قبل نحو سنة ونصف السنة، نشرت «الأخبار» مقالاً عن إعداد وزارة المال خطّة لإعادة هيكلة الدين العام. الخطّة التي أشرف على إعدادها رئيس فريق برنامج الأمم المتحدة في الوزارة طلال سلمان ميّزت بين التصحيح الطوعي والتصحيح القسري. فهي انطلقت من وجود «نزيف مزدوج في موازنة الدولة واحتياطات مصرف لبنان»، لتشير إلى أن الإفلاس القسري قد ينطوي على «احتمال إفلاس قاسٍ لبعض المصارف المحليّة، وإضعاف الليرة اللبناية لتخفيف الطلب على الدولار، وفرض قيود على حركة الأموال من أجل عدم هروب الودائع، وتنفيذ عملية هيركات على الودائع…»، وصولاً إلى احتمال «فرض وصاية صندوق النقد الدولي في حال الحاجة إلى تدخّله لإنقاذ ميزان المدفوعات لتأمين الحاجات الأساسية كالغذاء والأدوية والوقود». لذا، تقترح الخطّة إطلاق عملية تصحيح طوعي «تفادياً للانهيار (الإفلاس القسري)، يجب خفض كلفة الدين بنحو 70% في السنوات الخمس المقبلة، وتحقيق فائض أولي يصل إلى 3 مليارات دولار سنوياً في عام 2022 وتحقيق نمو اقتصادي يتصاعد نحو 5% في عام 2022…».

باقي تفاصيل الخطّة ليس ذات أهمية اليوم، بل المهم فيها هو ذلك التوجّه لتجنّب وصاية الصندوق. هي نفسها الوصاية التي بدأت تظهر في جولات التفاوض المذلّة للبنانيين وستذلّهم أكثر بشروط قاسية وبخسائر كبيرة.

حفلة الإنكار
أثارت عبارة «إعادة هيكلة الدين العام» في 10 كانون الثاني 2019 حالة نكران واسعة؛ أنكر وزير المال آنذاك علي حسن خليل وجود الخطّة بالكامل. حتى أنه أنكر تصريحه لـ«الأخبار» بهذا الخصوص. لاحقاً عُقد لقاء في قصر بعبدا خُصّص لتعزيز هذه الحالة وإعلان التزام لبنان تسديد ديونه. وصل الأمر بوزير الاقتصاد رائد خوري إلى إعلان موقف مفاده التزام لبنان بتسديد ديونه «إلى الأبد».
وعلى هذا المسار، قرّرت قوى السلطة مواصلة الإنكار قولاً وفعلاً، على اعتبار أنّ سياسة التقشّف في مشروع موازنة 2020 سينقذها. فرفضت الإنصات لكلّ التقارير التي كانت تصدر عن جهات محلّية وغربية. طبعاً كان بعضها مغرضاً، لكنه كان مبنيّاً على حقائق تجاهلتها قوى السلطة وحوّلتها إلى «دسائس» أو «مؤامرات» تُحاك ضدّ لبنان. من أبرز عيّنات تلك الفترة، الوزير علي حسن خليل وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة. قال خليل في مقابلة متلفزة في حزيران 2019 (قبل نحو سنة): «فوجئت بتقرير موديز، وما تضمّنه لا يستند إلى الوقائع، والوضع ليس بهذا السوء». وفي اللقاء الشهري مع جمعية المصارف، تحدّث سلامة، بحسب المحضر رقم 252، عن استقرار في سعر الصرف وفي سعر الفائدة، وعن التعويل على موسم صيف سياحي واعد ومعالجة الكهرباء وقرب التنقيب عن النفط… وتمحورت نقاشات الحكومة آنذاك حول تصفير خدمة الدين العام من خلال هندسة مالية مع مصرف لبنان تتضمن إصدار سندات خزينة يكتتب فيها المصرف المركزي بقيمة 11 ألف مليار ليرة بفائدة صفر في المئة.

