يسود التخبّط في محيط مرفأ بيروت. ليست ثمة آلية واضحة وفعّالة وذات كفاءة في التعامل مع ملف إعادة الإعمار. الأمر الوحيد الذي أُنجز هو تقييم الأضرار والخسائر المادية. حتى التقييم فيه الكثير من الارتباك، بدليل ظهور تقييمات عدّة من جهات مختلفة وبنتائج متفاوتة ومتباعدة. لا أحد لديه فكرة واضحة عن تنظيم أعمال الإنقاذ والتقييم وإعادة الإعمار. ليست هناك جهة واحدة مشرفة تخطّط وتشرف وتتابع وتدقّق. الوضع كلّه متروك. تخبّط يعكس مستوى الانحدار والاهتراء في مؤسسات الدولة، ويشير بوضوح إلى تبعية الأطراف الرسمية والأهلية المعنية بهذه المسألة. ربما ينتظرون التمويل. هذا أمر إضافي غير واضح المعالم بعد. من دون إدارة مركزية، أصبحت هذه الكارثة مجرّد أزمة من أزمات هذا النظام المتهاوي. يتعامل معها النظام القائم على أنها حالة عابرة يتطلب تخطّيها ترك المواطنين على قارعة الكارثة يتدبّرون أمورهم بأنفسهم. إنها حالة موت. فمن أين ستأتي الأموال؟ ومن سيشرف على الأعمال؟ ومن سيحرص على إقصاء المرابين والتجّار عن المواقع الأثرية؟ من سيحرص على عدم المسّ بما تبقّى من ذاكرتنا؟ عن الحيّز المكاني الذي تراكم فيه بعض من تاريخنا؟ من سيُؤوي الذين تهدّمت مساكنهم؟ هكذا هي حالة الموت الناجم عن القتل العمد. تأتي لتمحو مجتمع بكامله. مضى شهر على الكارثة ولم نبدأ بعد بلملمة الجراح. ثمة الكثير من الجعجعة بلا طحين بحثاً عن حصّة من ترميم الجيفة. هي أحياء تناثرت مبانيها هنا وهناك. بعض أهلها أشلاء وآخرون مشرّدون. كلهم أشلاء في عيون هذا النظام.


تقييم الأضرار: إنجاز؟
بعد مرور شهر على كارثة الانفجار في مرفأ بيروت، ما زالت قيمة التقديرات المادية للأضرار متفاوتة. في الأسبوع الأول كانت تبلغ 15 مليار دولار. لاحقاً صدر تقرير عن البنك الدولي يشير إلى أنها تبلغ 4,5 مليارات دولار كحدّ أقصى. ثم جاء تقرير شركة BWC للتدقيق المالي ليقول إنها تبلغ 5 مليارات دولار. لكن، بعد الكشف الحسّي التقديري من قبل نقابتَي المهندسين والمقاولين وبعض الشركات الهندسية، تبيّن أن أضرار المباني باستثناء أضرار المرفأ، تبلغ 2.5 مليار دولار. لعلّ الرقم الأخير أكثر دقّة.

حركة بلا بركة
كان لافتاً حجم التحرّك عقب حدوث الكارثة، إلا أنها لم تثمر بعد. في البدء ظهرت الهيئة العليا للإغاثة وكلّفت الاستشاري خطيب وعلمي بمسح الأضرار. تحدّث رئيس الهيئة علناً عن مساعدات غذائية ودوائية. بعد أيام ظهر الجيش إلى جانب الهيئة، ثم سُجّل تراجع تدريجي في دورها. والهيئة كانت قد كلفت، بتوجيه من رئيس الحكومة المستقيلة، إحدى شركات المقاولات بالتطوع لإزالة بعض الركام مباشرة في موقع الحادثة بإشراف الجيش. وفي تلك الفترة أيضاً، عُقدَ اجتماع ضمّ نقابة المهندسين ومحافظ بيروت ورئيس بلديتها والمدير العام للآثار للتنسيق بخصوص الأبنية المتضررة. البلدية كلّفت الاستشاري دار الهندسة (شاعر) لإعداد ملفات تلزيم تدعيم الأبنية ذات الخطورة العالية والمتوسطة والمهدّدة بالانهيار. هذه الملفات لم تُنجز بعد. وفي تصريح تلفزيوني لرئيس البلدية، قال إن هذه الملفات عاجلة وقد رُصد لها 40 مليار ليرة وهي لم تزل قيد الإعداد ولم يُحدد موعد رسمي للمتابعة والتنفيذ بعد.


