ما يجب توضيحه أوّلاً، أن الدولة اللبنانية، منذ عام 1980 حتّى الآن، لا تملك أي حسابات مالية صحيحة، أو بالأحرى لا يوجد لديها حسابات نهائية مُدقَّقة، ومُصدَّق عليها وفق الأصول الدستورية والقانونية، ومستوفية للشروط النظامية الشكلية المفروضة مُسبقاً لإبراء ذمّة أعضاء الهيئات التنفيذية والتشريعية والقضائية والموظّفين العامين والمستفيدين من الإنفاق العام والمكلّفين الضرائب.

بمعنى أكثر وضوحاً، وبعيداً من المُبرِّرات التي يردِّدها المسؤولون، وأياً كانت مصادر الشرعية التي يستمدّونها، فإن كلّ إنفاق وكلّ جباية لأموال عامّة، على مدى 40 سنة ماضية، لم يقابلهما حتّى الآن أي «براءة ذمّة» تعفي مَن أنفق ومَن جبى ومَن انتفع ومَن اختلس مِن المسؤولية الجزائية أو المساءلة القضائية عن المخالفات والتجاوزات والجرائم المُرتكبة.
ما يدور الحديث عنه اليوم هو إعطاء «براءة الذمّة» عن كلّ الحقبة الماضية، وليس فقط فترة من فتراتها. وهذا الحديث يربِك الجميع في السلطة والإدارة والقضاء. فبعد تعطيل مُمَنهج طوال 25 سنة مضت، والتقاعس المقصود عن إجراء الرقابة المُسبقة واللاحقة على إنفاق المال العام وجبايته، تمكّنت المديرية العامّة للمالية العامّة في وزارة المال من إنجاز ما كان يُقال إن هناك استحالة في إنجازه، ونجحت بعد جهدٍ جهيد، بإعادة تكوين جميع الحسابات المالية النهائية للدولة للفترة بين عامي 1997 و2017، وتمكّنت من تحديد «ميزان الدخول» لعام 1993، بما يسمح بإعادة التدقيق في حسابات الفترة بين عامي 1993 و1996 التي أعيد تكوينها جزئياً بسبب فقدان مستندات كثيرة وضياع حسابات جمّة.
لقد أُسقِطَت الحجج السابقة، وبالتالي تجد القوى المُسيطرة على الدولة نفسها مضطرة إلى نسج «تسوية» أو إبرام «صفقة» ليست جاهزة لها، أو تجدها مُحرجة في هذا الوقت، ولا سيّما، لمن يزعم أن لديه النيّة للمحاسبة والمساءلة والتصدّي للفساد المستشري.
توجد قناعة لدى جميع هذه القوى بأنها محكومة بميزان دقيق، يتّسم بمخاطر كبيرة في حال الإخلال به. فأي محاولة لتعديل هذا الميزان عبر فتح «محاكمات» الماضي، سيجرّ فوراً إلى اتهامات بالكيدية واستنفار الدفاعات الطائفية والحمايات الخارجية. وهذا ليس مستغرباً أبداً، إذ كيف يمكن هذا الشكلَ ممّا يسمّى «الديموقراطية التوافقية» أو «نظام المحاصصة» أو «نظام الحرب» الذي تأسّس عليه نظام الطائف، أن يسمح بمحاكمة أطراف رئيسة فيه أو تحميلها مسؤولية مباشرة عن نهب المال العام وهدر حقوق الدولة؟ مَن يُقدِّم مَن إلى المحاكمة في ظل نظام يقوم على تقاسم الريوع والأرباح بين الأثرياء والمجموعات القادرة على استخدام العنف أو التهديد به للمحافظة على مصالحها؟ من الذي سيقبل بدور المُتّهم؟ ومن الذي بمقدوره أن يؤدي دور القاضي؟
في الأيام القليلة الماضية، عادت مسألة الحسابات النهائية إلى الواجهة، وظهرت ملامح ضغوط لتحريك هذه المسألة ووضعها على جدول الأعمال، بعدما ظهر التردّد الواضح في كيفية التعامل مع واقع مستجدّ. فعند إقرار قانون الموازنة لعام 2017، بعد 12 سنة من إنفاق المال العام وجبايته من دون أي قانون للموازنة العامّة السنوية، اضطرت هذه القوى إلى تقديم التزام قانوني بإنهاء مسألة الحسابات العالقة منذ عام 1993، وأعطيت مهلة سنة للقيام بهذه المهمّة، انتهت في تشرين الأوّل/ أكتوبر الماضي. وقد سبق ذلك مطالعتين للمجلس الدستوري توضحان أن كل الاجتهادات المُعتمدة لتبرير الإبقاء على «الفوضى المالية» ليست دستورية، بما في ذلك التذرّع بما يسمّى «القاعدة الاثنتي عشرية» التي لا يجيزها الدستور إلّا لشهر واحد هو كانون الثاني/ يناير الذي يلي انتهاء صلاحية آخر قانون للموازنة العامّة.
