يرزح الاقتصاد اللبناني تحت عدد من الضغوط، يتمثّل أهمها في العجز الصارخ في الميزان التجاري الناتج عن إدماننا على الاستيراد. ومن تبعات هذا العجز، استنزاف مخزوننا من العملة الصعبة الذي لا غنى عنه لتثبيت سعر الصرف، وبالتالي الحفاظ على المستوى المعيشي للمواطن والمقيم على حد سواء.

تاريخياً، كانت تحويلات المغتربين اللبنانيين تسهم إلى حدٍّ ما، في تخفيف آثار العجز. لكن منذ عام 2011، تراجعت هذه التحويلات بنسبة ملحوظة، ما دفع مصرف لبنان إلى تنفيذ هندسات مالية مثيرة للجدل في النصف الثاني من عام 2016، وذلك لاستجلاب الدولارات من الخارج في وقتٍ نحن بأمسّ الحاجة إليها. لكن خطورة هذا الأمر تكمن في كونه غير مستدام.


أما اليوم، وبعدما وصل اقتصاد البلاد إلى ما وصل إليه، وبعدما انهارت الثقة بالنظام المصرفي إلى أدنى مستوياتها في تاريخ لبنان بسبب تدابيره غير الموفّقة، كإغلاق المصارف لمدة أسبوعين في شهر تشرين الأول، ومن ثم فرض ضوابط على رأس المال بشكل استنسابي وغير قانوني، فمن المحتمل أن تنخفض تحويلات المغتربين بشكل ملحوظ في السنوات القادمة ما سيؤدّي إلى تهديد إضافيّ لليرة الهشّة أصلاً والتي يتم تسعيرها حالياً في السوق الموازية بنسبة 30% أقل من سعرها الرسمي.

محاولات مصرف لبنان لتدارك الوضع
للحدّ من نزيف الدولار الناتج عن هذا العجز في الميزان التجاري، حاول مصرف لبنان تدارك الأزمة متّجهاً نحو خفض العجز من خلال التضييق على المستوردين، فأوقف ضخّ الدولارات في السوق وجعل فتح الاعتمادات المخصّصة للاستيراد أمراً شبه مستحيل للسلع غير الأساسية، ما دفع المستوردين نحو السوق الموازية للحصول على الدولار بسعر يفوق السعر الرسمي بنسبة 30%. وبالفعل، أظهر تقرير بنك عوده الأسبوعي انخفاضاً ملحوظاً في مستوى الاستيراد بلغ 24% اعتباراً من تشرين الأول 2019 ما يعني تقليص العجز التجاري.
تنطوي مثل هذه الاستراتيجية على كلفة اقتصادية واجتماعية كبيرة، تقع على كاهل المواطن. إذ يمكننا ملاحظة مؤشرات الانكماش الاقتصادي المتمثّل في صرف العمال وخفض الرواتب وتهديد آلاف الشركات بالإغلاق. وبما أن معظم ما نستهلكه مستورداً، فقد ارتفعت أسعار غالبية السلع والخدمات بنسبة الثلث أو ما يزيد، حتى الضروري منها، ما يُنذر ببوادر ركود تضخّمي.
وفي مواجهة ارتفاع الأسعار وانخفاض الدخل، وزيادة معدلات البطالة وانخفاض قيمة العملة الهشّة التي تتعرّض لمزيد من التهديد بسبب عجز الميزان التجاري، وتناقص احتياطات الدولار، صارت هناك حاجة إلى مقاربة مختلفة لإدارة هذه الأزمة. ينبغي أن تتضمّن هذه المقاربة توازناً بين الحاجة إلى خفض العجز التجاري والحاجة إلى توفير السلع الضرورية. إذ يجب إعطاء الأولوية لاستيراد السلع الضرورية (وإن كان على حساب السلع الأخرى). ورغم أن مصرف لبنان حدّد استثناءات متعلّقة باستيراد الوقود والقمح والأدوية، فإنّها لائحة ضيقة للغاية ويتوجّب توسيعها لتشمل سلّة من السلع التي تضمن العيش الكريم، إضافة إلى المواد الأولية، ومن الممكن إجراء تعديلات على هذه السلة بشكل دوري لإدخال سلع جديدة أو استبعاد أخرى تبعاً للحاجة.

