقيقية. لذا يرى الكينزيون أنّه من الأفضل اتباع مجموعة من السياسات المالية والنقدية سوية.
إنّ ظاهرة الركود التضخّمي في عقد السبعينيات من القرن الماضي قضت على الكينزية كنظرية قابلة للاستمرار في إملاء السياسات الاقتصادية. هكذا صعدت النيوليبرالية. والركود التضخّمي هو حين يشهد الاقتصاد تضخّماً رغم انخفاض الناتج القومي الإجمالي، كما يحصل في لبنان اليوم. وهذه الظاهرة دفعت بالكينزيين إلى مراجعة نموذجهم والخروج بتصحيحات وتعديلات تختصّ بتحديد سرعة تغيّر الأجور والأسعار لتصبح معادلاتهم قائمة على ما يُسمى «نيوكينزية». ففي نموذج «مثلث غوردن» (وروبرت غوردن من روّاد النيوكينزية ويستند إلى نظرية «التوقعات العقلانية») يُعدّ التضخم مؤشّراً إلى ثلاثة مكوّنات: «القصور الذاتي»، أو التضخم المدمج بالفعل في الاقتصاد؛ «التضخم نتيجة ارتفاع الطلب»، أو إجمالي الطلب كما تمثله فجوة البطالة؛ و«التضخم الناتج عن ارتفاع الكلفة»، والذي يتأثر بصَّدمات أسعار الطاقة والسلع الغذائية التي تؤثّر على إجمالي العرض.
ويرتبط تضخم القصور الذاتي بالتوقعات التكيّفية، وهي الفكرة القائلة بأن الناس يتوقعون استمرار معدلات التضخم الحالية في المستقبل. فمع ارتفاع أسعار السلع والخدمات، يتوقّع العمال وغيرهم أن الأسعار ستستمر في الارتفاع في المستقبل بمعدل مماثل ويطالبون بمزيد من الأكلاف/الأجور للحفاظ على مستوى معيشتهم. تؤدّي أجورهم المتزايدة إلى ارتفاع كلفة السلع والخدمات، وتستمرّ هذه الدوامة اللولبية لسعر الأجور حيث يدفع أحد العوامل الآخر والعكس صحيح.
ويحدث التضخّم نتيجة ارتفاع الطلب، أي عندما تؤدّي الزيادة في المعروض النقدي والائتماني إلى تحفيز الطلب الإجمالي على السلع والخدمات في الاقتصاد لزيادة سرعة زيادة القدرة الإنتاجية للاقتصاد. هذا يزيد الطلب ويؤدي إلى ارتفاع الأسعار.
أمّا التضخم الناتج عن ارتفاع الكلفة فينتج من الزيادة في أسعار مدخلات عملية الإنتاج. عندما يتم توجيه الإضافات إلى المعروض من النقود والائتمان إلى أسواق السلع أو الأصول الأخرى، وخاصة عندما يكون ذلك مصحوباً بصدمة اقتصادية سلبية لتوريد السلع الأساسية، فإن أكلاف السلع الوسيطة ترتفع. تؤدّي هذه التطورات إلى ارتفاع كلفة المنتج النهائي أو الخدمة وشقّ طريقها إلى ارتفاع أسعار المستهلك.

تدمير الاقتصاد والوهم
اليوم، في لبنان، بات واضحاً أن التضخّم هو نتيجة القصور الذاتي، أي الناتج من ارتفاع الكلفة بشكل أساسي. بينما التضخّم نتيجة ارتفاع الطلب لا يلعب دوراً كبيراً. فالطلب على الاستهلاك لم يزدَد خلال السنة الماضية، لا بل بالعكس انخفض مع تدهور سعر صرف الليرة اللبنانية. وأحد الدوافع الأساسية لازدياد التضخم بشكل مطّرد كان التوقعات التكيفية لدى شرائح العمال والتجار والرأسماليين اللبنانيين (بنسب متفاوتة طبعاً) الذين كانوا يتوقعون استمرار معدلات التضخم، وبالتالي اتخذوا إجراءات لضمان مستوى دخلهم. وارتفاع الكلفة هو أحد أهم دوافع التضخّم لأن ما جرى بين أيلول وتشرين الثاني من عام 2019 شكّل صدمة كبيرة للأسواق وخصوصاً لاستيراد السلع الضرورية للإنتاج والخدمات، ولا سيما بسبب إغلاق المصارف وتنفيذ «كابيتل كونترول» استنسابي.