3 شروط مسبقة: توحيد سعر الصرف، تحديد الخسائر ومسار توزيعها، قانون كابيتال كونترول


وفي موازاة ذلك، واصل سلامة الهندسات المالية التي أطلق بدايتها في منتصف 2016 حتى صارت المصارف تعرض على الزبائن فوائد بمعدل 40% على وديعة بقيمة 20 مليون دولار تجمّد لثلاث سنوات.
ومن أبرز التحذيرات، ما ورد في تقرير أعدّته المفوضية الأوروبية محذّرة من مخاطر أزمة ثلاثية: نقدية، مصرفية، دين عام. يومها قالت المفوضية، إن تحرير سعر صرف الليرة مقابل الدولار، يهدّد القطاع المصرفي بفعل ثلاثة عناصر أساسية: عدم التطابق بين آجال توظيفات المصارف لدى مصرف لبنان الطويلة الاستحقاقات، مقابل ودائع قصيرة الأجل وتركز مرتفع فيها. «مصرف لبنان أعطى حوافز لتشجيع إطالة آجال الودائع، ووضعَ قيوداً على السحوبات».

كارثة الشروط المسبقة
عبارة الحاكم رياض سلامة الشهيرة والتي كرّرها كثيرون من بعده «الليرة بخير»، لم تدُم أكثر من بضعة أشهر حتى تضاعف سعر صرف الدولار في السوق الموازية أكثر من ثلاث مرّات. وعلى وقع التظاهرات، باشرت السلطة بتحديد الخسائر بالتعاون مع شركة «لازار» ما أطلق معركة مريرة حول توزيعها، وأعدّت خطّة بآمال «خرافية» لاستدانة نحو 10 مليارات دولار من صندوق النقد الدولي، أي أكثر من 15 ضعف حصّة لبنان التي يمكن سحبها من الصندوق.
خلاصة المفاوضات بين ممثلي لبنان وصندوق النقد الدولي، تشير إلى أن الآتي سيكون أسوأ بكثير انطلاقاً من أن معركة توزيع الخسائر لا تزال في بداياتها وسط نفوذ قوي للمصارف بدعم غير محدود من سلامة، ومن أن شروط الصندوق ستكون قاسية وصعبة جداً وتنطوي على تداعيات اجتماعية لا تُحتمل.
عملياً، تعدّ المرحلة الأولى من المفاوضات مع الصندوق، مرحلة تشخيص يقوم بها هذا الأخير من أجل تحديد خياراته التي سيرفعها ممثّلو الصندوق إلى المجلس التنفيذي، حيث يبنى عليها لتحديد قيمة المبلغ وأقساطه وشروط الصندوق المسبقة واللاحقة.
الشروط المسبقة هي البنود الرئيسية التي يطلب الصندوق التزام لبنان بها قبل تسديد الدفعة الأولى، وهي ثلاثة كما وردت في جولات التفاوض مع ممثلي الصندوق: فرض كابيتال كونترول، توحيد سعر صرف الليرة مقابل الدولار، تحديد الخسائر المالية ومسار توزيعها.
مشروع الكابيتال كونترول سيأتي لزوم ما لا يلزم وسيشكّل فقط حماية للمصارف من نتائج الدعاوى التي قد ترفعها الجهات المتضرّرة من القيود التي تمارسها المصارف منذ تشرين الأول بشكل استنسابي على عمليات السحب والتحويل. لكن المشكلة الأساسية تكمن في توحيد سعر الصرف. فهذا يعني تحرير سعر الليرة مقابل الدولار على أعلى سعر سوقي، قياساً بما حصل مع مصر عندما اتفقت مع الصندوق على برنامج تمويلي. توحيد سعر الصرف ستكون تداعياته الاقتصادية والاجتماعية كارثية على مداخيل اللبنانيين وعلى عقود القطاع الخاص وعقود الإيجارات، وعلى أسعار السلع المستوردة التي توازي 80% من استهلاك هذه السلع. سيدفع المقيمون في لبنان ثمناً باهظاً لهذا التوحيد من دون أيّ ضمانات بأن سعر الصرف سيستقرّ سريعاً ضمن هوامش ضيّقة، بل قد تبقى تقلباته الواسعة لفترة طويلة.

شروط لاحقة: إعادة هيكلة القطاع العام وإلغاء كلّ أنواع الدعم بما في ذلك دعم استيراد السلع