في الفترة نفسها، شهد المرفأ ضمن محيط يمتدّ على كيلومترات، حركة دولية واسعة أيضاً. فقد وفدت إلى لبنان مؤسسات دولية لديها شراكات مع مؤسسات محلية، من أجل المشاركة في أعمال التنظيف وإزالة الركام مثل منظمة العمل الدولية. وبعد نحو ثلاثة أسابيع أعلنت مؤسسة نروجية (NRC) طرح مناقصة لترميم المباني والواجهات. كذلك طرحت الشبيبة الأرثوذكسية (IODCC) مناقصة لترميم 110 مبانٍ. وتوالت عشرات المؤسسات الدولية بالاتصالات والاجتماعات للاطّلاع على آليات المساهمة في إعادة الإعمار. اللافت أن الكثير منها كشف عن عدم ثقته بمؤسسات الدولة، وأنها بصدد تحديد آلية للعمل مع مؤسسات وجمعيات ونقابات من بينها هيئة التنسيق الوطنية التي تشكّلت من أربع نقابات مهنية (المهندسين، المقاولين، المحامين والمحاسبين) بالإضافة إلى جمعية الصناعيين. إلا أنه حتى الآن لم يصدر أي خطوات عملية أو تفاهمات في ما بينها، بل انحصر الأمر في زاوية حسن النوايا من دون عمل يُذكر.
من المؤسف أن تتريث هذه المؤسسات الدولية وتنتظر تعليمات الدول لتكشف عن آليات المساعدة بعيداً عن مؤسسات الدولة. فهذا الإرباك هو أصلاً ناتج من إرباك الدولة التي فشلت في السيطرة على مركزية عملها. ربما أركان الدولة أنفسهم ينتظرون التعليمات من المؤسسات الدولية والبنك الدولي ومن الهيئات التابعة لدول غربية تحديداً.
ورغم أن حركة النقابة والجمعيات وباقي عناصر المجتمع المدني والأفراد كانت أكثر نشاطاً، إلا أنها لا تزال بطيئة قياساً على ما حصل في حالات مماثلة. فعلى إثر اجتياح العدو الإسرائيلي للبنان في مطلع الثمانينيات، انطلقت ورشة إعمار سريعة، وبعد حرب تموز أيضاً كانت ورشة الإعمار أكثر حضوراً رغم الفرق الكبير في الدمار. ربما هذا التباطؤ هو انعكاس لتباطؤ الدولة والمجتمع الدولي في تحديد مقاربة واضحة لمرحلة إعادة الإعمار.
2.5 مليار دولار هي قيمة الأضرار المادية الأقرب إلى الدقّة للخسائر الناجمة عن انفجار مرفأ بيروت والتي وردت في مسح نقابة المهندسين


