نظراً إلى المستوى الهائل من الدمار المادّي الذي تسبّب به الصراع في سوريا، فإن الأسئلة الرئيسية التي يجب أن يدور النقاش حولها، لا تقتصر على وسائل تمويل إعادة الإعمار فحسب، بل أيضاً حول البنية التحتية والقدرات اللازمة لبدء إطلاق عملية إعادة الإعمار. فهذا النوع من العمليات الذي يمتد على فترات نزاع طويلة الأمد، كما هي الحال في سوريا، يجب أن يُعالج العلاقة بين إعادة الإعمار والأمن القومي، لأن العدوان الإمبريالي سيستمر في استهداف سوريا. ورغم أن تعزيز الدولة والحكم المركزي أمران حاسمان لإعادة الأمن القومي والتخفيف من التدخلات الخارجية في الشؤون الداخلية لسوريا، فإن إقامة حكم لامركزي على الأراضي السورية سيضعف الأمن القومي، ويسمح للقوى الخارجية بإطالة أمد تدخلها في سوريا. كما ستعزّز الحوكمة اللامركزية، الانقسامات الاجتماعية القائمة على الانقسامات الطائفية والعرقية. وسوف يتحول الانتماء من انتماء وطني إلى مجموعة انتماءات اجتماعية قبلية.

في المقابل، فإن تبلور الحقوق الفردية والجماعية في هيكل الدولة العقلاني هو شرط مسبق للأمن الشامل. وحتى الآن، في السياق العربي، كانت جهود إعادة الإعمار بمثابة تدابير لتعزيز أهداف الإمبريالية في تهيئة خلفية الحرب المستمرة، بالإضافة إلى تفكيك إنجازات التنمية التي كانت ستدعم أمن الدولة والمجتمع في المستقبل. والمثال الأبرز ما حصل في إعادة إعمار لبنان والعراق.

