«أتدرين أين ذهبت كلّ تلك الأموال؟ إلى المصارف. من المطبعة إلى جيوب الأثرياء فوراً. هل قال أحد إن البنك المركزي كان لصّاً؟ كلا. قالوا إنها عملية ضخّ سيولة، هكذا سمّوها، وقاموا بها من العدم»

LA CASA DE PAPEL البروفسور في


يوم الأربعاء الماضي، في 21 تشرين الثاني/ نوفمبر، اجتمع رئيس الحكومة المكلّف سعد الحريري، مع وزير المال في حكومة تصريف الأعمال علي حسن خليل وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة. وأوضح الوزير خليل بعد الاجتماع أن «البحث تناول الوضع المالي في البلاد والتحدّيات التي يواجهها»، في حين طمأن سلامة أن «الوضع المالي مستقرّ»!
ولكن، هل الوضع المالي مستقرّ حقّاً؟
وفق المعلومات، جاء هذا الاجتماع في سياق الاتصالات الجارية بين وزارة المال والبنك المركزي، من أجل إيجاد صيغة تسمح بمواصلة تمويل العجز المتنامي في إنفاق الحكومة من دون الاضطرار إلى رفع أسعار الفائدة على الدين العام الحكومي. فقد بات معروفاً أن البنك المركزي يمتنع منذ منتصف تشرين الأوّل/ أكتوبر الماضي عن الاكتتاب في سندات الخزينة بالليرة، في حين أنه يعطي المصارف معدّلات فائدة وعمولات أعلى بكثير لجذب توظيفاتها إليه عبر إصدار شهادات الإيداع الموازية والهندسات المالية، وهذا أدّى إلى امتناع المصارف أيضاً عن الاكتتاب في سندات الخزينة، وبالتالي وضع المالية العامّة أمام أزمة تمويل جدّية.
في الواقع، تجاوز الإنفاق الحكومي في الأشهر الماضية الاعتمادات المرصودة في الموازنة العامّة، بما فيها الاحتياطي، نتيجة عوامل وأسباب عدّة، أبرزها أن قانون الموازنة نفسه، الذي جرى التصديق عليه في مجلس النواب في نيسان/ أبريل من هذا العام، كان خاضعاً بالكامل لاعتبارين متناقضين: الأوّل، أنه أتى عشية الانتخابات النيابية، التي جرت في أيار/ مايو الماضي، وفي ظلّ شهية مفتوحة على الإنفاق السياسي التوزيعي لشراء الولاءات والأصوات. والثاني، أنه أتى قبل أيّام من انعقاد اجتماع «بارس 4» (سيدر)، والذي سبقته نصائح بخفض العجز في الموازنة، كشرط مسبق للحصول على قروض خارجية جديدة لتمويل بعض المشاريع. لذلك، وفي سياق تاريخ طويل من الخفّة في التعامل مع مسائل المال العامّ، جرى التصديق على قانون وهمي يخفي النفقات الفعلية ويضخّم الإيرادات المتوقّعة، ولا سيّما أن هذا القانون لم يحتسب كلفة دعم أسعار الكهرباء كتحويلات من ضمن الموازنة، وإنما كسلفة خزينة «طويلة الأجل» يعلم الجميع أنها لن تسدّد أبداً! ليس هذا فحسب، بل تمّ لحظ هذه السلفة لمؤسّسة كهرباء لبنان بقيمة أقلّ من تقديرات المؤسّسة لحاجاتها، بذريعة المحافظة على القيمة نفسها المرصودة في موازنة عام 2017، وعلى أساس سعر لبرميل النفط يقلّ عن 65 دولاراً.
توجد عوامل أخرى لا تقلّ أهمية لتجاوز اعتمادات الموازنة وزيادة العجز، إذ لم يجر الالتزام بمشروع قانون سلسلة الرتب والرواتب لموظّفي القطاع العام، وبالتالي بقيت التقديرات لزيادة الإنفاق العام مبنيّة على أساس مشروع خضع لتعديلات جوهرية، ولا سيّما لجهة معاشات التقاعد وسلاسل العاملين في المؤسّسات العامّة، فضلاً عن التعديلات الكثيرة التي طرأت على نسب الزيادة على رواتب ملاكات الإدارة العامّة والهيئات التعليمية والأسلاك العسكرية والأمنية، إضافة إلى استمرار التوظيف في هذه الأسلاك... وكذلك التعديلات التي طرأت على الدرجات وغيرها. كلّ ذلك أضفى نوعاً من الضبابية على كلفة السلسلة الجديدة، وهذا لا يعني أن التقديرات كانت خاطئة، بل بالعكس، فعلى غرار تجميل قيمة العجز في قانون الموازنة عموماً، اعتمد مجلس النواب ومعه الحكومة الغموض غير البنّاء لإمرار كلفة إضافية من دون احتسابها في الأرقام.
زيادة الإنفاق لم تترافق مع زيادة الإيرادات، ما أدّى إلى زيادة العجز، وبالتالي زيادة وتيرة نمو الدين العامّ الحكومي، واستنزاف السيولة المُتاحة المُتراكمة في ما يُسمّى الحساب 36، أي حساب ودائع الحكومة لدى مصرف لبنان، والذي يجري تكوينه عادة من فوائض الاكتتابات في سندات الخزينة التي تصدرها وزارة المال دورياً، ويديرها مصرف لبنان بما يخدم أهدافه النقدية، ولا سيّما امتصاص السيولة لدى المصارف وإعادة توظيفها في الدين العامّ وتحقيق الأرباح المضمونة عليها.
