أطلقت عضو الكونغرس الأميركي الجديدة ألكسندريا أوكاسيو كورتيز سجالاً حول الضرائب. والحجج التي تؤيّد فرض معدّلات مرتفعة لضريبة الدخل ليست تأديبية، بل سياسية ومالية.

حين يشتكي الناس من أن «النيوليبرالية» هي مفهوم فارغ، أذكّرهم بما حصل لمعدّلات ضريبة الدخل على الشرائح العليا منذ عام 1980، ليس فقط في الولايات المتّحدة والمملكة المتّحدة، بل أيضاً في أماكن أخرى حول العالم، كما يُظهر الرسم البياني الأول.
ويُظهر الرسم البياني الثاني ضريبة الدخل على الشرائح العليا في الولايات المتّحدة في القرن الماضي. ففي ذلك الوقت فرض الرئيس الجمهوري دوايت آيزنهاور على الشريحة الأعلى من الأغنياء معدّل ضريبة حدّية بنسبة 91%.
لا شكّ أن أسباب انخفاض معدّلات هذه الضريبة مُعقّدة، ولكن أبرزها هو اعتقاد نيوليبرالي بأن تخفيض معدّلات الضرائب لأصحاب المداخيل الأعلى من شأنه أن يقود إلى رؤساء تنفيذيين أكثر دينامية ينتجون شركات أكثر دينامية أيضاً، ومن شأن هذه الفوائد أن تنسحب على جوانب الاقتصاد كافة. فوفقاً لهذا الاعتقاد، إن فرض معدّلات ضرائب أدنى على أصحاب المداخيل الأعلى، يشجّع رواد الأعمال على خوض المزيد من المخاطر التي كانت مفيدة اجتماعياً. هذه حجّة مألوفة جدّاً وكانت تتفاخر خلايا الفكر اليمينية بها بشكل روتيني، إلى درجة أنّها بالكاد احتاجت إلى شرح. وهذا مثال كلاسيكي على لجوء الليبراليين إلى مفاهيم اقتصادية مُبسّطة من أجل تبرير سياسة مفيدة لهم ولمن يصرفون رواتبهم.



غير أن الدليل ضعيف على مثل هذا التأثير. والسبب واضح ومباشر. ففوق مستوى معيّن من الدخل، تصبح الحوافز الأخرى، غير الحوافز المالية البحتة، مهمّة. فكبار الرؤساء التنفيذيين مثلهم مثل كبار لاعبي كرة القدم، يريدون أن يكونوا ناجحين في ما يفعلونه وأكثر نجاحاً من الآخرين. لذلك سيرغبون في النجاح بغضّ النظر عن المكافآت المالية على ذلك.
ولكن ثمّة مفهوم اقتصادي أساسي آخر بالكاد يذكره النيوليبراليون وهو الفائدة الحدّية المتناقصة للاستهلاك. ويقتضي ذلك أمراً معاكساً للضرائب المنخفضة على الشرائح العليا. فمن المفيد أكثر اجتماعياً فرض ضرائب على أولئك الذين لا يجدون نافعة من تكبّد عناء التقاط دولار واحد عن الرصيف وتحويله إلى من هم أكثر فقراً. وقد وجدت ورقة شهيرة أعدّها دايموند وساييز أنه بعد التفكير بالآثار المثبطة لذلك وبآثار التهرّب الضريبي، فإن المعدّل الأفضل لضريبة الدخل للشرائح العليا في الولايات المتّحدة يجب أن يكون 73%.