راهن البعض على فشل الإدارة المُكلّفة مهمّة إعادة تكوين حسابات الدولة، وراهن البعض الآخر على الوقت لإيجاد مخرجٍ إذا ما صار للدولة حسابات واضحة وصحيحة، أمّا البعض الثالث، فراهن على إشهار هذا «السيف» لدفع الخصوم إلى التنازل وانتزاع المكاسب منهم. في الحصيلة، فاجأت المديرية العامّة للمالية العامّة الجميع بإنجاز مهمّتها وظهر «السيف» خارج غمده للمرّة الأولى، ولم تعد الطريقة التي اعتُمدت سابقاً لتفادي هذا الاستحقاق وتأجيله صالحة، فإمّا يصدر قانون «العفو عمّا مضى» ويجري تصفير الحسابات من جديد، وإمّا تحال الحسابات المُعاد تكوينها على ديوان المحاسبة للتدقيق فيها وإجراء الرقابة اللاحقة عليها، ومن ثمّ عرضها على مجلس النواب لإجراء الرقابة السياسية، مع ما يعنيه ذلك من إعادة طرح «قطع حساب» كل سنة والتصديق عليه ومنح براءة الذمّة مجدّداً، بما في ذلك عن السنوات التي سبق للمجلس النيابي أن صدّق على «قطع الحساب» العائد لكلّ منها، والتي تضمّنت نصوصاً قانونية تقضي باعتبارها «حسابات غير نهائية»، بانتظار إنجاز الحسابات الصحيحة في وزارة المال والقيام بأعمال التدقيق والرقابة الإلزامية عليها من قِبل ديوان المحاسبة.
يوجد مصدران رئيسيان للإرباك والحرج في أي خيار من هذين الخيارين:
الأوّل، أن ما كشفت عنه عملية إعادة تكوين الحسابات لدى وزارة المال ينطوي على مخالفات وجرائم موصوفة لا يمكن العفو عنها ببساطة، أو لا يمكن تبرير العفو عنها من دون ملاحقات قضائية، ولو بالشكل، وتشهير سينال من «المقامات» و«الرموز».
الثاني، أن المسألة لا تتعلّق فقط بما سُمّي «إنفاق 11 مليار دولار» بين عامي 2006 و2009 وفق «القاعدة الاثنتي عشرية» غير الدستورية، في ظل حكومة الرئيس فؤاد السنيورة، في ذروة الصراع بين جبهتي 14 آذار و8 آذار، وإقفال مجلس النواب وعدم إقرار أي قانون للموازنة واعتبار الحكومة «غير ميثاقية» بسبب استقالة «الوزراء الشيعة» منها. لا شكّ في أن هذه الفترة مثّلت ذروة من ذروات التسيّب في إدارة المال العام والتصرّف به بلا ضوابط والتفلّت من كل رقابة فعلية أو شكلية، إلّا أن المسألة المطروحة اليوم تشمل كل الحسابات منذ عام 1993 ولغاية عام 2017، أي منذ تصفير الحسابات بصورة اعتباطية، واعتبار أن الدولة لم تكن موجودة قبل 1/1/1993، ولم يترتّب عليها أي حقوق أو التزامات ولم تمتلك أي موجودات، وهو ما جعل «ميزان الدخول» إلى عام 1993 خاطئاً، وجعل بالتالي كل «قطع حساب» صدّق عليه مجلس النواب في السنوات اللاحقة خاطئاً بدوره، وجعل ديوان المحاسبة يمتنع عن القيام بواجباته في الرقابة اللاحقة التي تسبق عمل مجلس النواب، وكل ذلك جعل «إبراء الذمّة» النهائي مُعلّقاً بانتظار الحلّ السحري. المسؤوليات في الواقع المُستجد بعد إعادة تكوين الحسابات ليست محصورة بطرف، ولو كانت متدرّجة، وهي ليست محصورة بالحكومة، بل تطاول مجلس النواب والقضاء المختصّ والمستفيدين من المخالفات والجرائم المالية.
هل المسألة «تقنية»؟ أي إنها ناتجة من خطأ تقني بتصفير الحسابات اعتباراً من عام 1993، وبالتالي يمكن تصحيحه وينتهي الأمر وتعود الأمور إلى مجاريها. أم أن وجود الحسابات النهائية المُعاد تكوينها يجعلها مسألة سياسية وجزائية بامتياز؟
في الواقع، يعود آخر «قطع حساب»، وافق عليه ديوان المحاسبة وصدّق عليه مجلس النواب «نهائياً»، إلى عام 1979. بعد ذلك، ساد «نظام الحرب»، دبّت الفوضى وأطاحت «النظام العام»، وفقدت الدولة سيطرتها على مواردها وريوعها ومصادر دخلها وقنوات التوزيع لمصلحة القوى المتقاتلة، التي صارت كلّ منها تبسط سلطتها على قسم من الأرض وجزء من السكّان. واعتباراً من عام 1980، دخلت الدولة في طور جديد من التفكّك والانحلال. وحتى عام 1992، أي طوال 13 عاماً، لم يجرِ إعداد أي «قطع حساب»، وأقرّ مجلس النواب قوانين الموازنة بمعزل عن هذا الشرط الإلزامي المُسبق، بل لم يوضع أي قانون للموازنة بين عامي 1986 و1989، بل قامت حكومتان أنفقتا المال العام، ولم تحصلا على أي إجازة للإنفاق والجباية، وهو ما تكرّر لاحقاً بين عامي 2006 و2016.
