1- هناك الآن كاملُ اليقين بأن الدين العام في لبنان قد خرج عن السيطرة، ولا مفرّ من خفضه كنسبةٍ من الناتج المحلي الإجمالي وكمبلغٍ مطلق. لقد صار مستحيلاً وضع الدين العام على طريق مستدام من دون تعديل جذري في المقاربة المالية بالتوازي مع جهد ضريبي ضخم، قد لا يتحمَّله الواقع الاقتصادي، العليل أصلاً.

2 - لطالما شكّلت «إعادةُ هيكلة الدين العام» في معظم البلدان، النهجَ التقليدي لمعالجة عبء الديون المتراكمة عندما تتخطّى وطأتها طاقةَ الدولة على التسديد، وبالتالي باتت تستلزم إعادة الهيكلة عبر ثلاثة مسارات: أولاً إعادة الجدولة، أي تأجيل استحقاقات الأقساط؛ ثانياً خفض معدّلات الفوائد على الديون؛ وثالثاً، وهو التدبير الأشدّ تأثيراً، تقليص حجم رأس المال المُستَحَقّ. فمن الناحية القانونية، يُعتبر الدين مُتَعثّراً عند التخلُّف عن سداد رأس المال أو الفوائد بالتاريخ المحدّد في الشروط التعاقدية. وقد يؤدّي أي تخلُّف عن سداد دين معيَّن، أو تجاه دائنٍ معيَّن، إلى اعتبار جميع الديون مُتَخَلّفة وإن لم يكُن قد حانت تواريخ استحقاقاتها.

أركاديو اسكيفيل - كوستاريكا

3 - الدائن الرئيسي للدولة اللبنانية هو القطاع المصرفي، أي المصارف التجارية ومصرف لبنان. بمعنى آخر، إن إعادة هيكلة الدين العام ستؤثّر مباشرةً في ميزانيات المصارف من خلال شطب حقوق ملكية المساهمين، وإذا لم يكن ذلك كافياً، من خلال الاقتطاع (هيركَت) من بعض الودائع أو من جميعها.
4 - ستؤدي إعادة هيكلة الدين إلى تشويه صورة لبنان كدولة جديرة بالائتمان، دولة لم تنكث يوماً في الوفاء بالتزاماتها المالية، حتى في أحلك الأوقات من تاريخها. ومع إعادة الهيكلة، سيُخَفّض تلقائياً التصنيف الائتماني السيادي إلى أدنى درجة، وتُقوِّض قدرة لبنان على ولوج الأسواق المالية الدولية والمحلية إلّا بأكلاف باهظة تفوق طاقته على تحمُّلِها، وحتّى ذلك قد يغدو صعب المنال.
5 - هناك مسار ضريبي قد يُشكِّل حلّاً بديلاً من إعادة هيكلة الدين، ويُحَقِّق الهدفَ نفسه. فرسم السياسات المالية هو من القرارات السيادية للدول التي يمكنها تعديل أنظمتها الضريبية حين وحيث وكيفما ترتئي. لِذا لا يُمكِن اعتبار التغيير في السياسة الضريبية، وإن كان الهدف منه معالجة مشكلة الدين العام، على أنه تَعَثّر في التسديد. ويهدف الحل الضريبي البديل إلى إطفاء الدين المُقَوَّم بالعملة الأجنبية(*) والبالغ 31 مليار دولار، أو إطفاء الجزء الأكبر منه، عن طريق فرض ضريبة «تضامن وطني» تُجْبى لمرة واحدة، على شكل اقتطاع من الثروة. ولهذا الغرض، تُعَرَّف الثروة بشكلٍ حصري على أنها ودائع بالعملات الأجنبية في المصارف اللبنانية، ما يستثني جميع الأصول الأخرى. ولضمان العدالة بين المودعين الذين احتفظوا بأموالهم في المصارف اللبنانية وأولئك الذين حَوَّلوا ودائعَهم إلى الخارج – وخاصة ذوي العلاقة الذين سُمِحَ لهم بالتحويل – يمكن للإجراء الضريبي المقترح أن يشمل بمفعولٍ رجعي كلّ الودائع التي كانت موجودة في المصارف اللبنانية في تاريخ مُعَيَّن، كالأول من كانون الثاني 2019 على سبيل المثال. وفي حال وُضِعَت الضريبة على الثروة حَيِّز التنفيذ، فسيكون وقعها على المودعين موازياً لوقع «الهيركَت»، من دون أن يكون لبنان قد تخلّف عن سداد ديونه بالنقد الأجنبي، ومن دون خفض تصنيفه السيادي.
6 - من المنطقي الاعتراض على آلية مقاربة آفة الدين عبر الاقتطاع الضريبي من الثروة المتمثِّلة بالودائع. هذا الأمر سوف يُعفي المساهمين في المصارف (أي مالكيها) من أي كلفة ومسؤولية، في حين أن أسهمهم، أي رأسمال المصرف، على العكس من ذلك، وُجِد أصلاً لتَحَمُّل الخسارة الأولى التي قد تلحق بالمصرف نتيجة تعثّر محفظة الديون وجرّاء أي برنامج لتسويتها. والرد هو أنه بالنظر إلى الوضع الهَشّ الذي آلت إليه المصارف اللبنانية، فإن الحل عبر الضريبة قد يُجَنِّب المصارف في الوقت الحالي فقدان المزيد من رأس المال الذي بات شحيحاً عند قياسه بقاعدة الأصول المتبخِّرة. وعلى كُلِّ حال، هذا الأمر لا يحول دون اللجوء إلى تدابير للاسترداد يتم تطبيقها لاحقاً على المساهمين.
تطبيق ضريبة بنسبة 20% على أكبر الحسابات التي تحوز 80 مليار دولار وتَخُصّ 1% من المودعين يحقّق للخزينة 16 مليار دولار


