في مراسلته لوزير المال 9 كانون الثاني 2020 حول تنظيم وتشريع الإجراءات المتعلقة بعمليات السحب والتحويل لدى المصارف، يقول حاكم مصرف لبنان رياض سلامة بأنه «يقتضي تنظيم هذه الإجراءات وتوحيدها بين المصارف بغية تطبيقها بشكل عادل ومتساوٍ على المودعين والعملاء جميعاً». هذه العبارة ليست سوى دليل على التناقض الذي وقع فيه سلامة. فهو كان يصرّ على أن لا صلاحية له للقيام بهذه الإجراءات، وهو الذي طلب توحيدها. أمران يدفعان إلى منح سلامة وسام «الهرطقة».


لكن ما هي مبرّرات إصدار التعميمين في هذا التوقيت والشكل والمضمون؟ الوزير السابق زياد بارود يختصر الأمر بكلمتين: «صيف وشتاء...». هذا التعبير يشير بوضوح إلى أن الاستنسابية التي بدأتها المصارف في التعامل مع الزبائن تستكمل اليوم تمهيداً لتحرير سعر الليرة مقابل الدولار ولتنفيس «احتقان» من يُسمون «صغار المودعين» الذين لا يمكن تحديدهم عشوائياً كما حُدّدوا في التعميمين الأخيرين.

كيف ترى توقيت صدور قرارَي مصرف لبنان؟
- لا يمكن إلاّ أن نربط، منهجياً على الأقل، بين قرارَي مصرف لبنان الأخيرين وبين ما كان يتم التداول بشأنه من تشريع لتقييد حركة رؤوس الأموال. فهل من قبيل الصدف أن يصدر القراران بعد طي صفحة الكابيتال كونترول المقونن ونعيه من قبل أبرز المعنيين به؟ ثم إن المادتين 70 و174 من قانون النقد والتسليف، اللتين استند إليهما القرار 13215، كانتا قائمتين ومرعيتَي الإجراء أصلاً، فلماذا الآن؟
ثمة قراءتان للتوقيت؛ الأولى ترتبط بسقوط احتمال قوننة الكابيتال كونترول في المدى المنظور، بعد موقف رئيس المجلس النيابي الرافض له وبعد سحب وزير المالية لمشروع القانون الذي كان رفعه إلى مجلس الوزراء، ما أوجب على المصرف المركزي، ربما، أن يتدخل مضطراً، بعد أن كان طلب سابقاً في كتابه تاريخ 9/1/2020 أن تتخذ «السلطة ذات الصلاحية» الإجراءات القانونية المناسبة. أما وقد تبيّن أن تلك «السلطة» ليست بوارد التشريع في هذا المضمار، لجأ المركزي إلى الاضطلاع بالمهمة.
من يحدّد صغار المودعين طالما أن مؤسسة ضمان الودائع تشير إلى أن 75 مليون ليرة ضمانة الحد الأدنى للوديعة الواحدة؟


الثانية تربط القرار بالضغط الشعبي على المصارف الذي بدا وكأنه آخذ في التعاظم رغم الـ«كورونا» والحدّ من التجوال، فجاء القرار 13215 وكأنه يسعى لتنفيس الاحتقان، ولا سيما لدى فئة من المودعين الذين لا تتجاوز أرقام حساب الواحد منهم خمسة ملايين ليرة، وهم يشكلون 61% من إجمالي المودعين. لكن هذا «التحفيز» إذا صحّ التعبير سيؤدي إلى خروج هذه الفئة كلياً من القطاع المصرفي. ولذلك قد نرى بعضاً من هؤلاء المودعين يحجم عن الاستفادة من القرار، وخصوصاً أن بعض الباحثين يعتبر أن هذا النوع من الحسابات لا يعدو كونه حسابات توطين، لا أكثر، بالإضافة إلى أن الاستفادة منه يعني، بصورة أوّلية، تسديد صاحب الحساب لأي دين في ذمّته تجاه المصرف، وصولاً إلى إقفال الحساب حكماً. وهذا يعني أن كلفة التدبير لن تكون كما هو متوقّع وإنما أقل من ذلك إذا أخذنا في الاعتبار حسم الديون وبطاقات الاعتماد وكتلة المودعين الذين سيحجمون عن الاستفادة من أحكام القرار.