أمّا مسألة تحديد الخسائر، فهي المعركة الكبرى، ليس فقط مع صندوق النقد، بل بين الأطراف اللبنانية. ففيما ترى الحكومة، ويوافقها صندوق النقد على أن آلية احتساب الخسائر تشير إلى أن الخسائر توازي 121 ألف مليار ليرة، فإن حاكم مصرف لبنان رياض سلامة يرى أنه يمكن ترحيل الخسائر للسنوات المقبلة وإطفاؤها تدريجاً من خلال طبع المزيد من الليرات لتسديد قيمتها. وهو لا يرى أن هناك داعياً للآلية التي تعتمدها الحكومة والتي يوافق عليها صندوق النقد الدولي، لذا اقترح أن تُصدر المصارف سندات خزينة مؤبّدة تُعرض على المودعين لشرائها بقيمة ودائعهم، إلّا أنه في حال عدم رغبة المودعين بشراء هذا المنتج، فإنّ مصرف لبنان سيطبع المزيد من العملة لشرائها وبالتالي تعويم أصول المصارف المفلسة من دون أن يعالج مشكلة المطلوبات بالدولار في ميزانياتهم.
خطوة كهذه، ستؤدي إلى طلب هائل على الدولار وترفع سعره مقابل الليرة بأضعاف ما هو عليه اليوم، من دون أن تعالج مشكلة المطلوبات بالدولار في ميزانيات النظام المالي، أي إنها لا تؤدي إلى إطفاء الخسائر بالدولار. وبالفعل، هذا ما قاله صندوق النقد الدولي لسلامة في واحدة من جلسات التفاوض: إذا كنت تريد اتّباع هذه المنهجية في تحديد وإطفاء الخسائر، فإن سعر الدولار قد يصل إلى 10٫000 أو 20٫000 ليرة. كذلك أوضح ممثلو الصندوق بعد اطلاعهم على «خطّة المصارف»: «نكون كرماء جداً إذا اعتبرناها خطّة».

الشروط اللاحقة
وبعد إعلان لبنان التزامه بهذه الشروط وبدء العمل على تنفيذها، وبعد موافقة المجلس التنفيذي على حجم البرنامج والقرض الذي سيُمنح للبنان، يسدّد الصندوق الدفعة الأولى بقيمة لا تتجاوز مليار دولار. ثم تأتي لائحة ثانية من الالتزامات المطلوبة من لبنان وأبرزها مجموعة إصلاحات في القطاع العام تنطوي على: إعادة هيكلة القطاع العام بما فيها نظام التقاعد، وإلغاء جميع أنواع الدعم سواء من الخزينة أو دعم العملة باحتياطات مصرف لبنان من العملات الأجنبية، بما يعنيه ذلك من رفع تعرفة الكهرباء وتحرير سعر البنزين بالمطلق، ورفع الدعم عن الخبز. الدعم الوحيد المسموح هو دعم الفقراء بشكل مباشر وضمن حدود واضحة وعلى الأرجح تكون ضيّقة كنسبة من الموازنة.
هذه الدفعة من الشروط ستطيح بالقطاع العام؛ رواتب وتعويضات موظفي القطاع العام من جيش وقوى أمنية وأساتذة وإداريين ومتعاقدين وسواهم، ثم ستكمل مسيرها للإطباق على المتقاعدين. الإصلاحات في هذا المجال قد تكون مطلوبة، لكن الخلل، أصلاً، ناتج عن نظام زبائني قاتل للوظائف يدفع اللبنانيين نحو الوظائف العامة إذا توافرت لهم «الواسطة» أو نحو الهجرة. وبمعزل عن أهمية وضرورة إصلاح القطاع العام، فإن ضحايا النظام الزبائني، سيدفعون الكلفة مرّة ثانية بسبب إفلاس هذا النظام وفساده.
أما إلغاء الدعم، فسيؤدي إلى تورّم أكلاف الإنتاج تبعاً لسعر الصرف المعتمد. فالسلع التي يدعم مصرف لبنان استيرادها، مثل البنزين والمازوت والغاز والدواء والقمح والمستلزمات الطبية، سترتفع أسعارها بشكل جنوني. أمّا السلع المدعومة من الخزينة مباشرة، فهي الأخرى سيكون لها مفاعيل قاسية على مداخيل اللبنانيين، ولا سيما فاتورة الكهرباء.



