صيف 2019 كان استثنائياً للولايات المتّحدة. خلاله أتمّ الاقتصاد أطول دورة نموّ في تاريخه، ووصل التعافي من الأزمة الاقتصادية - المالية التي وقعت قبل عقد، إلى ذروته مع هبوط معدل البطالة إلى أدنى مستوى خلال نصف قرن، حيث كانت دورات التشغيل تولّد ما معدّله مليوني وظيفة سنوياً طوال فترة التوسّع. الظروف كانت ملائمة لقاطن البيت الأبيض تحضيراً لمواجهات سياسية عشيّة الانتخابات الرئاسية في خريف العام اللاحق. لكن سرعان ما اجتاح فيروس «كورونا» الجديد العالم فارضاً حالات الإغلاق شبه التام. تزامن الوباء، أخيراً، مع انتفاضة في وجه العنصرية واللامساواة والميول الموروثة في النظام. فجأة غرق أعظم اقتصاد مجدداً بالأحمر، ما استدعى إجراءات استثنائية من الرئيس، بعضها يتماهي مع ما يحدث في العالم الصناعي، وبعضها لا يُفسّر إلا بعقل دونالد ترامب وأدواته، معتمداً على مقاربته الخيالية في إدارة البلاد، وعلى المقولة الشهيرة لضمان إعادة انتخابه: «إنه الاقتصاد يا غبي».


من الحجر إلى العمل برمشة عين
الاقتصاد الأميركي لا ينفكّ يُبهر بديناميته وبهشاشته في آن. فمنذ منتصف آذار الماضي نفّذت الولايات الأميركية الخمسون سياسات متفاوتة لفرض الإغلاق الاقتصادي والتباعد الاجتماعي لاحتواء فيروس «كورونا» الجديد. التقديرات الأخيرة تُفيد بأنه نتيجة هذه السياسات، تراجع الإنفاق الاستهلاكي بمعدلات وصلت إلى 30%، وتقلّص الاقتصاد عموماً بمعدل 80 مليار دولار أسبوعياً. ومعه وصل معدل البطالة إلى 14.7% في شهر نيسان، وإلى أكثر من 27% إذا اعتُمدت المعايير الأوسع في تحديد معدلات التشغيل؛ هذا يعني أن أكثر من ربع القوى العاملة كانوا عاطلين من العمل أو يعملون بمستوى منخفض.
لكن بمجرّد أن بدأت الولايات تخفيف إجراءاتها الطارئة، وتحرير المستهلكين والشركات على حدّ سواء من الحجر الذي يفرضه الوباء حتّى بدأ الاقتصاد يستعيد بعضاً من العافية. ففي شهر أيار تراجع معدل البطالة إلى 13.3%، فانخفض عدد المسرّحين من العمل على نحو مؤقت بنحو 2.7 مليون عامل. ويتوقّع أن تستمر حركة التشغيل إيجابيةً خلال الفصول المقبلة مع استمرار اقتصادات الولايات بالخروج من الإقفال التام أو الجزئي. ورغم أن معدل البطالة سيبقى فوق 11% في نهاية العام الحالي، إلا أنه سينخفض دون 9% مع انتهاء عام 2021.
ماذا يعني هذا الهبوط السريع للاقتصاد والارتداد الأسرع إلى التشغيل؟ وكيف يسهم كوفيد-19 ومعه الاضطرابات التي تعصف بالبلاد في رسم واقع الولايات المتّحدة عشية انتخابات رئاسية قد تكون الأهم في تاريخها؟

الخلل الهيكلي أخطر من الفيروس
تُشكّل حركة الارتداد الاقتصادي السريع زخماً سياسياً للرئيس في مواجهة الديموقراطيين والشارع المنتفض على سياسات اليمين الأميركي، إلّا أن حسم الأمر على أنه انتصار ضدّ الفيروس وضد إجراءات الإغلاق، يُعد سلوكاً استعجالياً. فمعدل البطالة الذي نجم عن الأزمة المالية الاقتصادية قبل عشرة أعوام بقي مرتفعاً ولم ينخفض إلى المعدل الذي كان سائداً قبل الأزمة سوى في عام 2017. كذلك هناك تغييرات جوهرية مرتقبة على صعيد توزيع الموارد والنشاطات في الاقتصاد للاستجابة إلى متطلبات عالم ما بعد كوفيد-19، أو بالأحرى للتعايش معه؛ وهي إجراءات قد لا تؤدي إلى التشغيل الأمثل أو الاستغلال الأفضل لمقدرات البلاد.
أرباح الشركات تعاني من أكبر انخفاض منذ الركود الكبير في 2008-2009 والفجوة بين الخيال والواقع أكبر مما كانت عليه في أواخر التسعينيات