لماذا يجب رفع معدّل الضريبة؟
ثمّة سببان لاعتبار أن حتّى نسبة 73% هي تقدير أدنى. فبيكيتي وساييز وستانتتشيفا حاججوا بأن منح الرؤساء التنفيذيين رواتب عالية قد يكون لديه تأثيرات تحفيزية سلبية. فهؤلاء سيبدأون بالسعي لزيادة رواتبهم أكثر بدلاً من تحسين الشركة. فجزء من مكانة المرء تأتي ممّا يمكنه أن يدفع ثمنه. لذلك حين تفرض معدّلات ضريبية عالية جدّاً على جميع الرؤساء التنفيذيين، فإن حجم رواتبهم لن يكون لديه تأثير يذكر، ولكن حين لا تُفرض ضرائب كبيرة على رواتبهم يمكنهم زيادة هذه الرواتب وتعزيز مكانتهم أكثر من خلال سحب المزيد من المال من الشركة. وبلغة اقتصادية، يمكن للضريبة الحدّية المنخفضة على أصحاب المداخيل المرتفعة أن تكون مثالاً جيّداً على كيفية إعطاء الحوافز للاستفادة من ثروات المجتمع بدلاً من زيادة المساهمة في خلق الثروة.
ولكن في حين أن دولاراً إضافياً لرئيس تنفيذي لن يحفّزه كثيراً بطريقة إيجابية، يمكن للمرء أن يحاجج بأنه يحفّز أصحاب المواهب على أن يطمحوا ليصبحوا رؤساء تنفيذيين. فهؤلاء سيكونون دائماً من بين الأغنى في المجتمع لأن جزءاً كبيراً من مدخولهم يخضع لمعدّلات ضريبة منخفضة. غير أن ورقة أعدّها لوكوود وناثانسون وويل قلبت هذه الحجّة رأساً على عقب. فالرواتب المرتفعة مرتبطة بأنشطة مثل الأنشطة المالية والقانونية والتي لديها آثار سلبية، فهي تقدّم فائدة للمجتمع أقل من حجم الرواتب التي قد تمنحها. فالكثير من الأنشطة المالية مثلاً يتعلّق بمحاولة سحب المال من الآخرين بدلاً من «تنمية كامل الكعكة». فإذا كانت الرواتب المرتفعة بعد احتساب الضريبة تحفّز الأشخاص الموهوبين على شغل تلك المهن، فهذا أمر سلبي للمجتمع الذي قد يستفيد إذا عملوا في وظائف مختلفة. ويمكن للمرء أن يقلّل من سوء تخصيص المواهب من خلال فرض معدّلات ضريبية أكبر على المداخيل العليا.
أنقر على الرسم البياني لتكبيره

يبقى لدى النيوليبراليين خطّ دفاع أخير ضدّ رفع الضرائب على الشرائح العليا وهو الهجرة. والحجّة هي أن المواهب التي يمكن أن تكون متحرّكة، ستنتقل إلى حيث تحظى بالمكافأة الأكبر. ثمّة دليل واضح على أن ذلك صحيح إلى حدّ معيّن. غير أن قلق هؤلاء لا يعني أن علينا إبقاء الضرائب على المداخيل المرتفعة كما هي الآن أو حتى تخفيضها، بل علينا ببساطة ألّا نرفعها كما يجب لأن بعض الدول التي تعتبر جاذبة للمواهب تستمرّ في فرض ضرائب منخفضة على أصحاب المداخيل المرتفعة. لكن في الواقع، السويد في وضع جيّد مع ضريبة 70% على أعلى المداخيل.
هذا الخطر من سباق نحو القاع مع ضرائب على الأعلى دخلاً يجعل من الأهمّية بمكان أن ترفع الولايات المتّحدة معدلها الحدّي على الأعلى دخلاً، على غرار ما اقترحته مؤخراً الديموقراطية ألسكندريا أوكاسيو كورتيز. ولأسباب مختلفة إلى حدّ ما، لا داعي لأن تقلق الولايات المتّحدة كثيراً بشأن استنزاف المواهب إذا رفعت معدّلات الضرائب على الأعلى دخلاً.