لكن من المهم الإشارة إلى أنه في 12 آب عُقد مؤتمر صحافي في نقابة المهندسين لإعلان خطّة طوارئ لمسح كلّ الأبنية التي طاولها الانفجار ضمن مساحة محددة بهدف تبيان حالة المباني الإنشائية وحجم المخاطر التي تمثلها على السلامة العامة. وضمن هذا الإطار أنشئت غرفة عمليات وحدّدت خطوط ساخنة لتلبية اتصالات المواطنين، وجرى استقبال أكثر من ألف مهندس متطوع باشروا العمل على قاعدة معلومات إلكترونية مركزية لدى النقابة. ونشرت النقابة نتائج المسح حتى تاريخ 31 آب والتي جاءت على الشكل التالي:
- إجمالي المباني التي تمّ مسحها يبلغ 2015 مبنى في مناطق الأشرفية والرميل والصيفي والمدور والمرفأ والمصيطبة.
عدد المباني التراثية الممسوحة التي تحتاج إلى تدخل سريع يبلغ 362 مبنى من بينها 92 مبنى معرّضة لخطر الانهيار، و 270 مبنى بحاجة إلى ترميم سريع.
يوجد مبانٍ بحاجة إلى تدعيم إنشائي قبل فصل الشتاء وعددها 388.
- يوجد 145 مبنى بحاجة إلى إخلاء فوري من الساكنين.
- يوجد 50 مبنى بحاجة إلى عزل لاحتمال سقوط أجزاء منها.
هناك 475 مبنى فيها تشقّقات طاولت بعض أجزائها الداخلية والخارجية.
268 مبنى معرضة للانهيار الكلي والجزئي.
218 مبنى معرضة للانفصال في عناصرها غير الإنشائية.
هذا الجهد التطوعي العلمي نظّمته النقابة وينطوي على خبرة المهندسين من مختلف المناطق اللبنانية، وبإدارة خبراء مهندسين مشهود لهم في عالم الهندسة، علماً بأن نقابة المقاولين أدّت دوراً في هذا المجال عبر تقديم آليات وعمال لإزالة الأضرار والركام وفتح الطرقات.
إلى جانب ذلك، كانت هناك مبادرات فردية من شركات تطوّعت بتدعيم أبنية تشكّل خطراً على السلامة العامة. وتقوم حالياً أكثر من خمس شركات مقاولات بالتعاون مع جمعيات محلية بترميم واجهات في مار مخايل والجميزة وشارع فرعون ومتابعة إزالة الركام والزجاج والخشب وفرزها وتسليمها لجمعيات مختصة بإعادة التدوير للزجاج والبلاستيك.
وقد سجّل أكثر من 60 شركة مقاولات رغبتها في المشاركة في العمل المجاني في مجال الإعمار في حال تأمين المواد من قبل جهات مانحة.

فرصة الإعمار
طبعاً تشكّل عملية إعادة الإعمار فرصة لتشغيل قطاع ينهار، ولكنها فرصة عشوائية حتى الآن لا تراعي الحقائق التاريخية عن التركّز الذي يمكن أن يشكّله هذا الأمر في القطاع. فالدولة، حتى الآن، ما زالت غائبة ولم تكشف عن معالم خطّة للتحرك، ولا حتى عن وعود بإعادة الإعمار والتعويض. وبينما كانت المؤسسات الدولية تتهافت في الماضي لتعرض خدماتها على الدول المنكوبة في مجال الإعمار والإيواء، إلا أنها الآن تنتظر قرارات دولية وإقليمية أو نتائج المبادرة الماكرونية لمعرفة حجم التدخل وتوقيته. فعلى سبيل المثال، عندما زار الموفد القطري لبنان معلناً تبنّي دولته ترميم المدارس والمستشفيات، لم تُعرف الجهة التي ستقوم بدراسة وإعداد ملفات وطريقة صرف هذه الوعود والتي تكلف نحو 50 مليون دولار. وكذلك هناك حديث عن استعدادات لإعادة بناء المرفأ من قبل الفرنسيين بكلفة 600 مليون دولار، وهناك طلب من قبل الصندوق الكويتي للتصرف بدراسة وتنفيذ الإجراءات من دون تدخل الدولة بكلفة مقدّرة بنحو 100 مليون دولار والنقابات ومؤسسات المجتمع المدني يكاد زيتها التطوعي ينفَد.
حالياً، الناس متروكون وحدهم في العراء، منكوبون ويائسون ينتظرون الرحمة واتقاء شر الشتاء بالنايلون بدلاً من بواخر الزجاج التي تأخرت في عرض البحر، وسيل الحبر وأثير الإعلام لن يعوضا للناس خسائرهم لأنهم يعيشون حالة مأساوية من الضياع. وبما أنه لا بديل من قيام الدولة بواجباتها في إدارة عملية إعادة الإعمار بصيغ مرنة وشفافة بعيداً عن الفساد والمحسوبية، فإن المطلب الأساسي للناس يكمن في خريطة طريق تتضمّن تصنيفاً للمشاريع التنفيذية وللمعنيين بإعمارها لإتاحة المجال أمام تدفّق التمويل.

* مهندس

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا