يجدر رصد التطوّرات المحلّية من الآن وصاعداً، لأنها ستحمل معها الكثير من نتائج المساومات الجارية على جبهة توزيع خسائر الأزمة القائمة في لبنان، والتي يجري حصرها شيئاً فشيئاً في وصفة تقشّفية غير عادلة، ترمي إلى تقليص حجم الدولة وإنفاقها العام، وتحييد مكاسب الدائنين والمودعين. فما توحي به التصريحات الأخيرة، ولا سيّما التي أطلقها حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، ووزير المال علي حسن خليل، أن لحظة الحسم اقتربت كثيراً، وأن قوى الضغط المُسيطرة على وشك إعلان انتصارها مجدّداً، وقد تنجح مرّة أخرى في نقل أزمتها إلى الفئات المتوسّطة والمتدنية الدخل، عبر خفض القدرة الشرائية للأجور ومعاشات التقاعد، وإلغاء الدعم للكهرباء، ورفع أسعار الخدمات العامّة بتلزيمها للقطاع الخاص، ورفع الرسوم الجمركية للحدّ من الاستيراد، ورفع أسعار الفائدة للاحتفاظ بما أمكن من دولارات.

لنستعد (مثلاً) تصريحات سلامة وخليل الأخيرة، ولنمعن قليلاً في تسلسلها وظروفها وسياقها وأهدافها:
يوم الخميس، في 21 آذار/ مارس الماضي، عند التاسعة من قبل الظهر، كان سلامة يشارك في الجلسة الافتتاحية لمؤتمر «حوكمة القطاع العام في لبنان»، الذي نظّمه المعهد المالي في وزارة المال في المعهد العالي للأعمال (ESA). استغلّ حاكم مصرف لبنان هذه المناسبة ليقول كلاماً مهمّاً ويوجّه رسالة إلى من يعنيهم الأمر، وأراد بذلك أن يتوّج سلسلة اتصالاته بالمسؤولين الآخرين في الدولة، ولا سيّما رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الوزراء ووزير المال، التي أبلغهم فيها أن الأزمة بلغت مرحلة حرجة، وأن موعد التحرّك هو الآن قبل فوات الأوان، إذ إن المؤشّرات تفيد بأن ميزان المدفوعات سجّل عجزاً قياسياً جديداً في الشهرين الأولين من هذا العام، ما يعني ارتفاع مستوى النزف في صافي الموجودات الخارجية للنظام المصرفي. بالتزامن مع انخفاض الودائع وصافي التحويلات وارتفاع في «الدولرة» والطلب على الدولار.
إلّا أن المؤتمر المذكور لم يحظَ بأي تغطية إعلامية، ولم يصدر عن المنظّمين أي بيان يلخّص ما دار فيه. وفي اليوم التالي، لم يظهر أي خبر في الصحف عنه. انتظر سلامة حتى الساعة الثالثة والنصف من بعد ظهر يوم الجمعة، أي بعد 30 ساعة على مداخلته في هذا المؤتمر، ليقوم حساب مصرف لبنان الرسمي على «تويتر» بنشر 10 تغريدات مُتتالية، على مدى ساعة من الوقت، تتضمّن ما كان يريد سلامة من الإعلام أن ينشره ويتداوله.
باختصار، وبعبارات بسيطة ومباشرة، أقرّ سلامة علانية بوجود خطر داهم يهدّد «الاستقرار»، ولكنّه نأى بنفسه عن أي مسؤولية، ورماها كلّها على من وصفهم بـ«قياديي البلد»، فرأى أن البنك المركزي «يقوم بجميع واجباته للحفاظ على هذا الاستقرار»، ولكن «سوء الإدارة هو الذي يسهم في عجز الموازنة والتضخّم ويهدّد استقرار البلد والقدرة الشرائية للمواطن»، وهذا، برأيه، ما يثير مخاوف المؤسّسات ووكالات التصنيف «التي أصبحت نظرتها إلى لبنان سلبية». واتهم سلامة الحكومة بالتقصير، فهي «بعد شهرين من تشكيلها، لم تبحث في برامج إصلاحية تضع لبنان على مسار إصلاحي، مع أن الأسواق تترقّب ذلك»، وهذا، برأيه أيضاً، ما أثار «ردود فعل سلبية تجسّدت بارتفاع الفوائد»! وفي هذا السياق، اختزل سلامة مصادر الخطر كلّها بوجود «قطاع عام كبير قياساً إلى حجم لبنان»، مشيراً إلى أن القطاع العام «بات يستأثر اليوم بـ35% من مجمل الناتج المحلّي، بعدما كان يشكّل قبل الحرب 17% فقط». ليخلص إلى تزكية وصفة التقشّف المطروحة، أي العلاج بتقليص حجم القطاع العام وخفض عجز الموازنة، من دون الاضطرار إلى تغيير أو إصلاح أي شيء آخر، ولا سيّما النظام الضريبي ومعدّلات الضريبة على الأرباح والريوع، والنظام النقدي وأسعار الفائدة وحوافز التعامل بالعملتين.
