لماذا يريد خبير اقتصادي دوليّ بارز مثل بول كروغمان، من جميع الطلاب الجامعيين في الولايات المتحدة أن يجفلوا عند ذكر مصطلح التنافسية؟ يبدو أن هذا المصطلح يثير فيه شيئاً أبعد من اللامبالاة. لماذا ردّ فعله القوّي هذا؟ قد يكون السبب متّصلاً باستخدام هذا المصطلح في الخطاب العام، في أحيان كثيرة، بشكل غير نقديّ وغير معروف بشكل دقيق. أعتقد أن هناك أسباباً أعمق. إن فكرة رفع الأمّة إلى مستويات معيشة أعلى من خلال التنافسية – أي الانخراط في أنشطة ترفع مستويات المعيشة الوطنية أكثر من الأنشطة الأخرى - تتعارض بشكل مباشر مع الافتراضات والمعتقدات التي تشكّل أسس الصرح الاقتصادي النيوكلاسيكي. ليست هذه هي الطريقة التي يفترض أن يحصل من خلالها النموّ الاقتصادي في النموذج النيوكلاسيكي. ردّ الفعل القوي ضدّ هذا المصطلح مرتبط بوجود افتراضات ضمنية وراء فكرة «التنافسية» تتعارض مع جوهر هذا الفكر الاقتصادي. فبحسب الافتراضات النيوكلاسيكية التي تقول إن «الشركات التمثيلية» تعمل في ظل توافر المعلومات بشكل مثالي (كل المعلومات متوافرة للجميع)، ومن دون تأثيرات حجم الإنتاج (scale effect)، لا معنى لمصطلح التنافسية. من هنا تأتي وجهة نظر كروغمان عن أن فكرة «القطاع ذو القيمة العالية» سخيفة. فتنتج فكرة التنافسية عن عوامل افترض علم الاقتصاد النيوكلاسيكي أنها غير موجودة، لذلك يبدو المصطلح بلا معنى.