جفاف الدولار: المحفّزات والنتائج

أنقر على الرسم البياني لتكبيره

تصريحات الأمين العام لجمعية المصارف مكرم صادر، وتقديره لسعر صرف الدولار قد تكون «نكتة الموسم». هو يرى أن سعر الدولار الفعلي يجب أن يتراوح اليوم بين 2200 ليرة و2300 ليرة انطلاقاً من حساباته القائمة على أساس الميزن الجاري. خيال ـ صادر دفاعاً عن المصارف ـ واسع جداً. فهو على الأرجح يعتقد أن «الليرة بخير»، كما ردّدها الحاكم رياض سلامة ومن بعده رئيس جمعية المصارف سليم صفير. ولعلّه يعتقد أن سعر الدولار منفوخ اليوم إلى 5600 ليرة بسبب مضاربات يقودها صرافون غير مرخصين و«مضاربجية» من الناس العاديين. وقد يظنّ الكثيرون من السذّج أن السعر سيتراجع بمجرّد وقف هذه المضاربات. فما هي الأسباب الفعلية التي تدفع سعر الدولار إلى الارتفاع؟
منذ فترة طويلة يعمل مصرف لبنان على تجفيف السيولة من الأسواق. فهو امتصّ الدولارات التي كانت المصارف تحملها في حساباتها الخارجية قبل انفجار الأزمة عبر هندسات مالية مكلفة جداً انطلقت في 2016 واستمرت لاحقاً. وعندما انفجرت الأزمة وزاد الطلب على الدولار النقدي، صار مصرف لبنان يعمل على امتصاص الدولارات التي يحوّلها المغتربون إلى أسرهم في لبنان عبر شركات التحويل الإلكتروني. كما أنه ثبت في تحقيقات القضاء مع الصرافين ومع مدير العمليات النقدية في مصرف لبنان، تدخّله في السوق النقدية شارياً للدولار من الصرافين وبائعاً لهم أيضاً. كذلك، فإنه اليوم يعمل على سحب السيولة من السوق عبر هندسات واضحة للعيان لدى بعض المصارف: كل دولار نقدي يساوي 2,5 مرة الدولار المصرفي. بمعنى أن الدولار النقدي الذي يُصنّف حرّاً أو طازجاً، لديه قيمة فعلية أعلى مرتين ونصف المرّة من الدولار العالق في المصارف والمسجون بالقيود الاستنسابية وغير النظامية التي تمارسها المصارف ضدّ الزبائن. من يموّل هذه العملية، وما علاقتها بسعر الصرف؟ مصرف لبنان يموّلها. فالمصارف تشتري الدولارات النقدية من الزبائن مقابل شيكات مصرفية بالدولار، وهذه الأخيرة لا يمكن سحبها، بسبب القيود المصرفية، إلا بالليرة اللبنانية على سعر 3000 ليرة للدولار، وذلك استناداً إلى تعميم صادر عن مصرف لبنان يقضي بمنح الزبائن 5000 دولار شهرياً بالليرة على سعر السوق المحدّد اليوم بـ3000 ليرة مقابل الدولار.
لذا، فإنّ عملية تجفيف السوق من الدولارات، تأتي في وقت يسجّل فيه القطاع الخاص طلباً واسعاً على الدولار من أجل تمويل عمليات استيراد، وهي تؤدّي حتماً إلى رفع سعر الدولار مقابل الليرة. وبما أن مصرف لبنان يواصل طباعة النقد بهدف تمويل النسخة الأحدث من الهندسات المالية ومحاولة إطفاء الخسائر عبر الطباعة… فإن هذه العوامل أدّت أيضاً إلى زيادة الضغوط على الليرة ورفع سعر الدولار.
يحلو لبعض السياسيين، اتهام السوق السورية بسحب الدولارات من السوق اللبنانية، لكنهم لا يعلمون حجم التبادلات المهرّبة بين البلدين، وليست لديهم فكرة عن آليات التعامل بينهما ولا عن الأسعار والمحفّزات… لكنهم يفضّلون اللجوء إلى أقصر الطرق من أجل تبرير سياق سياسي ما أو تحفيز جمهور ما. لكنهم يتعامون عن أن مصرف لبنان يزيد خسائره بسبب هذه الهندسات التي يسجّل خسائرها في بند «الأصول الأخرى». هذا البند سجّل زيادة بقيمة 16399 مليار ليرة في الأشهر الخمسة الأخيرة لتصبح قيمة التراكمية 50639 مليار ليرة. وفي المقابل انخفضت موجودات مصرف لبنان بقيمة 1066 مليار ليرة في الأسبوعين الأخيرين من شهر أيار الماضي. هذا يدلّ على أن التحويلات التي تأتي من الخارج ليست كافية لتأمين تمويل السلع المدعومة ما دفع سلامة إلى استعمال احتياطاته لتعويض النقص في التمويل بينما يواظب على طبع العملة وتجفيف السيولة بالدولار. لكل هذه الأسباب سعر الدولار يرتفع. أما «إلى أين؟»، فلا أحد يمكنه التقدير أو حتى التنبؤ. فالمسألة تتعلق بعوامل نفسية وسياسية واقتصادية واجتماعية متقلّبة ومتغيّرة ومرتبطة بخيارات تمارسها الأطراف المعنية. هناك مجموعة خيارات، لكن ليس بينها ما يوحي بأن السعر إلى انخفاض.