أنجل بوليغان ــ المكسيك

في هذا السياق، إن الرواية الغربية السائدة عن إعادة إعمار سوريا المموّلة من الغرب، تروّج لضرورة استهداف المناطق الواقعة خارج سيطرة الحكومة السورية حتى لا تؤدي يمر التمويل من خلال القنوات الرسمية ويؤدي إلى تعزيز ما يسمونه «الحكم الاستبدادي» لنظام الأسد. وبهذه الخلفية، تفترض هذه الرواية، أنه يجب على الممولين الغربيين التواصل مع المجموعات الإدارية المحلية في مناطق المعارضة، بهدف ترسيخ اللامركزية من خلال تمكين المجتمعات المحلية أو المجموعات العسكرية خارج إطار الدولة. الخطاب الذي يزيّن هذه الرواية، يستحضر كومونة باريس للمقارنة مع المجالس والمجتمعات المحلية. فتعطي هذه المصطلحات والمقارنات انطباعاً بأن المعارضة في سوريا ديمقراطية شعبية حقيقية، إلا أنها ترفض ما يتردّد عن أن الدولة السورية تواجه حالياً تهديداً وجودياً بسبب الهجوم المهيمن بقيادة الولايات المتحدة وحلفائها. هكذا يبدو واضحاً أن جهود إعادة الإعمار يجب أن تؤدي إلى دعم قدرة الدولة السورية على الصمود، بمعزل عمن يديرها. الهدف من إعادة الإعمار، سواء الآن أو في نهاية النزاع، يجب أن يؤدي إلى استعادة السيادة الشرعية للدولة على أراضيها.
من بين حلفاء سوريا، لدى الصين مصلحة وقدرة استراتيجيتان للمساعدة في المهمة. من المصلحة المشتركة لكلا البلدين، تدخّل الصين في وقت مبكر. فوجود سوريا المستقرّة هو مفتاح مفترق طرق استراتيجي آمن بين آسيا وأوروبا وأفريقيا ويخدم مبادرة الحزام والطريق الصينية. تستطيع الصين دعم إعادة بناء البنية التحتية المادية والاجتماعية في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة والمناطق المحررة أخيراً. يمكن لجهود إعادة الإعمار الفورية والنشطة أن تعيد الاستقرار النسبي عبر الأراضي السورية.
يمكن أن تستفيد سوريا من التمويل الصيني وخبرتها في تطوير البنية التحتية وبناء القدرات. سوريا تعاني من نقص الموارد الإنتاجية، لذا يمكنها الاستفادة أيضاً من الآلات والمعدات الصينية من خلال إشراك الشركات الصينية الصغيرة والمتوسطة (SMEs). في المقابل يمكن نقل صناعات ومؤسسات صينية إلى سوريا حيث يتم إطلاق جزء من طاقتها الزائدة وإنشاء أسواق جديدة لاستهلاك سلعها في سوريا وغيرها من دول الشرق الأوسط المجاورة. لكن تجدر الإشارة إلى أن مثل هذه الجهود لا يمكن أن تبني الأمن القومي السوري إذا ضحّت بقدرة الدولة السورية على إعادة البناء. فالقدرات الوطنية السورية يمكن إعادة توظيفها بنجاح في إعادة الإعمار. ولا ينبغي حلّ مشكلة الطاقة الفائضة للصين من خلال استبدالها بما تبقّى من قدرة سوريا.
وعلى عكس الدول الغربية والمنظمات الماليّة الدوليّة التي تهيمن عليها الولايات المتحدة وأوروبا، فإن الصين لا تفرض مجموعة من إصلاحات التكيّف الهيكلي على الاقتصادات المضيفة كشروط لتقديم القروض والمعونات والاستثمارات والاتفاقيات التجارية. فالصين لا تتدخّل في الشؤون المحلية. وهذا ما يدفع الدول النامية الى التطلع شرقاً. ما تصرّ عليه الصين للمشاركة في إعادة إعمار سوريا وتطوير البنية التحتية للدول الأخرى، هو أن تستند العملية إلى مبادئ مبادرة «الحزام والطريق» الرئيسية الثلاثة: المناقشة المشتركة، المشروع المشترك والمنفعة المشتركة. ففي هذا السياق، يبدو واضحاً وجود قناعة سورية بأهمية دور الدولة ومركزيتها في إعادة الإعمار، بينما تاريخ الاستثمارات الصينية الخارجية يظهر أن الصين لا تخاف من الاستثمار في دول غير مستقرّة، كما هو الحال في الكثير من الدول الأفريقية.
تُقدّر الخسائر التراكمية في الناتج المحلي الإجمالي خلال سنوات الحرب بأربعة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي لعام 2010، أي 226 مليار دولار. وانخفض الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 61% في عام 2015 مقارنة بعام 2011، حيث انكمش الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي بنسبة 52%. بينما تقلّص الدخل من النفط بأكثر من 90% بعد انخفاض إنتاج النفط. أمّا في قطاع الإسكان، فقد تم تدمير 8% من الوحدات السكنيّة بشكل كليّ و23% جزئياً. وفي قطاعَي الطب والتعليم، تضرّر نحو نصف المرافق جزئياً، فيما تدمّرت 16% من المنشآت الطبية و 10% من تلك التعليمية بشكل كامل. والأهم من ذلك، انخفض احتياط النقد الأجنبي للبلاد إلى مليار دولار في عام 2015 ، منخفضاً من 21 مليار دولار قبل النزاع. وهذا بالكاد يموّل شهراً واحداً من الواردات.
واستجابة للنقص الحادّ في عائدات النفط والضرائب، خفّضت الحكومة الإنفاق الرأسمالي. ومع ذلك، ظلّت النفقات الجارية ثابتة. مع اعتماد الحكومة على القروض الميسرة من حلفائها، وارتفع الدين العام من 30% في عام 2010 إلى 150% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2015.
أمّا العواقب الاجتماعية للصراع فكانت كارثية. بوجود 5.3 ملايين لاجئ خارج سوريا، و 6.6 ملايين آخرين نزحوا قسرياً داخل البلاد. وارتفع معدل البطالة الإجمالي إلى 52.9% في عام 2015، مع ارتفاع البطالة بين الشباب إلى 78%. ويعيش أكثر من ثلثي السوريين في فقر مدقع، غير قادرين على شراء المواد الغذائية الأساسية والسلع غير الغذائية. كما أن %35 من السكان محاصرون في فقر مدقع ويعتمدون على «المساعدة الغذائية العينية». والمناطق الأكثر تأثّراً هي محافظات الرقة وإدلب ودير الزور. تكشف تقديرات أخرى أنه يمكن تصنيف نحو 7 ملايين على أنهم يعانون من انعدام الأمن الغذائي. بينما أكثر من مليوني طفل غادروا مقاعد الدراسة. ببساطة تم تدمير مخزون رأس المال البشري في سوريا.
منذ عام 2016 بدأت الدولة السورية بعملية إعادة إعمار محدودة للبنى التحتية وشبكات الطاقة والاتصالات والنفط. فازت شركات روسية بعقود بنى تحتية قيمتها 800 مليون يورو، وفازت شركات إيرانية ببضع مئات من الملايين في إعادة تأهيل شبكات الطاقة. لكن روسيا وإيران تعانيان من قيود مادية ولا يمكنهما تحمل فاتورة إعادة الإعمار الثقيلة، فيما لدى الصين قدرة إنتاجية إضافية وتمويل يسمحان لها بلعب دور رئيسي في إعادة الإعمار حتى في ظل استمرار الصراع السوري.
وللصين مصلحة جيواستراتيجية في دعم صمود الدولة السورية، لأن سقوط سوريا يدفع هذه الدولة إلى أحضان الغرب. مثل هذه النتيجة ستُضعف الصين وحلفاءها وستغير هيكل القوة العالمية بشكل كبير لمصلحة الولايات المتحدة وحلفائها. فصراع القوى على الأراضي السورية لعبة قوة إمبريالية، والمنتصرون في الحرب قد يصنعون أو يكسرون «الحزام والطريق». وبما أن الصين تدعم دولة ذات سيادة ومركزية في سوريا، فإن تدخلها الفوري في إعادة إعمار سوريا سيخدم مصالحها. وهذا بدوره سيعزّز حكم الدولة السورية على الأراضي ويعزز سيادة سوريا. فيمكن أن تلعب النفقات المالية المقدمة في سياق التجديد الاقتصادي والمادي دوراً حاسماً في تعزيز استقلال سوريا واستقلالها وتكاملها الإقليمي. هذا بغضّ النظر عمن هو على رأس الدولة.
سوريا يمكنها الاستفادة من الآلات والمعدات الصينية ونقل صناعات ومؤسسات صينية إليها، لكن مثل هذه الجهود لا يمكن أن تبني الأمن القومي السوري إذا جرت التضحية بقدرة الدولة السورية على إعادة البناء، لأن القدرات الوطنية السورية يمكن إعادة توظيفها بنجاح في إعادة الإعمار


