يوجد إقرار واسع، ولو بلغات تقنية مختلفة، أن مصالح المصارف والدائنين وكبار المودعين وملّاك العقارات والاحتكارات التجارية... هي التي تتحكّم بالسياسات في لبنان. وهي نجحت دائماً بفرض أولويتها على كلّ الأولويات، حتّى تلك التي ينادي بها البعض تحت عنوان «الممانعة» أو «السيادة». وهذه المصالح عملت باستمرار على تحويل كلّ تهديد لها أو خسارة مُحتملة إلى تهديد للمجتمع بأسره لإجباره على القبول بنقل الخسارة إليه وتحمّل الأكلاف. وهذا تماماً ما يحصل الآن تحت عنوان منع المضاربات على الليرة أو دعم الأسعار والفوائد أو جذب التدفّقات المالية الخارجية لتمويل الاستيراد والاستهلاك، أو بذريعة تطبيق العقوبات الأميركية ضدّ حزب الله، التي باتت تنطوي على تمييز مصرفي واسع وغير مقبول ضد شريحة من اللبنانيين مهدّدة دائماً في تحويلاتها المالية وتعاملاتها التجارية «النظامية».

لقد أسفرت هذه «التدخّلات» و«السياسات» المُعتمدة طوال السنوات الماضية، عن زيادة المخاطر كثيراً لا تخفيضها، وعمّقت الأزمة البنيوية الأصلية ولم تعالجها، وكبحت النمو ولم تطلقه، وشجّعت على الفساد والإسراف والكسل... وفي الحصيلة، أدّت إلى مراكمة مديونية عامّة وخاصّة قياسية، ومكّنت عدداً قليلاً جدّاً من الناس من الاستحواذ على المزيد من الدخل والثروة، على حساب أكثرية الفئات الاجتماعية والقوى العاملة، التي تدهورت مستوياتها المعيشية وخسرت كلّ يوم جزءاً من القوّة الشرائية لأجورها ومداخيلها.


لنمعن النظر قليلاً. ففي مقابل كلّ خسارة يتحمّلها ناس يوجد ناس رابحون. وفي حالتنا اليوم، يتحمّل كلّ المقيمين في لبنان خسارة بقيمة لا تقلّ عن 12 مليار دولار سنوياً، تُقتطع من دخلهم لتسديد مدفوعات الفائدة إلى المصارف والدائنين وكبار المودعين. ولكن توزيع هذه الخسارة غير عادل، وتتحمّل الطبقة العاملة والطبقات الوسطى العبء الأكبر من خلال السياسة الضريبية وسياسة رفع أسعار الفائدة ورفع الأسعار عموماً وتخفيض الأجور. في مقابل هذه الخسارة يوجد ربح وفير يحقّقه أقل من 10% من السكّان، يستأثرون بأكثر من 55% من الدخل و70% من الثروة المالية والعقارية و90% من الودائع المصرفية.
لا يحصل 90% من المقيمين في لبنان، من كلّ الأعمال والمهن، إلّا على 45% من الدخل، ولا تتجاوز حصّة العاملين بأجر أو شبه الأجر 25%. في المقابل، يقدّر البنك الدولي أرباح الاحتكارات التجارية وحدها بنحو 16% من مجمل الناتج المحلّي في عام 2006، أي ما يعادل 8.5 مليار دولار بأسعار الناتج المحلّي الإجمالي في هذا العام.
والآن، يعجز 5 من كلّ 6 وافدين جدد إلى سوق العمل عن إيجاد الوظائف الجيّدة، في المقابل تستحوذ الأنشطة العقارية والأنشطة المرتبطة بها (البناء وصناعة الإسمنت ومواد البناء وتجهيزاته والمقالع والكسّارات والمقاولات...) على 25% من الناتج المحلّي الإجمالي، أي 13.4 مليار دولار، وهذه الأنشطة ترتكز على العمالة غير الماهرة والرخيصة والتي يمكن الحصول عليها من أي بلد أفقر من لبنان في هذا العالم. علماً أن البيوعات العقارية المُسجّلة في العام الماضي بلغت قيمتها 10 مليارات دولار، على رغم الكلام المتزايد عن الأزمة في السوق العقارية، والمطالبة العارمة بالعودة إلى سياسة دعم أرباح المضاربات العقارية عبر دعم القروض السكنية وتشجيع الناس على التورّط أكثر في سوق الرهون العقارية المحفوف جدّاً بالمخاطر.
وفي حين لن يسجّل الناتج المحلّي الإجمالي هذا العام نموّاً حقيقياً بأكثر من 1% فقط، أي أن الأرباح والأجور عموماً لن ترتفع إلّا بهذه النسبة الضئيلة، إلّا أن النموّ غير موزّع بعدالة ولا يتّسم بأي توازن، فالرساميل الموظّفة في المصارف ستحقّق ربحاً سنوياً بنسبة تتجاوز 15%، أي أن ثروة المساهمين والشركاء ستزداد هذا العام بهذه النسبة، وكذلك سيحقّق المودعون في المصارف ربحاً سنوياً بنسبة 6.8%، أي أن رأس المال المالي سيحقّق أرباحاً بهامش أعلى بكثير من معدّل الأرباح للاقتصاد برمّته، وهذا يعبّر عن عملية جرف مستمرّة لناتج جهد المجتمع وتكديسه لدى القلّة السعيدة.
ماذا يحصل في مواجهة كلّ ذلك؟ تُترك «اللعبة النقدية» تأخذ مجراها، بحجّة أولوية تثبيت سعر صرف الليرة والخوف على الفئات الشعبية والخوف من «المؤامرة». ولكن كيف؟ بمنح الرابحين دوماً المزيد من الأرباح وتغريم الخاسرين دوماً المزيد من الخسائر. أليس أمراً مُفجعاً أن يبقى كلّ ذلك خارج جدول الأعمال؟ أليس غريباً أن يكون الانفصام بين السياسة ومصالح الناس قد بلغ هذا الحدّ القريب من أن يبلغ الانفجار؟