خسائر النظام المالي بنظر سلامة «أرباح»!

أنقر على الرسم البياني لتكبيره

ثمة فروقات واسعة بين تقديرات حاكم مصرف لبنان رياض سلامة للخسائر، وتقديرات فريق الحكومة اللبنانية القريب جداً من تقديرات صندوق النقد الدولي. مقاربة الخسائر تتطلب عملياً منهجية واضحة، لأنها تتضمن متغيرات عديدة حساسيتها عالية تجاه التعامل معها. هذا الجدول يظهر الفروقات بين كل طرف، رغم أن الأرقام قد تتعدّل قليلاً نتيجة التغيرات التي ستطرأ على قيمة الخسائر المسجلة في ميزانية مصرف لبنان وإطفاء بعضها عبر طباعة العملة، أو نتيجة تغيرات سعر صرف الليرة، أو تغيرات سعر الذهب العالمي وارتباطه مباشرة بسعر الليرة الجديد... سنحاول قدر الإمكان تفسير كل واحد من البنود المذكورة.
- خسائر السياسات النقدية؛ الفرق كبير بين منهجية الاحتساب لدى الحكومة القريبة مما يعتمده صندوق النقد الدولي، ومنهجية الاحتساب لدى مصرف لبنان. فالأخير يعتقد أنه ليس لديه خسائر في هذا البند، بينما ترى الحكومة أن مجموع الخسائر يبلغ 10400 مليار ليرة، وصندوق النقد الدولي يعتقد أنها نحو 21000 مليار ليرة. السبب يعود إلى كون هذا البند يتألف من عدة بنود تفصيلية: ففي بند «الأصول الأخرى» يسجل سلامة كل كلفة تثبيت الليرة وكلفة الهندسات المالية ويضاف إليها بند «الأصول المكتسبة من عمليات القطع وأدوات مالية». في هذين البندين كل الخسائر المؤجلة بقيمة 71700 مليار ليرة.
كذلك يتضمن بند السياسات النقدية أصول الذهب. يسجّل الذهب بالسعر العالمي الحالي، لكن لا تنفذ عملية التقييم بل تبقى دفترية. في هذا البند الطرفان يتصرّفان على أساس تقييم الذهب بين آخر عملية تقييم منفذة وبين التاريخ الحالي، وهو ما يحقق ربحاً لمصرف لبنان. الفرق في هذا البند بين الأطراف الثلاثة (مصرف لبنان، صندوق النقد، الحكومة) ناتج من كون كل واحد ينطلق من تاريخ مختلف عن الثاني. سلامة يبدأ من نهاية 2006، فيما انطلقت الحكومة وصندوق النقد الدولي من تاريخين آخرين، لذا فإن كل منهما يسجّل رقماً مختلفاً وبعيداً عن الآخر. كذلك، فإن الفرق في قيمة هذا البند متأتية أيضاً من كون الذهب مقوّم بالليرة اللبنانية، بينما عملية تحديد الخسائر تعتمد سعر الليرة على أساس 3500 ليرة، أي إن كل دولار ينطوي على 2000 ليرة إضافية سواء خسارة أم ربحاً، وفي حالة الذهب هو ربح.
يضاف إلى خسائر السياسات النقدية، الفروقات في حسابات رأس المال والمؤونات. الفوارق فيها طفيفة جداً بين الأطراف الثلاثة، خلافاً للفرق الواضح في البند المتعلق بكمية الخسائر المسموح الاحتفاظ بها بعد عملية شطب الخسائر وتوزيعها. صندوق النقد الدولي يعتبر أنه يجب زيادة رأس المال بقيمة 4900 مليار ليرة بعد شطب كل الخسائر، بينما الحكومة تعتقد أنه يمكن مصرف لبنان الاحتفاظ بنحو 13500 مليار ليرة لإطفائها لاحقاً.
- خسائر إعادة هيكلة الدين العام: الفرق في قيمة هذا البند بين الأطراف الثلاثة متّصلة بما يراه كل طرف. فعلى سبيل المثال، تعتقد الحكومة أنه يمكن التوصل إلى اتفاق مع الأطراف الخارجيين من أجل اقتطاع 75% من قيمة كل دولار موظّف في سندات اليوروبوندز، و40% من قيمة كل ليرة موظّفة في سندات الخزينة بالليرة. في المقابل، يعتقد صندوق النقد الدولي أن الدائنين الأجانب لن يوافقوا على اقتطاع يفوق 60% على سندات اليوروبوندز، بينما ستكون هناك موافقة على 60% على الدين بالليرة. لكن سلامة يعتقد أنه لا داعي لأي عملية اقتطاع، وأن أصوله كافية لتغطية الخسائر الأولية في النظام، فلا داعي لأي عملية اقتطاع.
- خسائر خفض قيمة العملة: تحتسب الاحتياطات على أساس سعر 3500 ليرة لكل دولار، لكن مصرف لبنان يضيف عليها الحساب الوهمي المسجل على الدولة اللبنانية بقيمة 16 مليار دولار، أي إنه يسجّل فرق قيمة الاحتياطات زائداً فرق قيمة الحساب الوهمي على اعتبار أن الدولة يجب أن تردّه إليه، وعلى اعتبار أن قيمة هذا البند هي أصول له مقابلها مطلوبات بقيمة تصل إلى 83 مليار دولار تعود للمصارف. هذه المطلوبات يتعامل معها مصرف لبنان على أساس القيمة الحالية أو ما يسمى (Present value) التي يتم احتسابها على أساس سعر سندات اليوروبوندز في السوق اليوم. وفي المقابل، تحتسب "لازار" قسم هذه المبالغ على اساس سعر أقل بكثير من حسابات سلامة، ليصبح الرقمان مختلفان وبعيدان جداً أحدهما عن الآخر.
في الخلاصة تصبح الخسائر متواضعة لدى الحكومة قياساً بحسابات الحكومة، وتصبح بعيدة جداً عن حسابات سلامة التي تشير إلى أرباح!