هل هؤلاء فقط هم صغار المودعين؟
- هذه الأرقام تطرح فعلاً ضرورة تحديد مفهوم «صغار المودعين» الذي تتم الاستعانة به في الخطاب السياسي من قبل بعض الغيارى. في الواقع، ليس هناك تحديد قانوني لهذا المفهوم، وبالتالي فإن اعتماد القرار لسقف الخمسة ملايين ليرة، مثلاً، يشكل معياراً عشوائياً يمكن أن يكون استند إلى نسبة معينة من المودعين، لكنه لا يشمل، قطعاً، سائر «صغار المودعين». وإذا كان أصحاب الحسابات ما دون الخمسة ملايين هم فعلاً من هذه الفئة، إلاّ أن آخرين يملكون أكثر بقليل، وربما أضعاف هذا المبلغ، يمكن أن يُعتبروا من الفئة ذاتها. والدليل على ذلك أن قيمة الحساب الدائن الذي تغطي
ضمانته المؤسسة الوطنية لضمان الودائع كان بحدود خمسة ملايين ليرة، قبل أن ترفعه المادة 38 من قانون موازنة 2020 إلى 75 مليوناً، وكأن في هذا الإجراء ما يشير، ولو بصورة غير مباشرة، إلى أن كل ما هو دون هذا المبلغ الأخير يبقى جديراً بالحماية بحدّها الأدنى. يمكن الاستنتاج تالياً بأن كل ما هو دون هذه الضمانة الدنيا، إنما ينزل منزلة فئة صغار المودعين. وربما كان مفيداً أن يكون القرار 13215 خطوة أولى يجب أن تستتبعها خطوة أخرى تشمل أصحاب الحسابات ما دون 75 مليون ليرة. لكن كلفة خطوة مماثلة قد تحول دونها، أقلّه في الزمن المنظور.

هل يمكن الطعن في هذا القرار؟
- من جهة أولى، اعتمد القرار 13215 معياراً واضحاً لا يترك للمصارف مجالاً للاستنساب، كما حدّد مهلة ثلاثة أشعر لسريانه، بحيث يعطي الانطباع بأنه استثنائي وموقت. إلاّ أنه يطرح، من جهة ثانية، مسألة خرق مبدأ المساواة بين «صغار المودعين»، بل بين المودعين عموماً. وما دام مصرف لبنان قد اختار أخيراً الدخول على خط تنظيم العلاقة بين المصارف وعملائها، فمن الأجدى الذهاب إلى شمول هذا التنظيم لمختلف فئات المودعين. فأصحاب الحقوق هم جميع أصحاب الحسابات، كل فئة منهم بحسب أوضاع خاصة يتم تفصيلها. ويتقاطع ذلك تماماً مع ما كتبه حاكم مصرف لبنان في مراسلته إلى وزير المالية في 9/1/2020، حين أشار إلى أنه «يقتضي تنظيم هذه الإجراءات وتوحيدها بين المصارف بغية تطبيقها بشكل عادل ومتساوٍ على المودعين والعملاء جميعاً». هذه العبارة الأخيرة «جميعاً» تعني وجوب شمول التنظيم سائر المودعين. أما التدبير المفصّل في قرار مصرف لبنان، فيميّز بين المودعين، ولو أن التمييز قد جاء إيجابياً (discrimination positive) لصالح أصحاب الحسابات ما دون الخمسة ملايين ليرة.

ماذا عن سائر المودعين؟ على أي أساس يتم تحويل ودائعهم كلياً أو جزئياً من الدولار إلى الليرة وبالعكس


من كل ما تقدّم أستنتج أن القرار 13215 يؤدي عملياً إلى قيام نظامين قانونيين في القطاع الواحد: نظام تمييز إيجابي لنوع محدّد من الحسابات (61% منها)، ضابط لإيقاع القطاع المصرفي، مانع للاستنساب. ونظام آخر متفلّت، يفرض بصورة غير قانونية قيوداً على السحب والتحويل وسعر الصرف. وفي ذلك مخالفة لا يمكن إلا التوقف عندها. وغالب الظن أن تكريس هذين النظامين سيتيح لأصحاب الودائع غير المشمولين بالقرار المذكور أن يراجعوا المحاكم، ولا سيما القضاء المستعجل، على ما رأيناه في الأشهر الماضية.

ماذا عن القرار الآخر 13216؟
- أنشأ القرار 13216 وحدة خاصة تتولى التداول في العملات الأجنبية النقدية (ولا سيما الدولار) بحسب سعر السوق، كما أنشأ منصة إلكترونية تضم، إلى مصرف لبنان، المصارف ومؤسسات الصرافة يتم من خلالها الإعلان عن أسعار التداول. يطرح هذا القرار دور المصرف المركزي كهيئة ناظمة للقطاع المصرفي وللصرّافين. من هذه الزاوية، يبدو التدبير وكأنه إقرار من المركزي، وبصورة رسمية، بوجود سعرين لصرف الدولار، بل ربما ثلاثة: سعر الصرف الرسمي (1507.5)، سعر صرف منصّة التداول المستحدثة وربما أيضاً سعر السوق السوداء إذا استمر فلتانها. فهل يكون تدبير مصرف لبنان مدخلاً لتحرير سعر الصرف؟
والسؤال الاستطرادي الذي يفرض نفسه هنا يتعلق بكيفية تسديد القروض المصرفية المحدّدة بالدولار، مثلاً، فإذا اختار العميل تسديد السند بالليرة اللبنانية، هل يتم ذلك وفق السعر الرسمي أم وفق سعر المنصّة؟ المسألة برمّتها بحاجة إلى تفصيل وتوضيح منعاً لاستمرار الاستنساب في التطبيق. وماذا عن سائر المودعين؟ على أي أساس يتم تحويل ودائعهم في الحسابات الجارية، كلياً أو جزئياً، من الدولار إلى الليرة وبالعكس؟ أيضاً وأيضاً، صيف وشتاء...