لا غرابة في أن يخلط حاكم مصرف لبنان، عن سابق معرفة، بين مساهمة القطاع العام في الناتج المحلّي، وهي متدنية، وبين حجم الإنفاق العام قياساً إلى الناتج المحلّي، وهو مرتفع، ولكن ثلثه على الأقل مدفوعات فائدة على سندات الدَّين والباقي يذهب كاستهلاك ودعم للقطاع الخاص، أي النموّ... ويجدر الانتباه إلى أن سلامة هوّل بارتفاع الإنفاق العام إلى نحو 35% من الناتج، إلا أنه تجاهل كلّياً أن ميزانية مصرف لبنان تجاوزت 100% من هذا الناتج اعتباراً من عام 2003، وتضخّمت كثيراً لتبلغ أكثر من 250% من الناتج في نهاية شباط/ فبراير الماضي. وزعم أن مخاوف المؤسّسات الدولية تنحصر بالعجز المالي، في حين أن تقارير هذه المؤسّسات وغيرها تعبّر عن مخاوف على النظام النقدي، وهي لا تطرح وصفة التقشّف في الإنفاق العام بوصفه هو المشكلة، بل بوصفه الأداة لحماية هذا النظام.
على الرغم من ذلك، وفي اليوم نفسه الذي نُشرت فيه هذه التغريدات، أي في 22 آذار/ مارس، أصدر وزير المال علي حسن خليل قراراً فردياً مفاجئاً، سُرِّب فوراً إلى الإعلام، يطلب فيه من مديرية الموازنة ومراقبة النفقات في الوزارة «تبليغ جميع مراقبي عقد النفقات ضرورة وقف الحجز كلّياً لمختلف أنواع الإنفاق باستثناء الرواتب والأجور وتعويض النقل المؤقّت، وذلك اعتباراً من تاريخه ولحين إبلاغهم تعليمات أخرى»، وأوحى خليل بقراره أن رسالة سلامة وصلته، وأن ردّه عليها هو النأي بالنفس أيضاً وأيضاً، ورمي المسؤولية على الوزراء الآخرين النهمين، الذين يريدون إنفاق المزيد من المال العام ويمنعوه من إنجاز موازنة تقشّفية.
طبعاً، نفى خليل وجود أي رابط بين قراره وكلام سلامة، ونفى أيضاً وجود شحّ في تمويل الخزينة أو نقص في سيولتها، ولكنه برّر خطوته بأنها تهدف إلى الضغط من أجل «وضع موازنة لعام 2019 تنطوي على خفض حقيقي للعجز». وقال: «إذا تركنا الوزارات والإدارات والمؤسّسات العامّة المختلفة تواصل حجز نفقاتها (وفق القانون الذي أجاز للحكومة مواصلة الإنفاق على أساس اعتمادات العام الماضي)، فلن يعود ممكناً خفض الإنفاق لهذا العام، لأنها ستكون قد حجزت أموالها وعقدت نفقتها وأصبحنا ملزمين بها»، لذلك قرّر خليل «تجميد كل عقود الإنفاق، ريثما يُتَّفَق على الأرقام في الموازنة».
إلّا أن خليل كان واضحاً وصريحاً في المؤتمر الصحافي الذي عقده في يوم 23 آذار/ مارس، عندما شرح أن الهدف الأساس من خطوته هو ضبط السيولة في السوق، أي استخدام أدوات السياسة المالية في خدمة السياسة النقدية والخضوع التام لمتطلّبات حماية النظام النقدي القائم أوّلاً، كما هو بأطرافه ومصالحه ونتائجه. قال خليل في هذا السياق إنه عقد اجتماعاً مع سلامة قبل يومين (أي في 21 آذار/ مارس)، واتفقا على آليات محدّدة، إذ «تقع على مسؤوليتنا عدم ضخّ أموال في السوق، لتفادي المزيد من التضخّم من جهة والمزيد من الضغط على الدولار من جهة ثانية. هذا الأمر تفاهمت عليه مع الحاكم، ولا مشكلة فيه على الإطلاق».
يردّد سلامة في اتصالاته أن كل ليرة تُضخّ في السوق ترتدّ عليه طلباً للدولار، وبالتالي يقترح الوصفة الآتية: بما أنه لا يمكن دعوة الجميع إلى خفض الإنفاق والاستهلاك، وبالتالي تخفيف الاستيراد وتقليص الموجودات المصرفية وخفض كتلة الفوائد المدفوعة على الودائع والديون القديمة والجديدة... يصبح ضرورياً خفض الإنفاق العام على الأجور ومعاشات التقاعد والدعم الاجتماعي ودعم أسعار الخدمات العامّة وتجيير الاستثمارات العامّة للقطاع الخاص... وذلك بهدف خفض القدرة الشرائية لفئات اجتماعية واسعة وشراء المزيد من الوقت على حساب مستوى معيشتها.
هذا ما يحصل الآن، وهذا ما تدور عليه المساومات وتتركّز عليه الضغوط، وسنشهد المزيد من الجولات على غرار جولة سلامة ــ خليل الأخيرة.