أنجل بوليغان ــ المكسيك

كل القطاعات ذات القيمة العالية والقدرة التنافسية تنبض بالحياة في عالم فيه عدم توافر للمعلومات بشكل كامل وضخامة في وفورات الحجم (economies of scale). وفورات الحجم هي في صميم المنافسة المعولمة. في الواقع، في ظلّ الافتراضات المعيارية للنظرية الاقتصادية النيوكلاسيكية، يصعب العثور على أسباب لوجود الشركات على الإطلاق، ومنها الشركات العالمية. لذا، فإنه رغم الاستخدام الغامض والنمطي لمصطلح التنافسية، فإنّ الكلمة تحمل في طياتها جوهر الفهم البديهي الذي يتحدّى النموذج الذي يقوم عليه النظام الاقتصادي العالمي.
إحدى المشكلات المهمّة التي تواجه النظرية الاقتصادية النمطية اليوم، هي أن الدول التي أصبحت غنية فعلت ذلك بطريقة خاطئة. ففي العالم النيوكلاسيكي، يُفترض أن تنتشر الثروة الإضافية الناتجة من خلال الأسعار المخفّضة. وفي عالم يتمتّع بتوافر مثالي للمعلومات لا وفورات حجم، لا يوجد مجال لتوزيع الثروة بأيّ طريقة أخرى. فالتكنولوجيا الجديدة التي تأتي على شكل إضافة لرأس المال لكلّ عامل، تزيد من ناتج الاقتصاد ، و - في ظل الافتراضات النمطية - ينتشر هذا عبر الاقتصاد العالمي على شكل أسعار مخفّضة. يذكر كلّ من آدم سميث وديفيد ريكاردو صراحة أنّ انخفاض الأسعار هذا سيكون نتيجة للتقنيات المحسّنة.
ومع تقدّم التكنولوجيا يُمكن للأمة أن تصبح غنية بطريقتين مختلفتين للغاية. إحداها هي الآلية التي اقترحها سميث وريكاردو: التغير التكنولوجي يؤدي فقط إلى انخفاض الأسعار. الطريقة الأخرى التي لم تتم مناقشتها خارج مجال اقتصاديات العمل، وهي أن جزءاً مهمّاً من الفوائد الناتجة عن التغيير التكنولوجي يتم توزيعه داخل الدول المنتجة من خلال أرباح أعلى وأجور أعلى ودخل أعلى خاضع للضريبة بشكل عام.
أسمّي الآلية الأولى الطريقة الكلاسيكية لتوزيع النموّ الاقتصادي، والثانية طريقة التواطؤ في التوزيع. عندما تعمل الآلية الأولى، تنتشر فوائد التغيير التقني حصراً على مستهلكي السلع المنتجة. أما عندما تعمل الآلية الثانية، يحتفظ المنتِج للسلع (الشركة والبلد) بجزء مهم من فوائد تحسين الإنتاجية. وفقط عندما تعمل الآلية الثانية تكون هناك إمكانية لمناقشة القدرة التنافسية. بهذه الطريقة يمكن النظر إلى القدرة التنافسية على أنها، على المستوى الوطني، من عواقب ما يشير إليه اقتصاديو العمل على أنه «ريع الصناعة». يتمثّل جوهر الاستراتيجية التنافسية في تحديد الصناعات التي يوجد فيها ريع عالٍ، أي حيث يوجد انتشار تواطئي للنمو الاقتصادي. تتحقق القدرة التنافسية، وهي في هذه الحالة زيادة الدخل، بشكل أساسي من خلال تخصيص هذا الريع.
وفي النظام الثابت للاقتصاد النيوكلاسيكي، يُنظر إلى «البحث عن الريع» على أنه مصطلح سلبي. وفي عالم تهيمن فيه عوائد وفورات الحجم والمعلومات غير الكاملة والحواجز الضخمة في وجه الدخول إلى جميع الصناعات بمعزل عن أهميتها، يبدو أن البحث الديناميكي عن الريع هو عامل رئيسي للنمو الاقتصادي والقدرة التنافسية. المنافسة في الاقتصاد الجزئي في صناعة تتمتع بتوافر مثالي للمعلومات، وقابلية تامة لتجزئة عوامل الإنتاج، وعدم وجود تأثيرات لحجم الإنتاج تؤدي إلى الفقر، ​بمعزل عن مستوى الإنتاجية. والحماية لمنتجات التقنية العالية (High-tech) المحليّة هي جزء من هذا البحث عن الريع. إذ إن وجود هذا الريع وتخصيصه على المستوى الوطني هو جوهر القدرة التنافسية. و«ريع الصناعة» هو أيضاً سمة أساسية للآليات التي تمنع معادلة العوامل والسعر (factor price equalization) من الحدوث في العالم، وتعطينا تلميحاً عن سبب اقتران العولمة المتزايدة بتفاوتات أكبر في الدخل. وداخل الاتّحاد الأوروبي، تم تأكيد هذا الاتجاه. ففي الوقت الحاضر يتلقى أكثر من 60% من مناطق الاتحاد الأوروبي الإعانات بسبب «التخلّف». يأتي هذا المبلغ بالإضافة إلى تأثيرات إعادة التوزيع الضخمة للميزانيات الاقتصادية الوطنية. ويبدو أن السعي وراء التنافسية يتطلّب تدفقات متزايدة من الأموال من أجل التماسك الاجتماعي. ففي الأصل كانت إحدى الحجج الرئيسية للسوق الأوروبية الداخلية هي جني وفورات الحجم. وبشكل متوقّع يبدو أن هذا الأمر يؤدي إلى التركّز في الإنتاج، أي خلق مراكز اقتصادية أقلّ وأطراف أكثر، وبالتالي زيادة الحاجة إلى إعادة التوزيع.
رغم الاستخدام الغامض والنمطيّ لمصطلح التنافسية فإنّ الكلمة تحمل في طياتها جوهر الفهم البديهي الذي يتحدّى النموذج الذي يقوم عليه النظام الاقتصادي العالمي


