«ما قاله ماركس عن الرأسمالية يمكن أيضاً تطبيقه على الإمبريالية: الاحتكار يُوَلِّد التنافس والتنافس يُوَلِّد الاحتكار. إن التنافس المحموم عند الشركات العملاقة، والمصارف العملاقة والمليونيريين أجبر المجموعات المالية الكبرى التي كانت تستولي على الصغيرة، على استنباط فكرة الكارتيل»

كارل كاوتسكي

أما الآن وقد تشكّلت الحكومة، يظنّ البعض أن هذا يعني نهاية الأزمة، أو على الأقل، بداية نهايتها لأن ذلك سيشكّل ارتياحاً لدى الأسواق والمانحين والمستثمرين... إلخ من تفاصيل «أسطورة الثقة» التي يستمرّ البعض في إشاعتها على أنّها الحل في لبنان. لكن في الواقع، هذه «الثقة» ما هي إلا آمال وتمنّيات بعودة النموذج الاقتصادي إلى سابق عهده، إن في التسعينيات أو بعد باريس 2 أو خلال الفورة العقارية بين عامي 2007 و2011. والأعمدة الجديدة لهذا الحلم هي دور لبنان في إعادة إعمار سوريا، تدفّق أموال سيدر، عودة نموّ الرساميل الوافدة والودائع، وأخيراً وليس آخراً، اكتشاف النفط والغاز. باختصار تشكيل الحكومة والتمنيات المرافقة لها يسّوق لها كمعجزة؛ ولكن لسوء الحظ (أو حسنه) فهي ككلّ المعجزات لا تمتّ إلى الواقع بصلة.

أنجل بوليغان ــ المكسيك

بعيداً من كلّ هذا، يسأل المعنيون الجدّيون ماذا سيحصل الآن؟ على الأرجح أن لبنان سيستمرّ بحالة ركود طويلة الأمد مع إمكانية أن يتفادى الأزمات المتفجّرة إذا استمر تواتر الدعم النقدي من هنا وهناك كالمبادرة القطرية. وهذا يعني استمرار اهتراء وتدمير الاقتصاد اللبناني على الصعد كافة. أما طريق الحل، أو الطريق الآخر، فهو باتّباع سياسات اقتصادية ومالية ونقدية جديدة بعيداً من كل الأوهام المركنتيلية: أي وهم أن يأتي الخروج من الأزمة أو أن يأتي النموّ الاقتصادي والازدهار وارتفاع مستوى المعيشة من خارج الاقتصاد، إن عبر الصدف أو عودة الماضي أو اكتشاف مصادر جديدة للريع، سياسية كانت أو طبيعية. لكن هذه السياسات الجديدة المفترضة تتطلّب مقاربات جديدة في مجال السياسة العامّة، وبالتالي إذا أردنا أن نستشرف إمكانية قيام هذا التحوّل في مرحلة ما بعد تشكيل الحكومة، علينا أن نستكشف، على الأقل، قوة وضعف كلّ من المؤسّستين الأساسيتين: الدولة والمصرف المركزي.