هناك دروس أخرى، ذات أهمية أكبر، من تجربة الركود العظيم يُمكن الركون إليها لوضع تصوّر مبدئي للمرحلة المقبلة، سواء كانت ولاية جديدة لدونالد ترامب أم لا، وسواء تمّ التوصل إلى لقاح فعّال وجاهز لفيروس كورونا الجديد أم أن الوباء بقي مسيطراً على العالم واقتصاده.
فبرغم كلّ الإنجازات التي حقّقها الاقتصاد خلال فترة العقد الماضي، لم تُعالج مكامن الخلل الهيكلي في الاقتصاد الاجتماعي الأميركي. فالثروة الصافية التي يملكها النصف الأفقر من العائلات الأميركية هي أدنى مما كانت عليه قبل ثلاثة عقود. وفيما سجّلت حصة الفرد الحقيقية من الناتج المحلي الإجمالي نمواً بنسبة 23% خلال 20 عاماً، منذ نهاية التسعينيات، لم ينمُ المعدل الوسطي لدخل العائلات الأميركية إلا بنسبة متواضعة تبلغ 2.2%.
تعكس هذه الأرقام مستويات متزايدة من اللامساواة في توزيع الدخل، ففي بلاد تبلغ ثروة أغنى عشرة أشخاص فيها 800 مليار دولار، يعيش 45 مليوناً من أبنائها، أي نحو 15% من عدد السكان الإجمالي، تحت خط الفقر.
وقد أمعنت سياسة الرئيس دونالد ترامب في تعزيز هذه الفروقات الحساسة. إذ انطلقت بتعديل القانون الضريبي الذي خفّض بموجبه البيت الأبيض ضريبة الأرباح على الشركات بنحو 14 نقطة مئوية إلى 21 نقطة مئوية فقط.


التحرير من أمامكم والصين من ورائكم
اليوم ليس وقت الحسابات الاجتماعية بحسب أجندة البيت الأبيض. فعلياً، لم يكن هكذا قط، بل في زمن تحفيز النمو. ولتحقيق ذلك يعمد دونالد ترامب إلى الوسائل المتاحة كافة ويصل إلى تعديل القوانين والإجراءات المرعية فيدرالياً لحماية حقوق العمال والمستهلكين والبيئة، والاقتصاد عموماً على المدى البعيد.
صحيح أن رزم التحفيز الاقتصادي التي أقرّها النظام وتصل قيمتها الإجمالية إلى ثلاثة تريليونات دولار تُعدّ أساسية لحماية الاقتصاد من الانهيار الكامل، وتتماهى ما يتم إقراراه في البلدات الصناعية الأخرى، إلا أن القوانين الأميركية تحمل في طياتها إجراءات تحرير يُمكن أن تُصبح ثابتة وتؤذي الاقتصاد الأميركي على المدى البعيد. مثلاً، تُعفي الإجراءات الجديدة المصارف من تطبيق معايير محاسبية جديدة لفترة عامين كاملين، وكذلك تُخفض من مستوى ملاءة رأس المال المطلوبة في حالة المصارف الصغيرة التي يقلّ حجم أصولها عن 10 مليارات دولار.
اللافت هو أن لوبي القطاع المالي كان يُطالب بإمرار تغييرات كهذه منذ ما قبل كوفيد-19، ما يعني أن الاستجابة لها هي ترجمة لسياسة تحرير جديدة يتبناها دونالد ترامب في زمن الوباء، وتتزايد التحذيرات من إمكانية تحولها إلى واقع مع إصرار السياسيين على عدم السماح بانتهاء صلاحيتها.
هذه الإجراءات التي تُمرر تحت شعار الطوارئ الاقتصادية قد تُفيد الاقتصاد في المدى المباشر، غير أنها تؤسّس لهشاشة جديدة في البلاد قد تجعلها عرضة لأزمة مالية اقتصادية جديدة تتزامن مع تعاظم الفروقات الاجتماعية نتيجة اللامساواة في توزيع الدخل. وهذا الخليط قد يُمهّد لتزايد الاضطرابات في البلاد خلال المديين المتوسط والبعيد.
يحدث كل ذلك في إطار أشمل يخصّ وضعية الولايات المـتّحدة في النظام العالمي. فقد بات واضحاً تأثير سياسة أميركا أولاً التي يعتمدها دونالد ترامب منهجاً لتحقيق التفوق الأميركي المباشر وليس بالضرورة الاستراتيجي على مكانة واشنطن وقدرتها على التأثير وضمان الاستقرار. وقد لخّص المدير السابق للبنك الدولي، روبرت زوليك هذه التحولات أخيراً بالقول: «ابتدعت الولايات المتّحدة النظام العالمي في النصف الثاني من القرن العشرين وضمنت استقراره، غير أنها تعمد اليوم على نحو متهوّر إلى تفكيك الإطار الذي بنَتْه بنفسها. وفي المقابل، تُشكّل الصين التي نهضت بنجاح في كنف هذا النظام العالمي الداعم، تهديداً لها معتمدةً على نموذج إدارة مختلف قائم على دول تابعة».