الرفاه الاجتماعي
إن الحجج الداعمة لرفع معدّلات الضرائب على الشرائح العليا هي على الأقل غير مالية. والدليل على أن الرفاهية الاجتماعية أعلى في المجتمعات الأكثر مساواة، يبدو مقنعاً. بعبارة أخرى، يجب علينا زيادة معدّلات الضرائب على الأعلى دخلاً لمجرّد أن ذلك يساعد على إنشاء مجتمع أكثر مساواة. وقد رأيت بعض محاولات فضح الأدلة المقدّمة لدعم ذلك في كتاب The Spirit Level: Why More Equal Societies Almost Always Do Better، لكنّها ليست مقنعة ككل، في حين أن هناك المزيد من الأدلة لدعم فكرة أن الناس أكثر سعادة في مجتمعات أكثر مساواة.
وثمّة حجة أخيرة تدعم معدّلات ضرائب مرتفعة على الأعلى دخلاً، والتي تبدو ذات أهمّية خصوصاً بالنسبة إلى الولايات المتّحدة والمملكة المتّحدة في الوقت الحالي. ففي نظام سياسي مثل النظام الأميركي حيث المال يشتري النفوذ السياسي بسهولة، سنجد بعض أولئك الذين يحصلون على رواتب مرتفعة جدّاً، يحاولون تحديداً القيام بذلك. وهذا يخلق نوعاً من البلوتوقراطية أو حكم الأثرياء. ولأن المال يمكن أن يساعد أيضاً في شراء الأصوات، فإن الانتخابات الديموقراطية يمكن أن تستمرّ من دون أن تهدّد بأي شكل من الأشكال نظام البلوتوقراطية. وحتى عندما تفرض القوانين المعمول بها سقفاً للإنفاق على الانتخابات، فإن المملكة المتّحدة تظهر أن هناك طرقاً للأغنياء للالتفاف حول ذلك، لا سيّما إذا كانوا يسيطرون على قطاعات كبيرة من الصحافة.
هذه هي الحجّة التي قُدّمت في مقالة افتتاحية رائعة في صحيفة «نيويورك تايمز» كتبها إيمانويل ساييز وغابرييل زوكمان، واعتبرا أن «التركيز الشديد للثروة يعني تركيزاً شديداً للقوّة الاقتصادية والسياسية. وعلى الرغم من أن العديد من السياسات يمكن أن تساعد في معالجة ذلك، إلّا أن فرض ضريبة دخل تصاعدية هي أكثر هذه السياسات عدالة وفعالية لأنها تقيّد جميع المداخيل العالية بالتساوي، سواء كانت ناجمة عن استغلال القوّة الاحتكارية أو عن منتجات مالية جديدة أو عن الحظ أو أي شيء آخر».
وفي ردّ قصير، قال الخبير الاقتصادي غريغ مانكيو: «كان معظم الأغنياء الذين أعرفهم سيسعدون بإنفاق مبالغ طائلة من المال لإبقاء ترامب خارج البيت الأبيض. وبالفعل حاول العديد منهم ذلك. فظاهرة ترامب ليست حجّة على أن النخب المتربّحة لها تأثير كبير على السياسة، بل على العكس هي حجّة على أن تأثيرها قليل جدّاً».
لكن هذا يسيء فهم (كما يفعل بعض اليسار) طبيعة البلوتوقراطية التي تخلقها المداخيل والثروة الهائلة. فهي لا تخلق نوعاً من «لجنة الأثرياء جدّاً» الذين يحدّدون فيما بينهم من يحكم، بل هي غير متوقّعة أكثر من ذلك بكثير. فبدلاً من ذلك، هي تسمح لمجموعات صغيرة من الأثرياء جدّاً، الذين قد يكونون غير ممثّلين تماماً، باختطاف نظام ديموقراطي بأكمله. ودونالد ترامب و«بريكست» مثالان واضحان على ذلك. فمانكيو محقّ في أنّ أحد الطرق لتجنّب ذلك هو خلق نوع أكثر تمثيلاً من البلوتوقراطية ولكن ثمّة طريقة أفضل بكثير لتفادي الكوارث من هذا النوع ألا وهي التعامل مع مصدر المشكلة، من خلال إعادة فرض معدّلات عالية من الضرائب على المداخيل الأعلى.

* أستاذ علوم الاقتصاد في جامعة أكسفورد

* ترجمة: لمياء الساحلي
* Social Europe