دولة الطائف الضعيفة
ماذا عن الدولة؟ باختصار، في هذا الإطار، الوضع سيئ بل سيئ جدّاً. فالحكومة الجديدة ستكون مكبّلة بالأزمة المالية للدولة من جهة وبين خضوعها للمحاصصة بين الأحزاب المكوّنة لها، وأيضاً خضوعها للرأسمال من جهة أخرى. وهذا الضعف أصبح واضحاً وبنيوياً في دولة الطائف. فالأزمة المالية ستمنعها من أن تقوم بالاستثمارات الضرورية لإنهاء معضلة الكهرباء وغيرها من معوّقات البنية التحتية، وستمنعها من توسيع قاعدة الإنفاق الاجتماعي المُجدي، مثل إقامة تغطية صحّية شاملة لجميع اللبنانيين. أما المحاصصة بين الأحزاب الحاكمة فإنّها تعطي الفساد بعداً مؤسّساتياً، حيث توزيع موارد الدولة والتوظيف فيها يخضعان لمنطق هذه المحاصصة والعلاقة بين هذه الأحزاب وجماهيرها، وليس لمنطق القطاع العام الذي لديه أهداف ذات بعد عام لتحقيقها. بالتالي فإنّ أيّ محاولة لتحديث الدولة ستصطدم بهذه القوى التي تستعمل الدولة بشكل إقطاعي لمصالحها.
من هنا، الإجراءات المفترضة لخفض الإنفاق الحكومي ووقف الهدر والفساد و«التهريب» ووقف التوظيف وغيرها (والتي أرقامها مبالغ جدّاً بها)، التي يسمعها اللبنانيون منذ سنوات وسنوات، ستصطدم أولاً بهذه المصالح قبل غيرها. وحتى زيادة الضرائب على الاستهلاك مثل الضريبة على القيمة المضافة وزيادة الضريبة على المحروقات ورفع الدعم عن الكهرباء وإعادة النظر في أنظمة التقاعد الحكومية، أي مندرجات مؤتمر سيدر، تخضع أيضاً لهذا التجاذب والتحاصص.
السؤال الذي يقضّ مضجع الطائفيين اليوم هو: ماذا ستعطي هذه الأحزاب الطائفية بالمقابل لجماهير طوائفها إذا قامت بذلك؟ هل سيكفي المزيد من التوظيف وحشد الموارد نحو المناطق وغيرها؟ على الرغم من أن مكمن الهروب هذا من مأزقها يعني تعطيل بعض مفاعيل «الإصلاحات»، إلّا أنه لن يكون متاحاً أصلاً. أما الأمر الأخير، أو الطريقة الممكنة العلمية والاقتصادية من أجل حلّ الأزمة المالية للدولة من دون التقشّف، هي تعديل النظام الضريبي نحو زيادة معدّلات الضريبة على الأرباح والعوائد الرأسمالية الأخرى وذلك من أجل زيادة واردات الدولة وكبح جماح تراكم الدين العام وتمكين الدولة من الاستثمار والإنفاق الاجتماعي الفعّال. لكن الرأسمال، بقصر نظره المعهود، يرفض ذلك بشدّة. وهذا الأمر كان واضحاً جدّاً في المرحلة السابقة، فقد وضع النموذج القديم المال والثروة بأيدي الرأسمال المالي، ما عنى موارد أقل للاستثمار والإنفاق الاجتماعي، وهذا ما يفسّر مفارقة تراكم الدين العام من جهة واهتراء البنية التحتية واهتراء البيئة والصحّة والتعليم العامَّين من جهة أخرى. إذاً، لكلّ هذه الأسباب مجتمعة، الدولة المتمثّلة بالحكومة هي دولة ضعيفة لن تستطيع أن تقوم بعبء مواجهة الأزمات المتعدّدة التي يعاني منها الاقتصاد اللبناني.

