على الطريق، حيث تنتشر اللوحات الإعلانية بكثافة وبشاعة وتسلّط، سنصادف حملتين متزامنتين. الأولى أطلقتها وزارة العمل للإعلان عمّا تسمّيه «خطّة لمكافحة العمالة الأجنبية غير الشرعية على الأراضي اللبنانية». والحملة الثانية أطلقتها نقابة المستشفيات في لبنان للمطالبة بمستحقّاتها المُتراكمة على الدولة والمؤسّسات الضامنة والمُقدّرة بأكثر من مليار دولار.

تجري الحملة الأولى تحت شعار «ما بِحَرّك شغلك غير ابن بلدك»، على غرار المثل الشائع «ما بحكّ جلدك غير ظفرك». في حين ترفع الحملة الثانية شعار «حالتنا حرجة»، وتحذّر من «التقشّف» وتدقّ ناقوس الخطر الذي يهدِّد بإفلاس المؤسّسات إذا بقيت الدولة متوقّفة عن الدفع.
على الرغم من أن هاتين الحملتين غير مترابطتين، بمعنى أنهما تصدران عن جهتين مختلفتين، لكلّ منهما مآربها الخاصّة، إلّا أن تزامنهما يأتي تعبيراً عن تطوّر جديد في «الأزمة» التي يواجهها المجتمع اللبناني، يعبّر عنه مضمون كلّ حملة ووسائلها. فنحن اليوم تحت تأثير خطاب «شعبوي» شديد الوطأة، يخبرنا أن «حالتنا حرجة»، ولكن السبب لا يكمن في بنية النموذج الاقتصادي ونظامه السياسي ــــ الاجتماعي ولا في السياسات والمؤسّسات وآليات إعادة التوزيع ولا في طبيعة رأس المال المتدفّق من الخارج، بل يكمن في وجود عدد كبير من «اللاجئين/ العمّال الأجانب»، الذين ينافسوننا على «الكعكة» الصغيرة ويرتّبون علينا كلفة باهظة تجعل الدولة عاجزة عن الوفاء بالتزاماتها، ومنها على سبيل المثال تسديد مستحقّات المستشفيات وصندوق الضمان الاجتماعي والاستملاكات والمتعهّدين والمورِّدين وغيرهم، فضلاً عن عجزها عن الالتزام بتأمين البنية التحتية والخدمات الأساسية والحمايات الاجتماعية ودعم النشاطات الاقتصادية.
ليس صدفة أبداً أن تنطلق هاتان الحملتان بعد إقرار مشروع قانون الموازنة في مجلس الوزراء وانتقال المساومات إلى مجلس النواب. إذ يمكن بسهولة ملاحظة أن حملَتَيْ وزارة العمل ونقابة المستشفيات هما بمثابة حلقتين من حلقات عديدة ظهرت كتعبير عن فشل القوى السياسية في السلطة في التوفيق بين المصالح التي تمثّلها، ولا سيّما بين المصالح المالية والمصالح الاجتماعية، وكذلك تعبيراً عن الفشل في التوافق على برنامج مشترك لإدارة الأزمة، يقوم على تقليص القطاع العام وتخفيض الإنفاق العام، ولا سيّما الأجور ومعاشات التقاعد وتعويضات نهاية الخدمة والمنافع الاجتماعية وشبكات الزبائنية، كثمن لإنقاذ المصارف وضمان سلامة النظام المصرفي واستقراره وأرباحه. فبرنامج التقشّف الذي تمّ طرحه في اجتماع «باريس 4»، وفشل مجلس الوزراء في ترجمته في مشروع الموازنة، جرى تقديمه منذ البداية كشرط إلزامي للحصول على المزيد من التدفّقات المالية الخارجية، ولا سيّما بصورة قروض وودائع وتحويلات من غير المقيمين، باعتبارها المصل الذي يعيش عليه هذا النموذج من الاقتصاد الهشّ، الذي يشكو منه الجميع ويخشون انهياره بين لحظة وأخرى، ولكنّه المصل الذي سمح حتّى الآن بمواصلة تشغيل آليات إعادة التوزيع الضخمة، القائمة على زيادة المديونية العامّة والخاصّة لزيادة الودائع وتمويل الاستيراد والاستهلاك، وهذا يعني أن الحفاظ على هذا النموذج التمويلي يفرض علينا القبول بزيادة مطردة في الحصّة المقتطعة من الدخل المُتاح في الاقتصاد المحلّي، من فئات الدخل الأدنى (أي «الشعب» في الخطاب الشعبوي الرائج) إلى فئات الدخل الأعلى (أي النخب الاقتصادية والسياسية التي تعاني من الأنانية وقلّة الكفاءة والوطنية والحسّ السليم وفق الخطاب نفسه).
بمعنى ما، وربّما من دون سابق تصوّر وتصميم، تتزامن هاتان الحملتان للمساهمة في بثّ رسالة ضمنية توجّه تفكيرنا إلى الربط بين مسبِّب للأزمة هو «اللاجئون»، ونتيجة للأزمة هي «العجز المالي». وبالتالي يطرح علينا «الخطاب الشعبوي» حلّاً سهلاً وبسيطاً: بما أن «التقشّف» سيئ ولكن لا بدّ منه، علينا أن نتجنّد جميعنا للاقتصاص من اللاجئين، كوسيلة للتخفيف من وطأة هذا «التقشّف» الإجباري. إذ ليس هناك أسهل وأبسط من تجنيد «الشعب» ضدّ «المتطفِّل الأجنبي»، الذي يعكّر صفو عيشه وأمنه ويقضم من قدرته الشرائية وأجوره ويحرمه من فرص العمل والرفاهية.