ما حصل بعد نهاية الحرب ومزاعم العودة إلى «الانتظام» في عمل الدولة، أن «النظام» الذي نشأ بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان في صيف 1982، كان مُلائماً جدّاً لترسيخ نظام الطائف والوصاية السورية وتحقيق أهداف مشروع إعادة الإعمار، على أساس مبدأ «شراء السلم الأهلي بالمال»، وفق تعبير رئيس الحكومة الراحل رفيق الحريري. وعلى هُدى النزعات «النيوليبرالية»، أو مبدأ «الصدمة» الذي تقوم عليه «رأسمالية الكوارث»، وفق تعبير ناموي كلاين في كتابها الشهير. ولم يكن تصفير الحسابات اعتباراً من أول عام 1993، إلّا التعبير الأكثر وضوحاً عن أن «نظام الحرب» و«قانون العفو» هيمنا كلّياً على الدولة وسلطتها. فصدر القانون رقم 408 في عام 1995 الذي أجاز «صرف النظر» عن موجب وضع الحسابات المالية النهائية للأعوام المُمتدة بين عامي 1980 و1990 بذريعة ظروف الحرب القاهرة التي دمّرت الأرشيف وضيّعت المستندات. وسمح مجلس النواب للحكومة بالتملّص من تعهّداتها بوضع حسابات عامي 1991 و1992، بحجّة فقدان المستندات أثناء نقلها من مقرّ الوزارة السابق في بناية حطب إلى مقرّها الحالي في رياض الصلح. ومنذ عام 1993 حتى عام 2005، صدرت قوانين الموازنات العامّة خارج المهل الدستورية ولم تكن «شاملة» و«سنوية»، وأُنفقَت مبالغ هائلة من خارج الموازنة، ولم تخضع كلّ الحسابات للتدقيق ولم تنل «الموافقة النهائية». ومنذ عام 2000 توقف إنجاز «حساب المهمّة»، ومنذ عام 2003 توقّف وضع «قطع الحساب»، ومنذ عام 2006 توقّف إصدار قوانين الموازنة... ولكن لم يتوقّف الإنفاق وجباية المال وتكديس الديون بلا سقف ولا ضوابط ولا أي نوع من الرقابة.
ما يعنيه «قطع الحساب» أو «كشف الحساب»، هو تقديم الحسابات عن كلّ سنة، تبيّن بدقّة ووضوح: كم أنفقت الحكومة بالفعل؟ كم جبت؟ أين انفقت؟ من استفاد ومن سدَّد؟ كيف تراكمت العجوزات والديون؟ وكيف أجيز فعل كلّ ذلك؟ مَن أجازه؟ وكيف؟ وعلى ماذا استند؟ هل حصلت مخالفات دستورية وقانونية؟ هل وقعت جرائم مالية؟ هل فُرِّط بحقوق للدولة؟ هل اختُلِس المال العام ولم تُجبَ الضرائب المُستحقّة؟ كيف عُبث بساحة الخزينة؟ وكيف تتوزّع المسؤوليّات؟ من هم المسؤولون، أفراداً ومؤسّسات كانوا أو سلطات وهيئات رقابة؟
مَن يسعى إلى المساءلة والمحاسبة وضرب الفساد ومحاكمة الفاسدين، فها هي الفرصة أمامه الآن لإثبات صدقه وحرصه المزعومين. لقد بات بين يديه أداة مهمّة لإظهار نيّاته الحقيقية. ولكن هل علينا أن نصدّق أن مسألة الحسابات المالية للدولة هي مسألة نيّات؟ فماذا عن مصير «نظام الحرب»؟ من الذي يريد إنهاءه؟ وبأي قوى اجتماعية يريد أن يفعل ذلك؟ أليس طمس الحسابات والعفو دائماً عمّا مضى ومواصلة نهب الدولة وتحاصص ريوعها وامتيازاتها من أهمّ أركان «الاقتصاد السياسي» بعد الحرب؟
من الآن وصاعداً، وحتّى توضع «الصفقة» وتنفّذ وينفذ الجميع بريشه، سنسمع كثيراً أن المسألة كلّها مسألة تقنية فحسب، وأن ما أُنجِز مجرّد عملية تصحيح لبعض القيود التي كانت ضائعة وظهرت فجأة، وأن كلّ إنفاق معروف أين أُنفِق. ما عدا ذلك، سيظهر بوصفه «مهمّة مستحيلة» لم يحن أوان إنجازها بعد.