ولدى الصين حاليا أكثر من 3 تريليون دولار من العملات الأجنبية. هذا المبلغ نعمة، وعبء في الوقت نفسه، كونه تخزيناً ضخماً للثروة المالية، إلا أنها ثروة محفوظة بالدولار الأميركي وليس هناك إلا الولايات المتحدة التي تملك قوّة خفض قيمته. لذا، أفضل طريقة لتعبئة الطاقة الفائضة الصينية هي من خلال استخدام هذه الدولارات لتوسيع أسواقها. وعبر استثمار هذه الثروة المالية بسرعة في الأصول المادية في الخارج، تتخلّص الصين جزئياً من العبودية لرأس المال الأميركي على عكس دول الخليج التي تعتبر ثرية بالمال فقط. يمكن الصين دعم ريادتها المالية في الخارج بالائتمان واستخدام مواردها الصناعية الخاصة. في هذا السياق ، لن تتردّد الصين في المساهمة في إعادة إعمار سوريا وتمهيد الطريق لإحياء الاستقرار السياسي في سوريا.
البيئة الجيوسياسية السورية ستظلّ هشّة في المدى المنظور، ما يمثّل تحديات لجهود الترميم الشاملة. فلا شك في أن إطلاق هذه المشاريع سيواجه عقبات نظراً إلى الغياب العام للأمن وضعف بيئة الأعمال والصعوبات المالية. ولهذا السبب إعادة البناء المالي والمادي في وقت الحرب يجب أن تعزّز بشكل أساسي مرونة الدولة في مواجهة التهديدات الخارجية.
وتحتاج الصين، وغيرها من الحلفاء، إلى أشكال استثمار في البنية التحتية تنسجم مع سياسة إعادة الإعمار التي تتبعها الحكومة السورية. هذه السياسة يجب أن تكون خاضعة لخطة وطنية أوسع تهدف إلى وضع البلاد على مسار الانتعاش الاقتصادي والاجتماعي. يجب أن تضمن هذه الخطة الوطنية أن الحكومة ذات سيادة على سياساتها، وأن تجديد البنية التحتية يحافظ على الأمن القومي السوري.
إن خوض حرب الاستقلال وإعادة البناء يجب أن يسيرا جنباً إلى جنب. لا يمكن ولا يجب فصلهما، فهما من أركان الدولة المعزّزة. ومع ذلك، يجب أن تكون إعادة الإعمار في أوقات الحرب جزءاً من مجموعة من السياسات الكليّة. فتدور سياسات الاقتصاد الكلي في ظل ظروف الحرب حول تخصيص الموارد للداخل والجبهات الوطنية. إعادة الإعمار يمكن أن تقوّي جهود الجبهة الداخلية عبر إرساء أسس البنية التحتية التي تتناسب مع متطلبات البنية الاجتماعية الفوقية.
ويجب تجنّب ما حصل في باقي الدول العربية. فقد خصّصت الموارد فيها بعيداً عن أجهزة الأمن الاجتماعي والوطني. وتم توجيه الموارد ، بما في ذلك الموارد الأمنية، إلى الأعلى نحو المجموعة الضيقة في المجتمع التي كانت علاقاتها الاقتصادية تميل إلى الغرب. وبذلك بدّدت الدول العربية استقلاليتها لأنها فصلت الأهداف الاقتصادية عن المخاوف الأمنية. وعندما أصبحت هذه الدول ضعيفة وحكمتها طبقة ذات ثروة قائمة في الخارج، أصبحت إمكانية الانهيار الداخلي ملموسة. وفي الخاتمة يمكن القول إن إعادة بناء الدولة القوية هي إعادة بناء الوحدة الوطنية للسوريين.

* ليندا مطر أستاذة وباحثة في جامعة سنغافورة
علي القادري مفكر وأحد كبار أساتذة الجامعة الوطنية في سنغافورة ومعهد لندن للاقتصاد.
هذا المقال ملخّص ورقة بحثية أعدّها علي القادري وليندا مطر عن «دور الصين في أمن سوريا القومي» من ضمن مشاركتهما في الكتاب الصادر عن دار بالغرايف ماكميلان في عام 2019 بعنوان «سوريا: من الاستقلال الوطني إلى الحرب بالوكالة».