7 - يمكن تصوُّر عدد من السيناريوهات التي تأخذ في الاعتبار توزيع وحجم وتمركز الحسابات المصرفية. فإذا تم فرض ضريبة الثروة على جميع الودائع بالعملات الأجنبية البالغة 120 مليار دولار، فستكون عائدات الخزينة كالتالي: ١٢ مليار دولار لمعدّل ضريبة بنسبة 10%، أو 24 مليار دولار لمعدّل ضريبة 20%، أو30 مليار دولار لمعدّل ضريبة 25%.
8 - وليكون التدبير الضريبي منصفاً ومقبولاً اجتماعياً، يجب أن يستهدف حسابات كبار المودعين، أي الأكثر ثراءً. وهنا أيضاً، يمكن تَصَوّر سيناريوهات مختلفة. فعلى سبيل المثال، إن تطبيق معدل ضريبة بنسبة 20% أو 25% أو 30% على أكبر الحسابات التي تساوي نحو 80 مليار دولار والتي لا تَخُصّ سوى 1% من مجموع المودعين، سيحقق عائدات للخزينة تساوي على التوالي: 16 مليار دولار، أو 20 مليار دولار، أو 24 مليار دولار. ويمكن إجراء التحليل نفسه عند تطبيق معدّلات ضريبية مختلفة على أكبر 10% أو 20% أو 30% من الحسابات.
9 - من المهم ألّا يُنْظَر إلى ضريبة التضامن الوطني المقترحة على أنها أداة انتقام من الأثرياء. استعداء الأثرياء واستهدافهم، ينطويان على كلفة اقتصادية على المدى الطويل تدفع بالمستثمرين وروّاد الأعمال ومَن يَخْلق الثروةَ وفرصَ العمل خارج الاقتصاد الوطني. ومن المفيد تقييم الكلفة الحقيقية على من ستنالهم الضريبة المقترحة من خلال قياس صافي الأرباح على الودائع المصرفية في لبنان ما بعد ضريبة الثروة وذلك على مدى فترات إيداعها في لبنان مقارنةً بمعايير مرجعية مثل: العائد على سندات الخزانة الأميركية لآجالٍ مماثلة؛ أو العوائد التي كان سيُجبيها المودعون في الأسواق الخارجية، حيث معدّلات الفائدة أدنى بشكل ملحوظ مما هي عليه في لبنان. وقد تُظهر المقارنة أن الاقتطاع الفعلي الذي لحِق بالمودعين الأثرياء هو من دون الاقتطاع الظاهر بسبب العوائد المغرية التي حققوها على ودائعهم في المصارف اللبنانية.

(*) يجب أن تُقارَب مشكلة الدين المُقوَّم بالليرة اللبنانية على حِدة، حيث إنه، على أهميته، يتطَلَّب المعالجة بعد الدين الخارجي، خاصة في سياق انخفاض قيمة العملة الوطنية.