تأسيس مصرف للتجارة كآلية حل
من الطرق المُتاحة لتأمين السلع الأساسية مع السيطرة على التدهور في الميزان التجاري، هو أن تقوم شراكة بين الحكومة ومصرف لبنان والمصارف المحليّة بالإضافة إلى البلدان المانحة، من أجل إنشاء مصرفٍ للتجارة كالذي أُنشِئ في العراق بعد الغزو الأميركي في عام 2003. وهذا يسهّل التحكّم بتمويل عمليات الاستيراد وجمعها تحت سقف واحد ما يحدّ من نزف الدولارات من نظامنا المالي.


أنقر على الرسم البياني لتكبيره

وبهدف توضيح آليات عمل هذا المصرف، سنفترض أن سعر صرف الليرة انخفض إلى 1800 ليرة للدولار الواحد. وستكون مهام المصرف المخصّص للتجارة على النحو الآتي:
ــ حماية استيراد الأساسيات والمواد الخام من تقلّبات سعر الليرة مقابل الدولار عبر ضمان شراء هذه السلع بسعر صرف أقل من سعر السوق (على سبيل المثال 1515 ليرة للدولار وهو السعر القديم لليرة قبل خفض قيمتها)، وتوفير خطوط ائتمان تفضيلية. ويعدّ هذا الأمر نوعاً من الدعم لسلة السلع التي اقترحناها أعلاه. بينما سيكون سعر الـ1800 ليرة مقابل الدولار للسلع الأخرى غير الضرورية، إضافةً إلى فرض رسوم على استيرادها للحدّ من الاستيراد غير الضروري. ويجب أن تتناسب هذه الرسوم مع أهمية أو ضرورة السلع المستوردة مع مراعاة توافر بدائل محلّية الصنع من عدمها. يمكن وضع رسوم مرتفعة على كلّ منتج يتوافر بديل محليّ منه، وكذلك على الكماليات كالسيارات الفخمة. ويمكن جدولة هذه الرسوم بطرق تسمح لنا بتغطية، ولو جزئية، لكلفة دعم السلع الضرورية. بهذه الطريقة يمكننا، على الأقل، حماية الأسر المنخفضة الدخل من آثار انخفاض قيمة العملة.
الطرق المُتاحة لتأمين السلع الأساسية والسيطرة على تدهور الميزان التجاري أن تقوم شراكة بين الحكومة ومصرف لبنان والمصارف المحليّة بالإضافة إلى البلدان المانحة، من أجل إنشاء مصرفٍ للتجارة كالذي أُنشِئ في العراق بعد الغزو الأميركي


ــ إدارة العجز التجاري من خلال استخدام نفس الأدوات المذكورة أعلاه، وبصورة رئيسية عبر انخفاض قيمة الليرة، وتحديد الرسوم على السلع، بالإضافة إلى خطوط الائتمان التي تختلف أفضليتها مع الأهمية النسبية لكلّ سلعة مستوردة. وبهذه الطريقة، وبدلاً من التضييق العشوائي على استيراد كلّ السلع، كما هو الحال اليوم، يمكن التركيز على الحدّ من استيراد كميات كبيرة من السلع غير الضرورية، مع الحفاظ على التدفقات الضرورية للسلع الأساسية بمعدلات ملائمة طالما لم تتوفّر بدائل محلية.
ــ دعم الصناعات التصديرية والصناعات التي تُغني عن الاستيراد. ويتمّ ذلك من خلال توفير خطوط ائتمانية ورسوم معاملات تفضيلية، وحتى توفير اعتمادات بالدولار على سعر الصرف القديم. ويمكن مراجعة قيمة هذا الدعم بمرور الوقت مع تطوّر هذه الصناعات ونضوج إمكانياتها، ومع بزوغ صناعات محليّة واعدة مستقبلاً.
في ظروف طبيعية، لا أحبّذ السياسات المركزيّة في أيّ نشاط اقتصادي، أو تدخّل واسع للدولة فيه. لكن الظروف الحالية تعد استثنائيةً وتتطلّب أساليب غير عادية من أجل تخطّي هذه المرحلة. أمّا لاحقاً، ومع تعافي الاقتصاد، تقلّ الحاجة إلى مثل هذه الأساليب ويصبح بإمكاننا عندها العودة إلى الأساليب الأكثر تقليدية لإدارة الاقتصاد.

* زميل باحث في التمويل والمصارف - جامعة كلية دبلن