لا يمكن أن نتوهّم أن الحل سيكون على الطريقة النيوليبرالية عبر وصفات استعمال الأدوات المالية لتقليل المعروض النقدي في السوق. فالمشكلة تفترض مراجعة لسياسات عمرها ثلاثة عقود على الأقل، والبحث عن كيف دمّرت هذه السياسات الاقتصاد واستعملت تثبيت سعر الصرف لرفع قدرة استهلاك اللبنانيين بشكل وهمي وبفاتورة ضخمة قيمتها فجوة الثمانين مليار دولار المفقودة من مطلوبات المصارف ومصرف لبنان


فمنذ بدأ سعر الليرة ينخفض مقابل الدولار، بدأت الشرائح الأقوى في السوق تتصرّف على أساس حفظ مستوى دخلها أو ربحيتها. لذا، بدأت أسعار بعض السلع والخدمات ترتفع. إلا أنه مع إغلاق المصارف أبوابها حدثت الصدمة التي أدّت إلى انهيار وهم «الليرة الثابتة» وظهرت صعوبات الاستيراد. في لبنان الاستيراد عامل أساسي في كل حلقات الإنتاج لأن السياسات النيوليبرالية التي أتت بها الحريرية السياسية دمّرت الإنتاج اللبناني (حتى ذلك الذي يعتمد على دورة محليّة كاملة من دون استيراد سلع وسيطة). هذه الأهمية التي يضطلع بها الاستيراد، عزّزت النَّزعات السوقية لاتخاذ المزيد من الإجراءات لحماية أرباح ومداخيل الحلقات الأقوى في السوق، ما أدّى إلى المزيد من ارتفاع الأسعار. هكذا أصبح ارتفاع الأسعار عاماً وشاملاً لمعظم نواحي المعيشة، وهكذا دخلنا في دورة تضخّم مفرط.
وبما أن المشكلة ليست مرتبطة فعلياً بالمعروض النقدي بقدر ما هي مرتبطة بعوامل اقتصادية كليّة، فلا يمكن أن نتوهم أن الحل سيكون على الطريقة النيوليبرالية عبر وصفات استعمال الأدوات المالية لتقليل المعروض النقدي في السوق. فالمشكلة تفترض مراجعة لسياسات عمرها ثلاثة عقود على الأقل، والبحث عن كيف دمّرت هذه السياسات الاقتصاد واستعملت تثبيت سعر الصرف لرفع قدرة استهلاك اللبنانيين بشكل وهمي بفاتورة ضخمة قيمتها فجوة الثمانين مليار دولار المفقودة من مطلوبات المصارف ومصرف لبنان.
والمشكلة الأكبر التي ستواجهنا حين نراجع المسار الذي أُدخل فيه البلد عام 1992 هو أنّنا سنضطر لمواجهة الحقيقة التي تتطلّب قرارات شجاعة: لبنان بلد هامشي في منظومة الاقتصاد العالمي، وفي تلك الفترة لم يكن يملك المقوّمات الاقتصادية والسياسية لتحدّي قرارات الدول المركزية، وإن أراد البقاء في المنظومة عليه أن يمتثل لقرار إدخاله في سياق النيوليبرالية. كان ذلك منذ ثلاثين عاماً حين كانت المنظومة في عزّ قوّتها، بينما الاحتمالات اليوم أوسع، وخصوصاً أن النظام العالمي الأوحد بدأ بالتصدّع وبدأت تظهر خيارات بديلة. القبول بالاستمرار في السياقات النيوليبرالية هو وصفة لاستمرار المعاناة لعقود ولاستنساخها مع أجيال قادمة. اليوم لا توجد سياسات يمكنها كبح جماح التضخّم، والواقع هو أن معالجته لا يمكن أن تتم إلاّ بخطط تعالج الاختلال الاقتصادي وتؤتي أكلها بعد سنوات وليس بعد أشهر. في حالة كهذه، إن الأولوية في بلد لا ينتج تكمن في أن يركّز المسؤولون على تأمين الأساسيات التي تقي سكّانه الجوع وتُبقي دوران عجلة الاقتصاد بشكل عادل، حتى ولو كان الثمن إغضاب المؤسسات المالية الدولية التي تمثّل مركز المنظومة.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا