لو سلّمنا بأولوية التثبيت النقدي وصوابيّته، فقد اخترنا فيه المقاربة الأكثر تشدّداً، والتي جعلت الليرة اللبنانية مجرد أداة حسابية ثانوية في اقتصاد «مدولر». ولأنها تحولت على النحو المذكور إلى وحدة قياس لا إلى وسيط في المعاملات، صار الشغل الشاغل للمصرف المركزي جلب عملات صعبة بقيم موازية لما يخلقه من ليرات لبنانية.

وفي سياق ذلك نشأ ما يمكن تسميته بـ«الدولار اللبناني» غير المدعوم بما يكفي من السيولة بالعملة الأميركية. وتوازي قيمة «الدولارات اللبنانية» في سوقنا المالية، الفارق بين الودائع الإجمالية بالدولار، والمقدّرة بأكثر من 120 ملياراً، والقاعدة النقدية بالدولار أيضاً، والتي لا تزيد عن 40 مليار دولار وصولاً إلى 50 ملياراً في الحد الأقصى، إذا أخذنا في الاعتبار ودائع المصارف في الخارج.
ويعود تضخم كتلة الدولار الناشئة عن ذلك إلى سببين متضافرين:
ــ الأول: هو تكرار العملية القائمة على ضخّ كميات من النقد الوطني ثمّ استدعاء ما يقابلها من ودائع من الخارج بالعملات الأجنبية، وقد تضاعفت القيم الدفترية لهذه الودائع أثناء تنقلها بين المصارف أو بين هذه الأخيرة ومصرف لبنان، لقاءَ فوائد مرتفعة.
ــ الثاني: كثافة استعمالنا للعملة الخضراء في الداخل في عمليات الإيداع والإقراض والمعاملات مقارنة باستعمالاتنا للعملة الوطنية. وهذه الظاهرة الفريدة نسبياً مقارنة مع دول العالم الأخرى، جعلت المضاعف النقدي لكتلة الدولار أعلى من مثيله لكتلة الليرة (2.5 مقابل 1.35 تقريباً). بعبارة أخرى، إن الكتلة النقدية بالدولار التي تشمل كلًّا من الأوراق النقدية المتداولة والودائع بالدولار، تساوي مرتين ونصف مرة تقريباً القاعدة النقدية منه والتي تقتصر على النقد المتداول واحتياطاته في المصارف والمصرف المركزي.
المشكلة هي أن كتلة الدولار اللبناني، لا يمكن استخدامها إلا في الداخل وبين المصارف المُقيمة، ولا تُسوّى بها المعاملات مع الخارج، كما لا يمكن لمصرف لبنان معالجة مشكلة تآكل القاعدة النقدية الدولارية كما قد يفعله بخصوص الليرة اللبنانية.
وبناءً عليه، إن أولى خطوات الإصلاح النقدي يجب أن تبدأ بالتخلّص من مخاطر التضخّم الدفتري لكتلة الدولار، والعمل على أن تستعيد الليرة اللبنانية دورها بوصفها عملة تبادل إلزامية في الداخل وأداة تمويل للإنتاج والاستثمارات.
نعم يمكن جعل العملة الوطنية أداة التبادل الرئيسية، لأن ثلثي استهلاكنا للسلع والخدمات يعتمدان على الإنتاج المحلي، في وقت تجاوزت فيه الدولرة 70% من الاقتصاد. ويتوقّع أن تصل نسبة الاعتماد على الإنتاج المحلي في الاستهلاك إلى أكثر من 75% في غضون سنة، في ظل التراجع المتوقّع في الاستيراد بنسبة لا تقل عن 40%، والذي يعود إلى ظروف الانكماش الراهن وشحّ السيولة بالعملة الصعبة.

يمكننا استخدام الليرة في توسيع الاقتصاد عبر دعم إنتاج سلع وخدمات لا تستنزف عملات صعبة كالحبوب ومنتجات زراعية


يمكننا أيضاً استخدام الليرة اللبنانية في توسيع الاقتصاد وزيادة النمو عبر دعم إنتاج سلع وخدمات لا تستنزف عملات صعبة (كالحبوب وغيرها من المنتجات الزراعية، والمكوّن المحلّي من الاستثمارات الأساسية، وبعض مجالات اقتصاد المعرفة)، وهذا يقلّص استيرادنا منها أو يزيد تصديرنا لها. وفي الحالتين تتسع الكتلة النقدية بالليرة اللبنانية بمقدار الدعم، وترتفع احتياطياتنا بالعملات بمقدار ما نوفّره من واردات أو نزيده من صادرات.
ويتيح لنا ما تقدّم التخلّي عن التثبيت النقدي لليرة اللبنانية لمصلحة التثبيت الاقتصادي لها، ومن دون أن نضطر، كما فعلنا طوال سنوات لدعم سعر الصرف، إلى خلق غنى مفتعل عند المواطنين، أو زيادة مداخيلهم المحرّرة بالليرة، وهو ما حصل لأسباب لا علاقة لها بالكفاءة أو الإنتاجية، بل يُعزى فقط إلى الربط الاصطناعي والمكلف للعملة الوطنية بالعملة الأميركية.
وفي السياق نفسه يمكننا التفكير بوسيع النطاق الذي تتحرك فيه الليرة اللبنانية صعوداً وهبوطاً ضمن هوامش صلبة، من أجل إلغاء أثر التضخم الزائد في لبنان مقارنة بالدول الأخرى. وهذا ينقلنا من سياسة تثبيت سعر الصرف الاسمي Nominal exchange rate إلى تثبيت سعر الصرف الفعلي الحقيقي Effective real exchange rate.
لا بدّ أيضاً من إيجاد تسوية للفوائد الزائدة على الدولار الأميركي، والتي تراكمت طوال ربع قرن وفرضت أعباء على الحكومة والمصارف والمصرف المركزي. ومن الخيارات المتاحة في التسوية المذكورة، تحويل جزء من قيمة الفوائد الزائدة المتراكمة من الدولار إلى الليرة اللبنانية. ويمكن تعميم هذا الإجراء، بحيث تصبح الليرة هي العملة التي تُسدّد بها الفوائد على الودائع بالعملات الأجنبية، بالنسبة إلى المقيمين على الأراضي اللبنانية.