وافقت الحكومة على إضافة بند إلى مشروع قانون الموازنة يقضي بفرض رسم بنسبة 2% على جميع السلع المستوردة باستثناء الأدوية والسيّارات الكهربائية والهجينة والمواد الأولية والآلات المستخدمة في الإنتاج. يتمّ تسويق هذا الإجراء على أنه لحماية الإنتاج المحلّي. لذلك مرّ أمام الرأي العام بسلاسة، من دون أن يثير الكثير من الحساسيّات كالعادة، على الرغم من أنه عملياً ضريبة غير مباشرة على استهلاك الأسر، ويصيب الفئات محدودة الدخل تحديداً، التي تعهّدت معظم القوى بعدم المسّ بجيوبها.

تتوقّع الحكومة أن يدرّ هذا الرسم إيرادات إضافية للخزينة بقيمة 400 مليون دولار (200 مليون دولار في الفترة المتبقية من هذا العام)، إلّا أن هناك شكوكاً جدّية بأن يحقّق الحماية المزعومة للإنتاج المحلّي. أوّلاً، لأن المعدّل (2%) متدنٍ، ويطال جميع السلع الاستهلاكية على حدّ سواء، لا السلع المُنتجة محلياً أو القابلة للإنتاج المحلّي. وثانياً، لأن هذا الإجراء لم يترافق مع خطّة أو برنامج لتوسيع قاعدة الإنتاج المحلّي وتعزيز الاستثمارات في القطاعات الإنتاجية، إذ كان لافتاً أن تشطب الحكومة في مشروعها الأخير للموازنة الفقرة التي وردت عند طرح هذا الإجراء، والتي تنصّ على تخصيص 35% من إيرادات هذا الرسم لدعم الإنتاج المحلّي اعتباراً من العام المقبل.


في حال تمّ تطبيق هذا الرسم في ظلّ تراجع الاستثمارات في القطاعات الإنتاجية محلّياً، كما هو الحال الآن، فسيؤدّي ذلك إلى ارتفاع شامل في أسعار السوق، وبالتالي رفع كلفة المعيشة على محدودي الدخل وصولاً إلى رفع كلفة الإنتاج نفسها، خصوصاً أن هذا الرسم يشمل المشتقّات النفطية وغيرها من السلع التي تدخل ضمن كلفة الإنتاج. وهو ما يعني فعلياً أن الرسم، كما هو مطروح الآن، سيضرّ في قدرة الإنتاج المحلّي على المنافسة في الخارج لا العكس.
ويمكن بسهولة التنبؤ بهذه النتيجة، خصوصاً أن الرسم لا يميّز بين القطاعات التي تملك قاعدة نشاط إنتاجي واسع قابل للدعم عبر الرسم، وتلك التي لا تتمتّع بهذا النوع من الإنتاجية (للشروع أوّلاً بدعم الاستثمار فيها قبل فرض أيّ رسم حمائي). كما أن «الموازنة الأكثر تقشّفاً في تاريخ لبنان» لا تدع مجالاً للشكّ بعدم وجود نيّة الإنفاق في أيّ مجال في سبيل دعم الاستثمارات في القطاعات الإنتاجية.
ولقياس مدى تراجع حجم الاستثمارات في القطاعات الإنتاجية المحلّية مؤخّراً، وبالتالي عدم فعالية الرسم في تحقيق الغاية الحمائية المُعلَنة، يمكن العودة إلى مؤشّر إجمالي تكوين رأس المال الثابت للقطاع الخاص. يقيس هذا المؤشّر رأس المال الذي يتمّ توظيفه تحديداً على شكل وسائل إنتاج، مثل المنشآت والآلات والتجهيزات وغيرها، ويستثني العقارات والودائع من الأصول التي تدخل في احتساب النتيجة. علماً بأن النتيجة النهائية للمؤشر تحتسب صافي الاستثمارات بعد حسم قيمة الأصول التي خرجت من الخدمة - بفعل الاهتلاك على سبيل المثال - من قيمة الأصول المُضافة حديثاً.
وفق تقديرات إدارة الإحصاء المركزي، تراجعت قيمة إجمالي تكوين رأس المال الثابت للقطاع الخاص في لبنان بنسبة 19% خلال أربع سنوات، من 11.73 مليار دولار إلى 9.55 مليار دولار بين عامي 2013 و2017. يمكن تفسير هذا التراجع من خلال عوامل عدّة مرتبطة بطبيعة الأزمة الموجودة اليوم، وأهمّها ارتفاع فوائد الودائع والقروض على حدّ سواء، ما يؤدّي إلى رفع كلفة التمويل من خلال القروض من جهة، وامتصاص رؤوس الأموال في الودائع ذات الفوائد المرتفعة من جهة أخرى. كذلك أثّرت تداعيات أخرى للأزمة مثل تقليص القروض المدعومة التي كانت تستفيد منها القطاعات الإنتاجية في السابق، وتراجع النشاط التجاري بشكل عام في الأسواق.
بمعزل عن هذا التراجع القاسي خلال الأعوام الأربعة الماضية، لطالما كان انحدار النشاط الإنتاجي الزراعي والصناعة أحد سمات اقتصاد ما بعد الحرب في لبنان، في ظلّ السياسات الرسمية التي قامت على تشجيع القطاعات الريعية وتحفيز ربحيّتها على حساب القطاعات الإنتاجية، وفي ظلّ غياب أيّ جهد رسمي لخلق بيئة قادرة على تنشيط الاستثمارات في هذه القطاعات. وهذا ما أدّى إلى تراجع نسبة العاملين في قطاعَي الصناعة والزراعة من إجمالي العمّال اللبنانيين من 38% قبل الحرب الأهلية إلى 18% في عام 2009، وفق مسحَين لإدارة الإحصاء المركزي.
لا تهدف كلّ هذه المعطيات إلى التنكّر لدور السياسات الضريبية في حماية قطاعات اقتصادية مُحدّدة، وفق خطط مدروسة وقابلة لتحقيق منفعة حقيقيّة لهذه القطاعات. لكنّ الأكيد اليوم أن فرض رسم جمركي شامل على البضائع المستوردة، من دون التمييز بين القطاعات الإنتاجية المختلفة لناحية درجة توسّع قاعدتها الإنتاجية، ومن دون موازاة ذلك بدعم فعلي للنشاط الاستثماري في هذه القطاعات، لن يكون سوى إعادة فرض للضريبة على القيمة المضافة بشكل مُقنّع، وهو ما سيدفع كلفته لاحقاً محدودو الدخل والمؤسّسات المُنتجة على حدّ سواء.