لذلك، وبلغة حاسمة وجازمة، تمنح خطّة وزارة العمل «مهلة شهر واحد للعمّال الأجانب المخالفين من أجل تسوية أوضاعهم وفق القوانين والأنظمة»، وإلّا ستتحرّك «الوزارات والبلديات والقضاء وأجهزة الأمن والتفتيش» لمكافحتهم وقمع مخالفاتهم وتدفيعهم رسوماً وغرامات مضاعفة نصّ عليها مشروع قانون موازنة عام 2019. في حين تُهدّد نقابة المستشفيات بانهيار النظام الصحّي والتوقّف عن العمل، لأن الدولة هي الزبون الأكبر والأهمّ والأكثر سخاءً لدى المستشفيات الخاصّة، فإذا لم تدفع ستقع الكارثة. وهكذا، ينتقل الخطاب الشعبوي إلى مستوى جديد من «التجييش» عبر تحميل «اللاجئين»، ليس مسؤولية الأزمة الراهنة فقط وتدهور مستوى المعيشة، بل مسؤولية ما سيترتّب في المستقبل القريب على صعيد أزمة ميزان المدفوعات المتنامية، أي أزمة سعر صرف الليرة الثابت الناجمة عن استنزاف الاحتياطات بالعملات الصعبة المستمرّ منذ عام 2011، في ظلّ خروج مستمرّ ومتواصل للرساميل والتحويلات من لبنان بكمّيات أكبر بكثير من الكمّيات الداخلة إليه.
هل هي مسؤولية اللاجئين حقّاً؟ سيكون من السذاجة إنكار أي تأثير سلبي لتدفّق اللاجئين السوريين إلى لبنان بأعداد كبيرة، ولكن سيكون من السذاجة أكثر اعتبار أنّهم مسؤولون عن أزمة تمويل النموذج الاقتصادي في لبنان، المُدمن تاريخياً على التدفّقات الخارجية كمصدر رئيس للعملات الصعبة، التي يحتاج إلى كمّية كبيرة منها كلّ سنة لتسديد فاتورة استيراد السلع والخدمات من الخارج وتسديد الفوائد على سندات الدَّيْن بالعملات الأجنبية وودائع غير المقيمين وتغطية تحويلات المستثمرين والمضاربين والعمّال المهاجرين من لبنان إلى الخارج. فإذا كان هناك شبه إجماع بين السياسيين والاقتصاديين والمصرفيين تحديداً، على أن استنزاف صافي الموجودات الأجنبية هو مصدر الخطر الأكبر على سعر صرف الليرة، وهو الذي يهدِّد قدرة الدولة والاقتصاد على مواصلة الوفاء بالالتزامات تجاه الخارج والداخل، ويعرقل نموذج دعم تمويل الاستهلاك كمحرّك شبه وحيد لنموّ الاقتصاد وتكبير «الكعكة» وتأمين الإيرادات للخزينة العامّة كي تسدِّد الفوائد للدائنين والمودعين وتنفق على «الشعب»... إذا كان هذا هو التشخيص، فكيف يكون «اللاجئون» هم السبب؟ هناك ما يكفي من وقائع ومعطيات تفيد بأن الأوضاع (ربّما) ستكون أسوأ لولا أن اللاجئين السوريين لم يساهموا في السنوات الثماني الماضية في تعويض قسم مهمّ من الطلب الاستهلاكي في الأسواق المحلّية، نتيجة انخفاض دراماتيكي في الطلب الخارجي على السياحة والخدمات والمضاربات العقارية والمالية. لقد رافق تدفّقَ اللاجئين السوريين تدفّقٌ موازٍ للمساعدات الخارجية التي لولاها لكان العجز في ميزان المدفوعات أعلى بكثير مما سجّله حتّى الآن، ولا يهمّ هنا الحديث عن مصير هذه المساعدات طالما أنّها في النهاية تمرّ عبر شرايين المصارف، وطالما أن النموذج الاقتصادي لا يعير أصلاً أي أهمّية لعملية إعادة التوزيع العادلة.
طبعاً، تمثّل مثل هذه الوقائع والمعطيات تهديداً للخطاب الشعبوي الرائج، بما هو خطاب تعبوي «ضدّ المعاناة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية»، يسعى إلى توحيد «الشعب»، كبنية اجتماعية متراصّة لا يخترقها أي انقسام طبقي، هدفها الأسمى هو تحقيق «المصلحة الوطنية». للأسف، يجمع هذا الخطاب في لبنان، كما في كلّ مكان في العالم اليوم، تيّارات يمينية ويسارية وتتبنّاه منظّمات نقابية عمّالية وأحزاب طائفية، ويشترك الجميع في الدعوة إلى تنفيذ سياسة اقتصادية واجتماعية، تخفي المشروع الحقيقي الرامي إلى التملّص من مسؤوليّة الأزمة البنيوية المُتراكمة وفشل النظام السياسي في التعامل معها وتوزيع خسائرها.