سلسلة المسؤولية بين «المركزي» والمصارف
تقترح المصارف أن يُنشأ صندوق توضع فيه أصول الدولة من مرفأ ومطار وكازينو وميدل إيست وشركتي الخلوي وأراضي… وأن يُصدر هذا الصندوق سند دين بقيمة 40 مليار دولار لتغطية الخسائر التي ستُنقل إليه من مصرف لبنان، وبالتالي لن تبقى هناك خسائر لينقلها مصرف لبنان إلى المصارف. بكل بساطة ستموّل الخسائر بالمال العام. لجوء المصارف إلى هذا الطرح، يأتي انطلاقاً من كونها تنأى بنفسها وبمصرف لبنان عن مسؤولية تحمّل الخسائر، وتلقيها على عاتق الخزينة. وبهذا المعنى، فإن الخزينة هي أموال المكلفين وحقوقهم على الدولة التي تموّل منها عمليات الاستثمار والتطوير للمصلحة العامة. فما هي سلسلة المسؤولية في هذه الحال بحسب النقاشات التي جرت في جلسة غير معلنة عقدت في مجلس النواب يوم الجمعة الماضي؟
- المصارف اشترت سندات خزينة صادرة عن الخزينة من دون أي ضمانات أو رهن لتغطيتها. لذا، ليس هناك أي مبرّر يتيح للمصارف الحصول على أصول الدولة مقابل الخسائر في هذه السندات. المصارف وظّفت الأموال وخسرتها، وعليها أن تتحمل نتيجة عملية التوظيف هذه التي أدّت إلى تبديد ودائع الزبائن.
- مصرف لبنان، بوصفه الهيئة الناظمة للقطاع المصرفي، شارك المصارف في اللعبة نفسها. فبدلاً من أن يحدّد لها سقوف التوظيف وآليات إطفاء الخسائر، ويمنعها من مراكمة المزيد من الخسائر، ساهم في تبديد ودائع الزبائن من خلال تشجيع المصارف على اقتراض هذه الأموال من الزبائن وإغرائها بفوائد باهظة لتقوم المصارف بدورها بتوظيفها لديه بعوائد كبيرة أيضاً لا يزال يسدّدها من ميزانيته. ولكنه بدلاً من الحفاظ على الأموال، استعملها لتمويل عمليات تثبيت سعر الصرف ولتسديد الفوائد للمصارف.
- مصرف لبنان والمصارف اشتريا سندات خزينة بالدولار رغم معرفتهما الكاملة بنسبة المخاطر عليهما، وهذا ما بات واضحاً للجميع من خلال تصنيف الدين السيادي الصادر عن وكالات التصنيف الدولية. هذه الوكالات خفّضت تصنيف ديون لبنان السيادية على مراحل زمنية مختلفة، لكن مصرف لبنان والمصارف استمرّا في توظيف أموالهما فيها.