كلّ ذلك لم يكن مباغتاً، بل كان متوقّعاً من البداية، ويعرفه بدقّة كلّ المسؤولين في مجلس النواب والحكومة ومصرف لبنان، الذين تلقّوا تقارير وتحذيرات واضحة ومباشرة تبيّن الوضع المالي على حقيقته، وتبيّن ما يمكن أن تواجهه الدولة على صعيد تمويل إنفاقها في حال عدم اتخاذ إجراءات استثنائية بنيوية تطاول نوعية إنفاقها ووجهته ومصادر تمويله، ولا سيّما النظام الضريبي الذي يعفي الأرباح والريوع من أي عبء فعليّ ويركّز العبء على كاهل الأسر المتوسّطة الدخل والنشاطات الإنتاجية.
الآن، يقف هؤلاء المسؤولون كما لو أنهم عاجزون أمام الأزمة وشروط إدارتها، في حين أنهم هم المسؤولون عن نشوئها وانفجارها. فقد أعلن حاكم مصرف لبنان في الاجتماع المذكور، وفي مناسبات أخرى كثيرة، أنه غير مستعدّ حالياً لضخّ أي سيولة في السوق، لأن كلّ ليرة يضخّها تتحوّل إلى طلب موازٍ على الدولار، وبالتالي تزيد الضغوط على سعر صرف الليرة. ويأتي هذا الموقف للردّ على كلّ طلب أو اقتراح يدعو إلى «طبع العملة» لتمويل حاجات الإنفاق العامّ على غرار «طبع العملة» الجاري على قدم وساق لتمويل أرباح المصارف وتعزيز رسملتها وموجوداتها في سياق الهندسات المالية المستمرّة. يرفض حاكم البنك المركزي كلّ طلب أو اقتراح من هذا النوع، معتبراً أن «طبع العملة» أو «ضخّ السيولة» في المصارف، الذي يقوم به باستمرار، هو تحت سيطرته المباشرة، إذ إنه يفرض على المصارف أن تعيد توظيف هذه السيولة الإضافية لديه مباشرة عبر شهادات الإيداع والودائع النقدية الحرّة، وبالتالي يمنحها أرباحاً كبيرة، لكنه يقيّد استخدامات السيولة، وهذا غير ممكن في حالة «طبع العملة» لتمويل الإنفاق العامّ، إذ إن السيولة في هذه الحالة ستتّجه إلى السوق وتهدّد سعر الصرف. ولا يكتفي حاكم البنك المركزي برفضه «طبع العملة» لتمويل إنفاق الحكومة، بل يعتبر أن مهمّته في الوقت الحالي تقضي بمنع المصارف أيضاً من سدّ فجوة التمويل، طالما أن الهدف الأوّل والأخير هو إبقاء سعر الليرة ثابتاً. وفي هذا السياق، تفيد المعلومات بأن الاجتماع المذكور لم يخلص إلى أي اتفاق أو قرار يقضي بعودة مصرف لبنان إلى الاكتتاب بسندات الخزينة، بل تردّد أيضاً أن رضوخ الحكومة للضغوط الجارية لرفع أسعار الفائدة إلى ما لا يقلّ عن 10% على الدين العامّ الجديد لن يحلّ الأزمة «لأن المصارف لم تعد تمتلك سيولة كافية للاكتتاب»، وهنا بيت القصيد!
وفق الإحصاءات المتوافرة حتى آب/ أغسطس الماضي، بات مصرف لبنان يصادر نحو 123 مليار دولار من الودائع في المصارف، أكثر من 63 مليار دولار منها بالدولار، وأكثر من 59 مليار دولار بالليرة. وهو يواصل عمليّاته لمصادرة كلّ سيولة لدى المصارف بهدف منعها من التحرّك والضغط على سعر الصرف. وهذه المصادرة تمثّل نقيض السياسات المُتبعة منذ عام 2009، ولا سيّما بين عامي 2013 و2017، إذ عمد مصرف لبنان إلى ضخّ المزيد من السيولة بالليرة بذريعة تحفيز النشاط العقاري وجذب المزيد من التدفّقات بالعملة الصعبة من الخارج لسدّ عجز ميزان المدفوعات، واعتمد سياسة دعم الفوائد على قروض الأسر والشركات، ما أدّى إلى رفع الأسعار وزيادة المديونية العامّة والخاصّة إلى أكثر من 200 مليار دولار (في نهاية 2017)، فانتهى الأمر إلى تحقيق المصارف وكبار المودعين والمضاربين العقاريين والمستوردين أرباحاً خيالية، وفي حين لم يساهم ذلك بإضافة أي قرش على الدخل القومي، باعتراف البنك المركزي نفسه، تحوّلت هذه السياسات إلى مصدر ضغط إضافي على سعر الصرف، فسارع البنك المركزي إلى اعتماد هذا النوع من «المصادرة» غير المُعلنة، وهي لم تصب تمويل عجز الموازنة فقط، بل وقف دعم القروض السكنية، وكذلك انخفاض القروض للقطاع الخاصّ وضمور الاستثمار وإطلاق دورة من الركود التضخّمي.
هذه هي النتائج المُحقّقة، ولكن من يسائل من؟ وعلى ماذا؟