المصرف الفائق
ماذا عن مصرف لبنان؟ أيضاً مصرف لبنان يتمنّى أن يعود إلى سابق عهده حيث كانت الأمور أقل تعقيداً. في عام 1993، قرّر أن يستعمل سعر الصرف كمرساة ضد التضخّم، وأصبح هذا الهدف هو هدفه الاقتصادي الوحيد الذي استعمل لتحقيقه معدّل الفائدة والتدخّل في أسواق الصرف. كان ذلك كافياً، وأصبح يدير السياسة النقدية على الأوتوبايلوت، على الرغم من حصول مراحل من عدم الاستقرار في 1997 و2001 و2004، وبعض التدخلات عبر تلقّي الودائع كما حصل في عامي 1997 و2001 أو عبر مؤتمرات كباريس 2، لكي يبقى سعر الصرف ثابتاً والتضخّم متدنياً. وطبقاً لتجربة اللبنانيين مع التضخّم وانهيار العملة في الثمانينيات، أصبح بذلك، وبسهولة، بطل الاقتصاد بلا منازع.
ولكن في السنوات الأخيرة، بدأت بعض التعقيدات بالبروز: من عجوزات ميزان المدفوعات الناجم عن تراجع التدفّقات الخارجية وتراجع نموّ ودائع المصارف وتراجع رغبة المصارف بشراء سندات الخزينة، كما تراجع النموّ الاقتصادي وربحية المصارف الذي كان النموذج التراكمي القديم يؤمّن لها أرباحاً قياسية.
أمام كل هذا، أصبح المصرف المركزي في وضع أصعب لا يمكن حلّه برفع الفائدة والتدخّل في سوق القطع، فاضطر إلى ترك التسيير الأوتوماتيكي للسياسة النقدية وتوسيع دوره عبر: أولاً، شراء سندات الخزينة اللبنانية مباشرة، فارتفعت محفظته من تلك السندات بشكل كبير من 9 مليارات دولار في آذار 2011 إلى نحو 24 مليار دولار (أي نحو 1/3 الدين العام) اليوم. ثانياً، «هندسات مالية» في السنوات الأخيرة بهدف «طبع» عملة صعبة من أجل رفع احتياطه منها وتحقيقاً لتوازن منشود في ميزان المدفوعات. ثالثاً، التدخّل في أسواق اليوروبوند خارج لبنان للمحافظة على سعرها ومنعها من الانهيار. أخيراً، والأهمّ والأخطر، فمن أجل تأمين احتياطي من العملات لديه من أجل الدفاع عن الليرة، طرح شهادات الإيداع لديه واشترتها المصارف بفوائد عالية. وكان هدفه أيضاً المحافظة على ربحية المصارف بإعطائها عوائد أعلى بكثير من السوق الراكد؛ واليوم أصبحت ودائع المصارف لدى مصرف لبنان نحو 120 مليار دولار، أي نحو ثلثي قيمة الودائع لدى المصارف؛ ويمكن القول إذاً، إن المصرف المركزي تدخّل فعلياً لإنقاذ المصارف عبر شراء «ودائعها» وذلك كان شبيهاً بـ«برنامج غوث الأصول المأزومة» TARP في الولايات المتّحدة الذي أنشئ إثر أزمة 2008.
إذاً رويداً رويداً تحوّل مصرف لبنان إلى مصرف يضمّ قوّة جميع المصارف ضمنه، ولكن بعكس ما كانت بالأمس قوّة لبنان في ضعفه، فإنّ اليوم ضعف المصرف المركزي في قوّته. فانتفاخ ميزانية مصرف لبنان لها كلفة عالية جدّاً على الاقتصاد وعلى ميزانية المصرف كما على الدولة، والتحدّي الآن كيفية التحلّل من الميزانية أو unwinding والعودة إلى النموذج التراكمي السابق.
في عام 1914، طرح المفكر الماركسي كارل كاوتسكي مفهومه حول الإمبريالية الفائقة أو الـutlra-imperialism حيث إن الدول الإمبريالية لا تعود تتنافس في ما بينها، بل تشكّل كارتيلاً شبيهاً بكارتيلات الاقتصاد. اليوم في لبنان، تطوّر القطاع المصرفي من شبه-كارتيل في التسعينيات تُحَدّد الفائدة في «توافق» بينه وبين المصرف المركزي، نحو أنْ يندمج فعلياً (de facto) معه مُتَحولين إلى مصرف فائق أو ultra-bank. حصل ذلك بسبب أخذ النموذج القديم إلى نهايته المنطقية، فبدلاً من طرحه جانباً في مراحل عدّة، تمّ التمسك به كنموذج لتراكم «السوبر أرباح» لدى الرأسمال المالي، وأصبح هذا «العجل الذهبي» المُجَمّد لدى مصرف لبنان بمثابة الشكل الطوطمي للنموذج في نهاياته. هذا هو مأزق المصرف والمصارف اليوم وهكذا يقع الاقتصاد اللبناني اليوم بين سندان الدولة الضعيفة ومطرقة المصرف الفائق.