في الأشهر الأربعة الأولى من السنة الجارية، سجّل مؤشّر غلاء المعيشة تضخماً في الأسعار بمعدل وسطي يبلغ 21.3%. الرقم بحدّ ذاته لا يمثّل دلالة على التورّم الفعلي في الأسعار، لأن المؤشّر الصادر عن إدارة الإحصاء المركزي يتضمن مجموعة بنود لكل منها وزن في عملية احتساب المؤشر. وبالتالي، فإن كل بند، بحسب وزنه أو ثقله، يؤثّر على النتيجة النهائية للمؤشّر التي لا تعكس بالضرورة الحقيقة الكاملة للتقلبات في السوق، بل تعكس مشهداً أكثر شمولاً ولا يمكن قراءته بوضوح، خصوصاً أيام الأزمات.


المثال الأكثر وضوحاً على هذا الأمر هو ارتفاع أسعار السلع الغذائية الواقعة تحت بند «المواد الغذائية والمشروبات الروحية». يمثّل هذا البند 20% من رقم القياس للأسعار، أي من العناصر المكوّنة للمؤشّر، بينما يمثّل بند «المسكن والغاز والكهرباء والمحروقات» 28.4%. أي تغيّر سلبي في الأول، قد تمتصه نتائج إيجابية في الثاني، والعكس صحيح. لكن بما أن الأزمة حالياً تنعكس انخفاضاً في الاستيراد وتغيراً في بنية ميزانيات الأسر، بات لزاماً على إدارة الإحصاء المركزي إعادة النظر في طريقة تركيبة المؤشّر ليعكس، ولو مرحلياً، جزءاً من الحقيقة التي ستشكّل جزءاً من الوثائق التي يعتمد عليها الأجراء لاحتساب غلاء المعيشة وتصحيح الأجور. والمثال الأوضح على ذلك أن أسعار الغذاء وحدها زادت في الأشهر الأربعة الأخيرة بمتوسط 55%، وزادت بنسبة 79% بين آذار ونيسان، وزادت بنسبة 150% بين نيسان 2019 ونيسان 2020. والأمر الثاني هو أن المؤشّر يجب أن يكون مفصّلاً أكثر على قياس بنية المداخيل في لبنان. فمن الطبيعي أن تكون حصّة الغذاء أكبر من مداخيل الأسر الأقلّ دخلاً، ومن الطبيعي العكس أيضاً. وكلما انخفضت شرائح الدخل، تبيّن أن أثر بند الغذاء أكبر على المداخيل. وبالتالي فإن حساسية الأمر في مثل هذه الأزمات أن التضخّم المتوقع لغاية اليوم، بمعدل يفوق 50% لغاية نهاية السنة الجارية، سيأكل الكثير من مداخيل الأسر الفقيرة، وبدرجة أقل من مداخيل الأسر المتوسطة الدخل، وبدرجة لا تذكر من مداخيل الأسر الأعلى دخلاً.
عملياً، إن إبقاء منهجية الاحتساب في إدارة الإحصاء المركزي على حالها ستكون مفيدة لأصحاب العمل الذين يريدون التهرّب من تصحيح الأجور بعد مراكمة الأرباح الناجمة عن استعمال فروق إعادة تقييم مخزوناتهم بين سعر الصرف المدعوم (عندما كان سعر الليرة ثابتاً مقابل الدولار) وبين سعر صرف المحرّر في السوق الموازية، وصولاً إلى سعر الصرف المحرّر. فبهذه العملية تمكّن أصحاب الرساميل من إعادة تكوين رساميلهم من خلال بيع مخزون السلع المموّل بدولار يساوي 1507.5 ليرات وسطياً بعد إعادة تسعيرها على سعر السوق. بهذه العملية أتيح لغالبية أصحاب الرساميل رفع قيمة رساميلهم، وهي عملية مموّلة أصلاً بسياسة نقدية توسّعية أدّت إلى ضخّ المزيد من الليرات لتعويض ارتفاع الأسعار.
المستهلكون دفعوا وحدهم كلفة تورّم الأسعار. دفعوها مرتين؛ المرّة الأولى عندما قرّر مصرف لبنان طباعة النقد بكميات ضخمة تسهم في انهيار سعر الليرة، ومرة ثانية عندما استغلّتهم قوى رأس المال من تجار وصناعيين وزراعيين يعملون بغطاء احتكاري، من أجل إعادة تكوين رساميلهم. هذه الفئة، أي المستهلكين من شريحة أصحاب المداخيل المتوسطة والفقيرة، عليها أن تستعد لمواجهة مطلب صندوق النقد وشروطه المسبقة القاضية بتوحيد سعر الليرة. الصندوق لن يدفع قرشاً للبنان، قبل التزام الحكومة بتوحيد سعر الليرة. لكن أي سعر سيعتمد؟ هل سيكون السعر الذي يحاول مصرف لبنان تعميمه، أي ذلك الذي يدور حول 4000 ليرة، أم السعر الفعلي في السوق الذي تجاوز، وإن بعمليات محدودة مبلغ 5500 ليرة لكل دولار، أم أن السعر سيكون أعلى من ذلك ما دام مصرف لبنان يواصل خلق النقد ويوسّع الطلب على الدولار بينما يقوم بتجفيفه من السوق.
رغم ذلك، وعلى عكس السياسات المتبعة سابقاً من الصندوق في العديد من دول العالم، فإن الصندوق لا يرى مانعاً من تصحيح الأجور بالتزامن مع توحيد سعر الصرف. هنا لا يمكن الاتكال على «شرف» السلطة، بل يجب الحذر من «فسادها» ومن محاباتها التاريخية لأصحاب الرساميل. هم أيضاً شركاؤها في السلطة والنفوذ. لذا، يجب الاستعداد لهذه المرحلة عبر تصحيح ميزانيات الأسر، وعبر توزيعها على شرائح الدخل لاستخراج تضخّم الأسعار الفعلي وانعكاساته على كل شريحة. ثمة من سيعتبر أن الرقم الإجمالي لتضخم الاسعار هو المهم، رغم أن الأهمية تكمن في التفاصيل لأن النقاش في لجنة المؤشّر رهن بالتفاصيل وبموازين القوى بين العمال وأصحاب العمل والدولة. ميزان القوى ليس لمصلحة العمال، لأن ممثليه في اللجنة يصنّفون «خونة» بمفهوم مصالح العمال، وهم من صلب هذا النظام الذي يحابي أصحاب الرساميل وينتفع منهم.