وإذا تم الاحتفاظ بالثروة المتزايدة الناتجة من التكنولوجيا الجديدة في الدولة المنتجة، على شكل أجور وأرباح أعلى، فإنّ الأساس المنطقي لنظامنا الاقتصادي العالمي اليوم سيواجه تحدّياً خطيراً. ونظراً إلى أن التقدّم التكنولوجي في أيّ وقت يتم توزيعه بشكل غير متساوٍ بين الأنشطة الاقتصادية المختلفة، فإن النتيجة المنطقية لذلك هي الحماية لمنتجات التقنية العالية المحلية التي نراها اليوم في الممارسات. فتحاول الدول اختيار الفائزين، أي تلك الأنشطة ذات الإمكانات الأعلى لزيادة الإنتاجية والمبيعات، على افتراض أن العوائد المتزايدة والمعلومات غير الكاملة ستؤدّي إلى استمرار «الريع الصناعي». ومن المحتمل أن الفوائد الريكاردية الثابتة من التجارة تفوقها تأثيرات «ريع الصناعة»، وذلك عن طريق زيادة العوائد مثلاً. ومن ناحية أخرى، إذا كان كلا الشريكين التجاريين يعملان في ظلّ عوائد متزايدة، فإنّ هذا سيشكل مرّة أخرى حجّة أقوى للتجارة الحرّة. ومع ذلك، من السهل جداً تصوّر المواقف التي لن تكون فيها التجارة الحرّة هي الحلّ المفضل.
تقترب التطوّرات الأخيرة للنظرية الاقتصادية السائدة - «نظرية النموّ الجديدة» و«نظرية التجارة الجديدة» - من فهم نفس العوامل التي نناقشها هنا لكن من زاوية مختلفة. بصفته أب «نظرية التجارة الجديدة»، قام كروغمان بإحياء مفهوم رئيسي من السياسة الاقتصادية الوطنية للقرن التاسع عشر - اقتصاديات الحجم. من وجهة نظري، إن النتائج التي توصّلت إليها هذه المدارس «الجديدة» متوافقة تماماً مع أفكار «القطاعات عالية القيمة» و«التنافسية». فإذا كان كروغمان يرى أن السعي وراء التنافسية والقطاعات عالية القيمة هو نتيجة للانتشار غير المتكافئ عبر صناعات اقتصاديات الحجم، والتغير التقني الداخلي، وبالتالي للتأثيرات الإيجابية لأزمة الهستيريا، فسيجد، في رأيي، أن كلّاً من روبرت رايش، مدرسة التنافسية المنطقية، و«نظرية النموّ الجديد» و«نظرية التجارة الجديدة» يعالج بالفعل نفس القضايا. أحد العوائق التي تحول دون هذا التقارب النظري والتفاهم المتبادل هو أنه رغم اعتبار وفورات الحجم كعامل مهم في تحديد توزيع الدخل العالمي، يبدو أن كروغمان وغيره من «المنظرين التجاريين الجدد» يتجنّبون مواجهة العواقب العملية لنظرياتهم. ومن السهل أن نفهم تردّدهم. سيتطلّب دمج استنتاجات «نظرية التجارة الجديدة» إصلاحاً كاملاً لنظام التجارة العالمي يوضح العيوب بشكل مؤلم، وهو ما أشار إليه أحد الكتّاب الأميركيين بالـ«GATTism». لكن نظراً إلى مشاكل العالم الثالث، والآن أيضاً التآكل السريع لمستويات المعيشة في العالم الثاني، لا يزال ملحّاً إجراء هذا الإصلاح الشامل.


* هذا النصّ مقتطع من ورقة بحثيّة أعدّها الكاتب نُشرت على موقع www.networkideas.org في 4 تشرين الثاني الماضي بعنوان: «التنافسية وأسلافها - 500 عام من منظور وطني»

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا